نبضات من الحب الإلهي

بقلم: ناهد الخراشي

الحب إكسير الحياة ونبض الوجود، وسر السعادة القلبية.. وأعظم أنواع الحب هو الحب الإلهي.. منه ينبع الحنان، وبه يستقر الأمان، وفيه تسكن المودة، وعنه تنبعث الألفة مع جميع الكائنات والمخلوقات، وإليه يصل القلب إلى الغاية المنشودة، وهي السعادة الكاملة حيث يكمن الحب والحنان الإلهي، والنور الرباني، والفيض الرحماني.

وأعلى درجة في الحب هي ميل القلب إلى الله.. بهذا المعنى يكون الحب هو الموافقة لإرادة الله، والسير في طريق الله، والطاعة فيما أمر، والابتعاد عما نهى، والرضا بما حكم وقدر، ويحوي ذلك معنى الإيثار والتضحية ونكران الذات.

وهذا الحب إنما يكتسبه الإنسان في الحياة الدنيا، وبشرى له في الآخرة، وحب الله يمتاز به كل مؤمن لا ينقطع عنه أبدا، وإذا زاد حب الإنسان لله، انتهى به إلى العشق، وفي العشق يقطع الإنسان كل علاقة مع غير الله بإخراجها من القلب تماما.

ومن ثمرات الحب الإلهي ألا يصاب المحب بخوف، ولا قلق، ولا اكتئاب، ولا يفكر إلا في الله وبالله، فهو تائب عن هواه وشهواته، صابر على ما يبتلى به ويمتحن، زاهد في طلبات النفس، خائف من بعد حبيبه، راج في إقباله ووصله ووصاله.

إن بين الله وبين المؤمن رباط مكين، وعروة وثقى لا حد لها، وحب لا نهاية له، ورضا لا رضا بعده.

الحب والخلوة

والإنسان المؤمن المحب لله، يجد سعادته في خلوته، وهناءه في وحدته، حيث يخلو إلى نفسه، يناجي ربه، ويشكو همه إليه، يشكره على نعمته، فهو يناجيه في فرحه، ويلجأ إليه في حزنه، ويتغنى بالدعاء له، والثناء عليه، والتسبيح والتقديس له عز وجل، ويشعر بأن كل ما في الكون من مخلوقات نغمات مميزة تشترك معه في التسبيح لله عز وجل.

كما أنه يحس أن هناك ألفة ومودة بينه وبين الطبيعة، وجميع المخلوقات الأخرى.. هناك صداقة بينه وبين الكون.. إنه يفهم لغة الكون، والكون يفهم لغته، وهذه اللغة المشتركة بينهما هي التسبيح والشكر لله، والإحساس بآثار حب الله في الوجود كله.

ومن خلال هذا الحب العظيم لله سبحانه وتعالى، يعبد الإنسان المؤمن الله عز وجل، ويتفانى في حبه إلى أقصى درجات العبودية.. فهو يعبد الله ويتقي الله في معاملة غيره من الناس حبا لله العلي الكبير، وليس طمعا في جنته وخوفا من ناره.

لا يسأل إلا الله

هذا بالإضافة إلى أن هذا المؤمن المحب لله العلي العظيم.. لا يسأل إلا الله، ولا يطلب العون إلا من الله، ولا يبث حزنه إلا لله، ولا يلجأ إلا إلى الله، ولا يعبر عن فرحته إلا لله بما أفاض عليه من فضل عظيم، وعطف عميم، ونعيم مقيم.

كما أنه دائما يطلب من الله عز وجل أن يصقله، ويهذبه، ويقومه، ويؤدبه، ويجعله في الصورة التي يرضى بها عنه.. فهذه المناجاة التي بين العبد وربه، تنبع من حب الله لعبده المؤمن، وحب العبد لخالقه رب العالمين، مما يدخل السعادة في نفس هذا الإنسان المؤمن فيشعر بالأمن والأمان، وينعم بالطمأنينة القلبية بذكره لله، ويهنأ بالسعادة الروحية التي تسري في كيانه كله، فيشعر بنشوة كبرى ولذة عظمى لا مثيل لها، فيسعد بطريقه الذي يسير فيه، وبحبه الكبير الذي أصبح كل حياته حيث يحيا به وله.

قلب نابض بالحب

إن القلب الإنساني النابض بالحب الإلهي، يحس بالذوبان مع حب الله.. إنه شعور وإحساس ونبض يسير في الجسد وينطق بالحب لله والمحبة لله.. حب عظيم رائع جميل، له لذة لا تساويها لذات الدنيا كلها وما فيها من زواج أو نجاح أو شهوة أو غنى أو مركز.. الخ من مباهج الدنيا وما فيها.

ومثل هذا الإنسان يحيا في حالة حب دائم مع الله، يحب حياته لأنها من الله، ولا يخشى الموت بل يرتقبه في أي لحظة، لأنه رجوع إلى الله، وستحين له الفرصة أن يلتقي بالله بعد شوق وحنين غامر.. إنه يرى الله في كل شيء.. كل شيء ينطق بالله، ويسبح لله، ويحمده كل بطريقته.. فإن الله يملأ الكون والوجود.. يملأ الحياة وما بعد الحياة..

كل خير من الله

ويعتقد هذا الإنسان بأن كل شيء جميل يأتيه فهو من الله، وكل شر يأتيه فهو من نفسه، ولابد أنه وقع في الغفلة والخطأ والنسيان والسهو وغفل عن ذكر الله، ولذلك حل به هذا الشر، إنه البلاء الذي من عند الله، فهو يرضى به لأنه الوسيلة الوحيدة التي تصقل بها نفسه.. إنه دواء مر ولكنه ناجع يصل إلى الأعماق مرة واحدة، إنه في ظاهره مرير وصعب، ولكن في باطنه الاستقرار والتهذيب والتقويم وصقل النفس، وهذا الإنسان الصابر لا يشعر بمرارة البلاء وصعوبته لأنه ينشد السكينة القلبية، والتهذيب والتقويم النفسي الذي يقوده إلى الله.

وهو يسعد بهذه الحياة التي تغنيه عن الدنيا حيث يشعر بأن حياته كلها بما فيها من سكنات، وحركات، وهمسات، ويقظة هي لله، ومن الله، وبالله، ولا تحيى إلا مع الله، ولا تسعد إلا بالله ولا تشقى إلا خوفاً من غضب الله.

وتمتزج الأحاسيس في كيان هذا الإنسان المؤمن بحب الله، حتى تصل إلى قمتها، حيث يشعر بالأنس بالله في كل لحظة، مما يقوده إلى الشوق الجارف إلى الله، والحنين المتلهف للقاء الله، فيسجد سجوداً خاشعاً نابعاً من قلب ينبض بالحب لله، يحترق شوقاً له.. يتمزق حنيناً إليه.. يحيى بنوره وعلى أمل لقاءه ورؤيته.

حقيقة حية

إن الحب الإلهي حقيقة حية في حياتنا، وآية نابضة ناطقة بالحنان أمامنا، ولا نتصور أن تقوم للإنسان حياة دون أن ينبض قلبه بالحب لله والإحساس بآثار هذا الحب.

إن بدايتنا من الله... ونهايتنا إلى الله.

وما بين البداية والنهاية هو طريق ما يسعى إليه الإنسان.. إما أن يكون طريقاً من نور.. وإما أن يكون طريقاً من ظلام.. إما أن نكون أولياء لله... وإما أن نكون أولياء للشيطان.

{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} النجم 39

{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} الشورى 20

إن الله لم يخلقنا عبثا.. بل خلقنا لرسالة ولواجب ديني، إذا كان الله القادر الحي القيوم لم يخلقنا عبثاً فكيف نجعل الطريق ما بين البداية والنهاية عبثاً ولهواً؟

إن الله خلق آدم ليكون خليفته في الأرض، فلا يمكن أن نكون خلفاء لله في الأرض إلا إذا ارتقينا بسلوكنا نحو الله.. نحو الأعلى..  وهنا لا يتركنا الله بل الإنسان الذي يختار طريق النور.. طريق الحق.. طريق الهداية يكافئه الله ويمن عليه بالأنوار الإلهية والعطايا والهبات.. ويدخل في قلبه الأمن والسكينة، وبذلك يكون هذا الإنسان غنياً بنفسه الحلوة الشفافة، الروحية الصافية، وذلك كله بفضل الله ورحمته.

فلا سبيل لنا إلا الإيمان بالله

ولا طريق لنا إلا طريق الله

ولا ثقة لنا إلا الثقة بالله

ولا نور لنا إلا بنور من الله

ولا أمن ولا نعيم لنا إلا في حب الله