|

أين يكمن الابتكار؟
الحلقة (2)
في الحلقة السابقة تمت مناقشة كمون الابتكار في
الأقطاب المتقابلة من البيئة -الوراثة، والدافعية - الذكاء، والمهارات -
القدرات، والتعلم - التعليم. وفي هذه الحلقة يناقش كمون الابتكار في أقطاب أخرى
كالجد - الهزل، والخيال - الواقع، والانفتاح - الانغلاق، والمرونة - الجمود،
والمغامرة - التردد، والتسامح - التسلط تاركين أمر أقطاب أخرى للحلقة القادمة.
5- في الهزل أم في الجد؟
لقد تناولنا
الابتكار بين الجد والهزل في مقال علمي مستقل، وذكرنا إلى أن الجد هو الحزم في
الأمور، وهو الوقار والرزانة في السلوك. وهو بالتالي الابتعاد عن الفكاهة
والدعابة والمزاح والمرح. وهو السلوك الرسمي الذي يطغى على الإنسان لما يتطلبه
الدور الاجتماعي. يفيد الجدّ في إضفاء نوع من الروتين الضروري على الحياة.
الجدّية في السلوك ضرورية إلى درجة ما، إلا أن الإسراف فيها مضرّ جدا. فهي
تعرقل المبادرات الشخصية وتمنع الابتكار. يتضمن الإسراف في الجدّ التزمت الذي
يبنى على الصرامة في السلوك. ويكون الإنسان فيه صلبا في المحافظة على الرأي
والجمود فيه، والانغلاق نحو النفس، وعدم تقبل الآراء الأخرى. يكون التوتّر
طاغيا في كل هذه الحالات على الآمر والمأمورين. يزيد الجدّ من مستوى التوتر
الموجود لدى الإنسان. ويضعف التوتر العمليات العقلية لدى الإنسان، ويقف حجر
عثرة أمام الابتكار، ويتعب المخ كثيرا. والأمرّ من كل ذلك أنه يؤدي إلى محو
خلايا المخ.
يقع الهزل في
الجهة المعاكسة من الجدّ تماما. ويتضمن المزاح والدعابة والفكاهة واللعب واللهو
والتسلية والضحك والتقهقة. فالشخص الهزلي هو الشخص الظريف الذي يقوم بسلوك من
شأنه أن يضحك الناس. وهو الشخص المرح الذي يميل إلى النكت واللطائف والنوادر
والمزاح. فالهزل نوع من اللامبالاة في جدّية الأمور، وأخذها أخذا يسيرا وسهلا،
وعدم الاهتمام بها بحيث يشغل البال كثيرا. يفيد اللهو واللعب والهزل والمرح
الإنسان من عدة جوانب. فيبتعد الإنسان عن جدّية الحياة المتعبة، ويزيل التوترات
التي تتخلّلها هذه الحياة فترة من الوقت. ويرتاح الإنسان وترتخي عضلاته، وينشرح
مزاجه. يفتح كل أبواب الدماغ للأفكار الجديدة المضحكة الساذجة التي تتضمن أصالة
الابتكار. يقلّل الهزل من مستوى التوتر الموجود لدى الإنسان الذي يعرقل
العمليات العقلية كثيرا. تزود الدعابة والمزاح الإنسان بطاقة عقليّة إضافية.
مظاهر شخصية وانفعالات
الجدّ والهزل
مظاهر شخصية تنمو مع نمو الانفعالات والميول والاتجاهات والعواطف والقيم بما
يتلقاه الأطفال والمراهقون من المحيطين بهم في العائلة والمدرسة من استحسان
واستهجان، ودعم أو انتقاد، فيتعلمون بذلك شكلا معينا من السلوك دون غيره. وتؤكد
بعض المجتمعات على الجد أكثر مما تؤكد على المزاح، فيزداد الجد لدى الكبار،
ويقلّ المزاح والهزل بتقدم العمر نتيجة العادات والتقاليد الاجتماعية.
يعبّر الإنسان عن الانشراح بالابتسامة والضحك
والقهقهة. تظهر الابتسامة على وجه الرضيع منذ الأشهر الأولى من عمره. يكون
الهزل والدعابة والمزاح في فترة الطفولة أكثر منه في فترات العمر الأخرى. ويمزح
الأطفال في عمر الخامسة كثيرا. ويصل عدد المرات التي يقهقهون فيها في هذا العمر
الزمني إلى 110 مرات في اليوم الواحد. يصل الابتكار هو الآخر إلى الذروة في
هذا العمر.
يرتبط الهزل
البريء ارتباطا وثيقا بالابتكار. فالهزل يتضمن تحطيم القوالب الموجودة التي
سادت لفترة معينة من الوقت. وهو الخروج عن المألوف بشيء غير مألوف ليكون مدار
موضوع الهزل. فالعلاقة العالية بين الهزل البريء والابتكار ناتجة من أن الإنسان
يرتاح كثيرا في مثل هذه الحالات. يساعد كل من الراحة الجسمية والنفسية التي
تؤول إليه وضعية الإنسان على التفكير المبتكر الخلاق. ولهذا السبب فقد وضع هول
وويكر 1996 معادلة للاختراع ضمنها الهزل، وأعطاها قيمة كبرى كما يأتي :
الاختراع = ( المثير + نظام العمل العقلي
)المزاح
6- في الخيال أم في الواقع؟
لقد تناولنا
الابتكار بين الواقع والخيال في مقالين علميين مستقلين، وأوضحنا إلى أنه إذا
قلنا أن الواقع هو ما يدركه الإنسان من البيئة المحيطة به عن طريق حواسه الخمس
فإننا نكون قد حدّدنا الواقع على أنه الجزء المادي المحسوس والملموس من البيئة
المحيطة بالإنسان. يكون الواقع بذلك هو كلّ ما نراه ونسمعه ونشمّه ونتذوقه
ونتحسّس به. إلا أن دائرة هذه الحواس الخمس في واقع الحال محدودة. والواقع ليس
مقتصرا بهذه الدائرة الضيّقة ولاشك، ذلك لأن هناك واقعا آخر يقع بعيدا، وقد
يكون بعيدا جدا، خارج نطاق وصول حواس الإنسان الخمس المجرّدة. ومن أجل التوصل
إلى هذه الحقائق فقد استخدم الإنسان منذ مئات السنين الآلات والأدوات والأجهزة
المختلفة. وفي كل ذلك وسّع دائرة هذه الحواس، وتعرّف على صغائر الواقع المحيط
به، فاكتشف الذرّة ومكوّناتها من ناحية، وكبائر الواقع البعيد عنه المتمثّل في
النجوم والمجرّات من ناحية أخرى. تعرّف على دقائق الذرّة والخليّة الإنسانية
بالميكروسكوبات من ناحية، وتعرّف على الأجرام السماوية البعيدة التي تكبر الأرض
التي يسكنها أضعافا مضاعفة بالتلسكوبات من ناحية أخرى. ولقد نجح في النصف
الثاني من القرن العشرين أن يتخلّص من الجاذبية الأرضية ويرسل المراكب الفضائية
إلى الفضاء الخارجي لكشف كنه هذا الكون الواسع الشاسع. فما وصله إلى حد هذا
اليوم ليس إلا جزء يسيرا من محيط لجّي.
الخيال والصورة الذهنية
الخيال هو تجسيد
صور ذهنية عن أشياء أو أحداث غير موجودة في الواقع في الوقت الذي يتمّ فيه هذا
الخيال. الخيال هو تصورات شخصية وتنبؤات وطموحات وآمال وتمنيات وإقامة أبنية في
الهواء وطيران في السماء العالية واستلقاء على الغيوم. وفي واقع الحال يمكن فعل
أي شيء بالخيال يخطر على البال أو لا يخطر إليه بالمرة، فالخيال لا يعرف حدودا
على الإطلاق.
الخيال هو الجزء
المكمل للواقع الموجود في الحياة الإنسانية. إنه ذلك الجزء الذي لا يؤيده
الواقع في الوهلة الأولى، ويبقى عالقا في الوجود إلى أن يجد ما يدعمه من
الواقع، فيتحوّل بذلك إلى تطبيقات عمليّة محسوسة وملموسة. ولولا الخيال لأضحت
حياة الإنسان باهتة لا طعم ولا لون ولا معنى فيها، ولضاقت الأرض بالإنسان رغم
أنها واسعة ورحبة. ولولا الخيال لأمست الحياة راكدة بدون حيوية أو نشاط.
فالخيال من ناحية أخرى تنفيس من الواقع الأليم وتهرب منه إلى عالم آخر خاص
بالفرد نفسه، يصوّر فيه أفكاره بالشكل الذي يعجبه ويحلو له. وقد يبدو الخيال من
أول وهلة غير مقبول لدى البعض، إلا أنه يحصل على هذا القبول بعد التطبيق وظهور
الحقائق المادّية المحسوسة الملموسة إلى حيّز الوجود. فالأفكار في أكثر الأحيان
تبدأ بالخيال، وتنتشر دائرة التطبيق للكشف عن الحقائق المادّية. ورغم أن هذا
الأمر مهم جدا في الحياة الواقعية إلا أنه ليس بالضرورة أن يتحقق الخيال دائما.
هذا ومن ناحية أخرى فالخيال نفسه مهم من زاوية الابتكار.
الابتكار والالتزام بالواقع
إذا ما شبّه أي
إنتاج مبتكر بشجرة فإن الجذور منها تشكّل الواقع، ويشكّل الجذع والأغصان
والأوراق منها الخيال. إذا ما شبّه الابتكار ببناية فإن الأساس منها يشكّل
الواقع، ويشكّل ما دون ذلك الخيال. فالابتكار إذن يتراوح بين الالتزام بالواقع
وبين إطلاق العنان لخيال الإنسان. وقد يبدر إلى الذهن سؤال مفاده: كم هي نسبة
الواقع من الخيال في الابتكار؟ تختلف هذه النسبة ولا شك من عمل مبتكر إلى عمل
مبتكر آخر. وبزيادة نسبة الخيال تزداد نسبة الابتكار. وفي هذا الخصوص يقول
جارتس كترنك: "إن الاختراع مزيج من الدماغ والمواد، وبزيادة استخدام العمليات
العقلية يقل استخدام المواد". وإذا ما عوّضنا عن الاختراع بالابتكار وعن الدماغ
أو العمليات العقلية بخيال الإنسان وعن المواد بالواقع وما فيه من مواد أولية
فلن يختل التوازن في هذه المقولة.
والخيال جوهر الابتكار. وإذا ما بقي الواقع على
حاله، وظلّت الحقيقة كما هي، فإن الابتكار يكون فيهما ولاشك قليلا. أما إذا ما
دمج الواقع مع الخيال، وتفاعلت الحقيقة مع التصورات الإنسانية والتمنيات
والآمال والطموحات والرغبات والمشاعر والأحاسيس، وعجن كل منهما مع الآخر عجنا
جيّدا، وترك أمرهما للاختمار فإن الابتكار يكون فيهما كبيرا وجوهريا.
7- في الانفتاح أم في الانغلاق؟
الانغلاق
والانفتاح سمتان من سمات الشخصية الإنسانية التي يكتسبهما الإنسان تدريجيا مع
مرور الأيام والسنين بالتربية والتنشئة الاجتماعية. تساهم العائلة والمدرسة
والمجتمع معا في زرع بذور هذه السمات الشخصية.
الانغلاق في أوسع معانيه هو الميل إلى الجمود
والتحجر والتصلب والركود والانحصار على النفس والعيش في إطار معين ضيّق ورفض كل
ما هو جديد يكون سببا للخروج من هذا الإطار. الانغلاق ضرورة شخصية واجتماعية
معا. يتضمن الانغلاق فوائد ذات أهمية كبيرة على المستويات الشخصية والاجتماعية
في الوقت نفسه. تضمن الفوائد الشخصية سرّ بقاء الانغلاق واستمرار ديمومته.
بينما تضفي الفوائد الاجتماعية على الانغلاق نوعا من التقدير والاحترام
والتبجيل الذي يصل به إلى درجة القدسية.
يحمي الانغلاق
الإنسان من التعرض إلى مثيرات كثيرة، ذلك لأن التعرّض إلى الكثير من المثيرات
يجهد الإنسان ويرهقه كثيرا. إن الانغلاق يسهّل على المرء أداء شيء يعرفه من
أداء شيء لا يعرفه. ومن هذا التكرار على أداء أعمال معينة وبأشكال معينة تتكون
العادات الشخصية والاجتماعية. تتضمن الفوائد الشخصية للعادات صرف جهد أقل من
اللازم وأداء العمل في وقت أقل من المعهود. يكون الإنسان بذلك قد اقتصد في
جوانب عديدة تتضمن الوقت والجهد والمال.
ولما كان الانغلاق في حالتيه الشخصية
والاجتماعية يتضمن الكثير من الجمود والركود والتصلب والتحجر، فإنه يلعب بذلك
دورا كبيرا في عرقلة الابتكار لدى الأفراد. يصل الأمر إلى درجة يصعب معها
التخلص من هذا الانغلاق بسهولة ويسر.
الانفتاح هو عكس الانغلاق تماما. فما قيل فيما
يخص الانغلاق يمكن أن يقال عكسه للانفتاح. يتضمن الانفتاح المرونة وكسر طوق
الجمود والتحجر والتصلب والركود والاستفادة من خبرات الآخرين وتوسيع الآفاق
وتقبّل ما هو جديد وجيّد حتى وان كان يناقض أفكار الفرد. الانفتاح في مستوياته
الثلاثة الذهنية والانفعالية والعملية ذات علاقة وثيقة بالابتكار.
8- في المرونة
أم في الجمود؟
الجمود على المستوى الذهني هو التفكير في اتجاه
واحد وعدم التمكن من الخروج من هذا الإطار. الجمود على المستوى العاطفي هو
التصلب والركود في الانفعالات وعدم التعاطف أو المشاركة الوجدانية في أحزان
وأفراح الآخرين. أما الجمود على المستوى السلوكي فهو ممارسة عدد من الأعمال
الروتينية في الحياة اليومية وعدم الخروج منه إن لم تكن هناك حاجة ماسة إلى
ذلك، وملاقاة صعوبة خاصة في هذا الأمر.
المرونة هي
التنوع في الفكر، وهي النظر إلى الأمور من أوجه مختلفة. وتعني من ناحية أخرى
وضع الأفكار والحلول والبدائل التي يمكن درجها في أنواع وتصنيفات مختلفة.
فالأفكار والحلول والبدائل التي تصنف في الصنف أو النوع أو المرتبة أو الفئة أو
المجموعة نفسها إنما تعكس اتجاها واحدا من الفكر. والنظر إلى الأمور بمنظار
واحد إنما يعكس التقولب الذي يخالف الابتكار. أما زيادة الأصناف أو الأنواع أو
المراتب أو الفئات أو المجموعات أو الطبقات إنما تعكس التنوع والمرونة
والابتكار. ويتطلب ذلك النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة، وهو أمر مهم جدا في
الابتكار.
التفكير
كالآخرين ليس محبّذا من زاوية الابتكار. بل ينبغي التأكيد على تمايز الأفراد عن
بعضهم البعض طبقا لسيكولوجية الفروق الفردية. يمكن تأكيد المعلم في الصفوف على
وجهات نظر الطلبة المختلفة والمتنوعة. ومن أجل ضمان المرونة فلابد من العمل على
كل ما من شأنه القضاء على التقولب والحياة الرتيبة. في أدناه بعض الأمثلة على
ذلك: قراءة الصحف والمجلات والكتب المتنوعة. الاستماع إلى محطات الراديو
ومشاهدة قنوات التلفزيون المختلفة المحلية منها والأجنبية. تغيير الملابس التي
يرتديها المرء يوميا، وتناول أكلات من أصناف مختلفة. الذهاب إلى مكان العمل من
طرق مختلفة. مقابلة أشخاص آخرين من غير الذين يقابلهم المرء يوميا. تغيير محل
الإقامة بين حين وآخر أو السفر والسياحة بين فترة وأخرى. تغيير أثاث البيت آو
إعادة تنظيمه في كل شهر أو فصل على الأقل. ارتياد دور السينما والمسارح
والملاعب والحفلات الموسيقية والترفيهية. زيارة المتاحف والمعارض والمكتبات.
الانضمام إلى نشاطات الاتحادات والنقابات العلمية وغير العلمية. الاشتراك في
الندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية والمناقشات العلمية. الاشتراك في الدورات
التدريبية في مجالات الحياة المختلفة، على أن تكون واحدة منها على الأقل في كل
سنة في موضوع لا يحبه الفرد ولا يرغب فيه. استخدام شبكات الكومبيوتر للوصول إلى
أحسن وأدقّ وأجدد وأغزر المصادر والمراجع في كل مجال من مجالات الحياة.
9- في المغامرة أم في التردد؟
التردد هو
مواجهة صعوبات معينة في اتخاذ قرار ما في أمر من أمور الحياة اليومية. ويتضمن
أخذ الحيطة الزائدة والتخوف من العواقب السلبية التي قد تنجم على الإقدام في
أمر من الأمور. وهو عكس الإقدام والمبادأة في أي حال من الأحوال. المتردد يخسر
دائما، أما المغامر فيكسب في بعض الحالات على الأقل، ويكون كسبه كبيرا في
العادة، تتناسب مع درجة مغامرته.
يمكن تعريف المغامرة على أنها : "الإقدام على
أمر مجهول العواقب رغم ما فيه من خطورة تهدد الفرد بشكل من الأشكال."
يمكن توضيح هذا التعريف كما يأتي:
أ- الإقدام على أمر: وهو البت في اتخاذ قرار في
شأن ما دون الوقوع فريسة للتردد الذي يعرقل العمل مع الشروع بالعمل والسعي من
أجل تحقيق الهدف بأسرع ما يمكن. فتفكير واتخاذ قرار ثم عمل على تطبيق هذا
القرار بأسرع ما يمكن.
ب- مجهول
العواقب: تكون العواقب التي يمكن أن تترتب على المغامرة ذا وجهين: وجه ايجابي
ووجه سلبي، وجه مربح ووجه مضر، وجه انتصار ووجه خسارة، وجه فيه غالبية ووجه آخر
فيه مغلوبية. أما نسبة أحدهما على الآخر فأمره يختلف من موقف إلى آخر، ومن شخص
إلى غيره، فقد تكون عالية، وقد تكون منخفضة. ومع ذلك فلا يألو المغامر جهدا
جهيدا لما يتمتع به من ثقة عالية بالنفس. فهو يركز على الجانب الايجابي أكثر
مما يركز على الجانب السلبي.
ج- رغم ما فيه من خطورة: الخطورة موجودة ولا
شك، وقد يكون شكل الخطر معروفا أو غير معروف، أو جانبا معروفا وجانبا مجهولا في
آن واحد.
د - تهدد الفرد بشكل من الأشكال: التهديد
بالضرر وارد. والتضرر نتيجة هذه المغامرة قد يصيب صحة الإنسان أو ماله أو يكلفه
حياته أو كل ذلك في آن واحد.
أحد تعاريف
الابتكار هو رؤية ما لم يراه الآخرون، وتفكير ما لم يفكر به الغير، وفعل ما لم
يجرأ عليه أحد. إذا كرر الإنسان ما فعله الآخرون فإنه يكون مقلّدا وليس مبتكرا.
فلابد للإنسان من هذا المنطلق أن يأتي بفعل أو عمل لم يفعله ولم يجرأ على فعله
العامة من الناس. وليس كل فعل لم يفعله الآخرون إنما يتضمن الابتكار، لذلك
فلابد أن يكون هذا الفعل مما تكتسب منه فائدة ما مادية أو معنوية للفرد
والمجتمع. وإذا ما أقدم الفرد على أمر مجهول لا يعرف عواقبه يكون بذلك جسورا
وشجاعا. وقد يكون في فعله هذا من الأوائل. والأوائل دائما يمثلون القادة،
ويحصلون على مكاسب كثيرة لا يكتسبها غيرهم من المقلّدين التابعين. فالجرأة
ضرورية للابتكار رغم أنه لا يضمن ذلك في كل مرة. فالشجاعة والإقدام اعتبرا
دائما وأبدا من شيم الأخلاق لدى العرب.
الجسارة والجرأة وروح المغامرة
تعني الجسارة
والجرأة العالية تملك روح الإقدام على فعل أمر تجهل عواقبه. وهي المبادأة في
القيام بنشاط معين دون الخوف من النتائج السلبية التي قد تترتب على ذلك مع عدم
إهمال أخذ الاحتياطات اللازمة. وهو التجرد من الخوف والابتعاد من التردد
والارتباك للإقدام على كشف أمر غير معروف، وعدم التخوف من المجهول، وخطو خطوة
لارتياد أكنافه، والعمل على كشف أسراره الخفية. وهو نوع من التوكل على الله مع
أخذ الأسباب في الإقدام على فعل عمل معين.
روح المغامرة
موجودة لدى من نسميهم بالأوائل، الذين يتصفون بالمبادأة والإقدام. فهم يقودون
الشعوب والعلوم وأي مجال من مجالات الحياة المختلفة، ويوجهونها الوجهة التي
يرونها ضرورية في ذلك. لقد كانت روح المغامرة موجودة لدى طارق بن زياد عندما
قرر فتح الأندلس، وعبر المضيق الذي سمي باسمه بعد ذلك، وأضرم النار في السفن
غير آبه بما سيلاقيه فيما بعد ذلك. لقد كانت روح المغامرة موجودة وبدرجة عالية
لدى كريستوفر كولومبس وطاقمه عندما قرروا خوض محيط متناهي الأطراف، وكشف قارة
جديدة مجهولة آنذاك. وكانت هذه الروح العالية موجودة لدى فرديناند ماجلان وهو
يجول حول العالم لأول مرة بامكاناته المحدودة في تلك الأيام. ولقد كانت روح
المغامرة عالية لدى مدام كوري عندما واصلت أبحاثها عن العنصر المشع رغم معرفتها
المسبقة بخطورة الأمر وإصابتها بالإشعاعات القاتلة. وكانت هذه الروح عالية أيضا
لدى آرمسترونك عندما قرر أن يكون أول إنسان يرتاد الفضاء الواسع. وأمثال هؤلاء
في التاريخ وفي تأريخ العلم كثيرون.
يمكن إعطاء أمثلة كثيرة على مغامرات الشباب في
هذا المجال. ارتياد الكهوف والغابات وتسلّق الجبال والقفز من الطائرات بالمظلات
والاشتراك في سباق السيارات والدراجات البخارية بعض الأمثلة على ذلك. ولاشك أن
الحركات الكشفية ومعسكرات الشبيبة أعمال منظمة لإشباع عطش الشباب إلى المغامرات
ودعم هذه الروح والحفاظ عليها عالية طول الوقت. وقول الشاعر الجزائري أبو
القاسم الشابي: "ومن لم يرد صعود الجبال.... يعش أبد الدهر بين الحفر" يتضمن
الكثير من الحكم والعبر حول ضرورة القيام بالتضحية والفداء والمغامرة وركوب
الصعاب وتحمّل الأهوال المختلفة.
10- في التسامح
أم في التسلط؟
الضغوط العائلية والاجتماعية بشكل عام تؤدي إلى
الانكماش إن لم تولّد الانفجار. وتعرقل هذه الضغوط من جانب آخر النمو الطبيعي
إن لم يقض عليه قضاء مبرما. وهذا الأمر صحيح جدا بالنسبة لأعضاء الإنسان بما في
ذلك الدماغ.
تستخدم عوائل كثيرة ضغوطا كبيرة على أطفالهم
بدعوى الوقاية والمحافظة عليهم من الشرور وتأديبهم. ويمكن أن يحصل كل ذلك بدون
اللجوء إلى مثل هذه الضغوط. وفي واقع الحال تضر هذه العوائل أطفالها أكثر مما
تفيدها من حيث تدري أو لا تدري. ويحصل الجهاز العصبي على أضرار كبيرة من هذه
الضغوط.
وفي المجتمعات تطبق التعليمات والأنظمة
والقواعد والقوانين والدساتير التي قد تجمد بمرور الأيام إلى درجة كبيرة، ولا
تفسح المجال لأية استثناءات أو تفقد المرونة في التطبيق. وقد تكون كل ذلك
متخيلة من قبل الأفراد بسبب الجهل فيها.
تولد الضغوط
القلق والتوتر الزائدين. والقلق والتوتر مضرّان جدا في جوانب عديدة. إذ يسبب
القلق والتوتر أمراضا كثيرة فتّاكة من ضمنها السرطان وأمراضا قلبية أخرى. ومن
الجدير بالذكر أن القلق والتوتر إنما يقفان حجر عثرة أمام الإبداع والابتكار.
وليس هذا فحسب، بل يضعف القلق والتوتر العمليات العقلية المختلفة لدى الإنسان.
يرهق القلق والتوتر الدماغ كثيرا. والأمرّ من ذلك أنهما يؤديان إلى محو خلايا
الدماغ. ويصيب الإنسان نتيجة لذلك بالكثير من اليأس والقنوط.
تتضمن الضغوط
أيضا التزمت النابع من الصرامة في السلوك سواء في العائلة أو في دائرة أو مؤسسة
أو على مستوى الدولة. وقد يلجأ إلى استخدام الفظاظة والغلظة إذا ما جوبه بأي
نوع من أنواع الاعتراض في الرأي. ولهذا السبب يتجنب الآخرون إبداء أي نوع من
أنواع الرأي. وتقللّ الضغوط التعاون والتكاتف فيما بين الأفراد، ويحرمهم من
الاستفادة من طاقات الآخرين الجسمية والعقلية. وإلى هذه الحقيقة يلفت سبحانه
وتعالى الدقة والانتباه مخاطبا رسوله محمد (ص) في القرآن الكريم {ولو كنت فظا
غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر...} ( سورة
آل عمران : الآية 159 ).
التسامح هو عكس اللجوء إلى الضغوط. إذا كانت
الضغوط تنفر الأفراد من بعضهم البعض فإن التسامح تجمعهم من أجل العمل المشترك.
إذا كانت الضغوط تولد القلق والتوتر لدى الأفراد فإن التسامح تريحهم ولا شك.
الابتكار لا ينبع من التوتر والقلق، بل هو النتيجة الحتمية للراحة النفسية
والجسمية. |