الشاعر عبدالعزيز البابطين

الشاعر عبدالعزيز البابطين

حوربنا بشدة في الكويت من فئة لاتريد الخير للوطن

جمال العدواني بعدسة ميلاد غالي التقى الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين أحد أعلام الثقافة العربية، الذي صنع لنفسه مكانة مرموقة، فحصل على اثنتي عشرة شهادة دكتوراة فخرية وعشرة أوسمة من زعماء دول العالم تقديراً لجهوده الأدبية والثقافية والتعليمية. أبحرنا معه في بعض محطات حياته.

*حياتك حافلة بالعديد من الإنجازات والأعمال التي نفتخر بها لكن نود أن نعرف الجانب الآخر منها؟

باعتقادي أن طفولتي لا تعني القارئ في شيء؛ لأنها كانت كأي طفل كويتي أو عربي عاش بين أقرانه يتخللها الشيطنة والروح السمحة والطموح منذ الصغر، وبعدما كبرت قليلاً بدأت أحضر مجالس الشعر لشقيقي عبداللطيف، الذي كان يأتي بشعراء النبط في فترة الأربعينيات ويسجل لهم ما يقولونه وما يرونه عن الآخرين، فنمت بذرة الشعر عندي، وأتذكر أنني قلت أول قصيدة نبط شعرية حين كان عمري 11عاما، وعندما لاحظ والدي الله يرحمه وشقيقي عبداللطيف هذه الرغبة في داخلي، بدآ يدفعان لي بعض الدواوين الشعرية، وبعدما صارت لدي حصيلة من المفردات العربية قدمت أول قصيدة في الفصحى بعمر 14عاما، ومن ثم بدأ تدفق الشعر في ذهني وبدأت أنميه من خلال قراءاتي.

* بداية مبكرة جدا فما مسوغاتها؟

كنت أحترم الشعراء احتراما كبيرا حتى أنني مازلت أذكر موقفا حصل في الديوانية التي هي عبارة عن ثلاثة ديوانيات، الأولى مخصصة للأسرة، وتكون ما بين المغرب إلى العشاء، وبعد صلاة العشاء مباشرة تفتح الديوانية للأصدقاء، وهذا الكلام في فترة الأربعينيات والخمسينيات، وبعد العاشرة تفتح للشعراء النبط ويتم تسجيل ما يقولونه، وكان أحد الشعراء عاملا مشتركا حيث يشاركنا ديوانية الأصدقاء؛ كونه صديق الوالد وبنفس الوقت يحضر ديوانية الشعر كونه شاعرا، فعندما يحضر ديوانية الأصدقاء أقف له احتراما وتقديرا حينها كان عمري حينها 8 أعوام، وهذا الأمر تكرر ما جعل أصدقاء الوالد يشعرون بالضيق لهذا التصرف، كوني أقف لهذا الشخص تحديدا، فعندما استفسر الوالد بخصوص هذا الأمر قلت له إنه شاعر ويجب أن أحترمه فضحك الوالد وقال افعل ما تراه فكان احترام الشعر والشعراء عندي منذ زمن مبكر.

تكريم المبدعين

*احك لنا كيف استطعت إنشاء مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري؟

كان لانحسار المد الأدبي في الوطن العربي في نهايات القرن العشرين, والتراجع الكبير لدور الأدب وبخاصة الإبداع الشعري, مدعاة للمقارنة بين الحاضر المؤسف لهذا الأدب والإهمال المؤلم للشعراء المبدعين- فالشعر فن العربية الأول وديوان العرب وسجل مآثرهم ومفتخرهم- وبين ماضيه المزدهر، وانطلاقا من هذا الواقع فكرت بإنشاء مؤسسة ترعى الشعر وتكرم الشعراء؛ أسميتها “مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري”، وجعلت مجال عملها تكريم المبدعين من الشعراء ونقاد الشعر، وإصدار المطبوعات عن الشعراء الذين تحمل دورات المؤسسة المتابعة لأسمائهم، وأعلنت إنشاءها عام 1989 في القاهرة عاصمة الثقافة والفن والإبداع العربي، ونمت المؤسسة وافتتحت لها مكاتب إقليمية في كل من تونس وعمان والكويت، بالإضافة إلى مكتبها الرئيسي في القاهرة. والحمد لله نجحنا نجاحا جيدا، ومن خلال تطوير هذه المؤسسة استطعنا عام 2004 أن نذهب لأول مرة إلى قرطبة تحت اسم دورة ابن زيدون.

*وهل كان لذلك صدى بعد تلك المشاركة؟

حقيقة كان هذه ردا على تقولات الصهاينة الذين استغلوا أحداث 11 سبتمبر استغلالا شنيعا لتشويه الوجه العربي والإسلامي، وبإمكانياتنا المتواضعة استطعنا أن نرد على هذه الإدعاءات المشوهة ونجحنا فيها نجاحا طيبا، ودعتنا عدة مؤسسات ثقافية في أوروبا وشجعتنا، فكان أولها مؤسسة اليونسكو التي قال مديرها لي: إن أهدافكم تصب بنفس أهدافنا وأقمنا معهم دورة “شوقي ولامارتين” في باريس عام 2006 تحت رعاية الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، فكان هدفنا أن نجعل الأوربيين يستمعون لنا كي ننجح في مسعانا معهم, ووجهت لنا العديد من الدعوات للمشاركة في مختلف أقطار أوروبا, وكلامي هذا يؤكد على أن الأوروبيين على استعداد لأن يستمعوا إلينا.

*وهل استمعوا إليكم؟

بالفعل استمعوا إلينا ثم قررنا تأسيس المعهد العربي الأوروبي لحوار الحضارات؛ بالمشاركة مع برلمان الاتحاد الأوروبي ومع مؤسسة ثقافية كبرى إيطالية وأخرى بلجيكية، وكان مكانه في الجامعة روما الثالثة، وهذا يعني أننا كنا نخاطب الأوروبيين من الكويت، لكن اليوم أصبحنا نخاطبهم داخل دارهم من خلال مراكزنا التي أنشأناها، ونتيجة هذا التحرك اتفقنا مع اتحاد الأوروبي على إقامة دورتنا الثالثة عشرة القادمة إن شاء الله 11 نوفمبر في مقر الاتحاد الأوروبي، وهذا يعتبر إنجازا كبيرا للمؤسسة ومكسبا كبيرا للكويت بشكل خاص وللعرب بشكل عام، فالبرلمان الأوروبي يمثل 27 دولة تمثل الشعوب الأوروبية؛ سنخاطبهم بشكل مباشر بكل عقلانية وسلاسة، وأنا متأكد أن مفاهيمنا العربية الأصيلة ستدخل عقولهم، وإن شاء الله سنتغير من نظرتهم للعرب والإسلام.

طفرة جديدة

*إنجاز عظيم يستحق التعب؟

في حقيقة الأمر أعتبر هذه طفرة ليست للمؤسسة فحسب، بل للكويت والعالم العربي, وقد دعونا شخصيات عالمية كبيرة ليتحدثوا عن العلاقات العربية والأوروبية وتطورها في القرن الواحد العشرين، وهذا ما نسعى له في محاولة منا أن نزيل النقط السوداء التي طبعها أعداء الأمة في أذهانهم وسننجح بإذن الله.

*هل واجهتم صعوبات وعقبات في إقناع الأوربيين بما تقدمونه؟ وهل هم واعون تماما لما تقدمونه؟ أم المسألة عبارة عن مجاملات دبلوماسية فقط؟

لا أبدا، ليس في الأمر مجاملات، ودليل ذلك أنه ليس بيننا وبين جائزة نوبل علاقة لكي تدعونا، ولما دعتنا وزيرة الثقافة الفنلندية أيضا فليس لأن بيننا مجاملة، بل هدفهم تشجيعنا وليفهموا العرب, لأن مع الأسف التضليل كان واسع الانتشار والخدع غزت عقولهم، وهم على استعداد أن يسمعونا، والحمد لله نجحنا في إيصال الحقيقة، والدليل على ذلك دعوتهم لنا ودعوة المنظمات العالمية التي تحاول أن تشيع السلام والمحبة بين البشر.

لقد أنشأنا المركز العربي الأوروبي لحوار الحضارات منذ عشر سنوات في قرطبة وتم تأليف كتب من قبل أوربيين يتحدثون عن فضل العرب على الحضارة البشرية وما وصلوا إليه؛ ويتحدثون عن دور قرطبة الأندلس العربية، وما بذله العلماء العرب الكبار من عطاءات للبشرية، ونحن اليوم ننهل من هذه الحضارة ونحيي أسماء هؤلاء العلماء من جديد؛ لكي يعرف الجيل الحالي من الأوروبيين والأجانب قيمة العرب في مجال تشكيل الحضارات، ولا أخفيك واجهنا صعوبة في دخولنا الاتحاد الأوروبي ولم يأت هذا الإنجاز بسهولة.

*بدفع مادي إذن؟

لا لم أقصد بالمال بل بجهود كبيرة استطعنا أن نقنعهم بوجهة نظرنا، ورحبوا بنا من خلال دعوتهم لنا، ونحن جيران للأوروبيين وسنبقى، فلا بد أن نمد يد المصالحة والسلام والمحبة بيننا حتى ننعم جميعنا بعيشة هانئة وسعيدة.

الثقافة العربية

*نلاحظ شغف الأوروبيين بالتعرف على تاريخ العرب وفي المقابل نجد عزوف العرب عن هذا التاريخ الأصيل.. ما تعليقك؟

هذا العزوف عقوق للثقافة العربية، وإذا كان العالم أجمع يحرص على التعرف على الثقافة العربية، فقد لمست ذلك عندما وجدت أن الصين وماليزيا وأندونيسيا والهند وأمريكا؛ جميعها تدعونا لنقيم هذه الندوات. هنا الشخص يشعر بأن العرب لهم قيمة، لكننا مع الأسف لا نعرف قيمة أنفسنا، وصدقني متى ما عرفنا قيمة أنفسنا أعتقد أننا نتحرك, ونحن في المؤسسة عرفنا قيمتنا.

* ألا ترى أن جهودكم الفردية لا تكفي لتحقيق هذه الأهداف الضخمة؟

لا تحتقر كيد الضعيف فربما

                     ماتت أفاعٍ من سموم العقرب

فالحضارة العربية البشرية من فعلها هم أفراد سعوا لتحقيقها، ونحن بدأنا صغارا جدا واليوم أصبحنا كبارا بما نقدمه، ونسعى للمزيد ولو تلاحظ هناك أوسمة وتكريم من رؤساء دول فلم يأت ذلك من فراغ بل نتيجة جهد ضخم.

*نعاني في وطننا الخليجي والعربي من كثرة الإحباطات والعراقيل أمام طريق المبدعين؟ ما رأيك؟

شخصيا نحن حوربنا بشدة في الكويت من قبل فئة لا تريد الخير لهذا الوطن بشكل قاس ومع الأسف الشديد بلا مبرر فقط الحسد، لكن بما أنني مؤمن بأن التحدي سيوصلك إلى النجاح، فأنا تحديت الصعوبات ووصلت إلى النجاح ولله الحمد، وكل من سار على الدرب وصل، خاصة أن البشائر واضحة بعد ما أصبحت مؤسستنا معروفة على نطاق واسع.

*اليوم غزا عالمنا الفكر المشوه لصورة الإسلام والعرب الحقيقية ما قد يؤثر على أعمالكم؟ فما ردك؟

بالعكس تحركنا هو مقاوم لهذه الأفكار السيئة والكاذبة، فأن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي، ربما انطلاقتنا كانت متأخرة نحو أوروبا في 2004، لكنني متأكد بنسبة مئة بالمئة أن المؤسسة تؤثر في الفكر الأوروبي والعالمي بشكل عام تأثيرا مباشرا، وإن لم نكن تحركنا لكانت الأمور أكثر ألما، لكن تحركنا رغم تواضعه فإنه أفضل بكثير من عدم تحركنا أو سكوتنا، وربما تأتي مؤسسات عربية تعمل في نفس النهج والطريقة، فإذا كثرت هذه الأصوات ستؤثر بشكل مباشر على مفاهيم الغرب في اتجاه العرب.

*هل توجد مؤسسات عربية تنافسك في هذا الاتجاه؟

أتمنى بأن تكون في منافسة شريفة , لكن مع الأسف هي قليلة جدا, فمثلا مؤسسة الفكر العربي تسير في هذا الطريق، وبعض المؤسسات العربية لكن بشكل متواضع, ربما تحركنا كان أسرع من الجميع ونحن بحاجة إلى هذه المنافسة الشريفة.

المثقفون العرب

*هل خطوات مؤسستكم سريعة بفضل وقوف رجل وراءها كعبدالعزيز البابطين؟

حظيت هذه المؤسسة بمحبة ومساعدة جميع المثقفين العرب بلا استثناء، وصدقني لو احتجنا إلى أي مادة ثقافية في أي بلد ولو لا نعرفه ستجد هناك من يساعدنا من أجل أن يساهم معنا في هذه المؤسسة، فمحبة هؤلاء هي من رفعت شأن المؤسسة وعملنا مجلدات ضخمة لشعراء ماتوا، ولم يؤخروا أشعارهم بفضل تضافر الجهود من مختلف الأماكن، حيث استطعنا أن نوثق أكثر من 11 ألف شاعر، وعملنا 25 مجلدا، لا يستطيع عبدالعزيز البابطين أن يعمل هذا العمل وحده، لكن ربما أنا وراء هذه المجموعات التي أنجزت هذا العمل الضخم، فتخيل أحصينا ألفي شاعر أحياءً و250 شاعرا ماتوا أحييناهم من جديد من خلال أشعارهم وسيرهم الذاتية.

*كيف ترى هذه الإنجازات؟

يفرح الصدر عندما تهتم بعملك وتخلص له، فالاهتمام باللغة العربية هو الاهتمام بالقرآن الكريم، والاهتمام بالشعر العربي هو الاهتمام باللغة العربية والحضارة العربية، فنحن يجب أن نعيد إلى أنفسنا ثقتنا من خلال من قام به الأجداد والآباء، ومتى ما أعدنا الثقة بالشاعر الأول سيمنح الباقون هذه الثقة، ومتى ما تحقق ذلك سنقف على أرجلنا من أجل اللحاق بركب الحضارة العالمي, فنحن في أمس الحاجة لأن يكون لنا موقع بين هذه الحضارات, ولا بد أن تخلد اسمك في هذه الدنيا بما قدمت للبشرية، وإلا فإن عمرك سيكون ضاع هباء، ومن هذا المنطلق أؤدي واجبي لخدمة هذه البشرية وخدمة ديني وبلدي.

*بين اليوم والأمس كيف تراها؟

بالأمس على رغم قلة الموارد المادية لكن هناك شعورا بالسعادة؛ لأن العلاقات البشرية كانت حميمة، لكن اليوم مع الأسف الشديد أتت الثروة الكبيرة وأفسدت، وأتساءل ما معنى أن رجلا يعمل لدينه وبلده ويقاوم.. لا أعرف تفسيرا لذلك، فهذا مع الأسف من التردي، وأقول ما دام هناك أشخاص كالمرحوم عبدالرحمن السميط وأنور النوري أعتقد فإن الأمر سيتعدل ويزدهر، وتعود الأمة العربية إلى سابق عهدها مساهمة وفعالة في تشكيل حضارتنا ونشر السلام في عالمنا.

*على ذكر السلام ما رأيك بالثورات القائمة في عالمنا العربي ؟

ربما الثورات العربية في بداياتها كانت مرغوبة من الناس لإبعاد الظلم عن الشعوب، لكن للأسف الشديد أسيء استعمالها وأصبح الواحد يكره هذه الثورات عسى الله أن يبعدنا عن هذا الربيع.

الشعر الحديث

* لماذا نرى عزوف الناس عن الشعر والشعراء؟

الشعر العربي انحسر دوره في فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وهذا الانحسار أتى نتيجة لنجاح أعداء الأمة في وضع الشعر الحديث «الحداثة» الذي يخلو من الوزن والقافية، وأصبح المتلقي لا يعجبه هذا الشعر فبدأوا يبتعدون عنه، لكن أعتقد الآن وجود دار سعاد الصباح، وسلطان العويس، وجائزة المؤسسة البابطين، وجائزة الملك فيصل ساهمت في إرجاع قيمة الشعر العربي.

*هل مازلت تمارس هواياتك؟

نعم مازلت متمسكا بهواية الصيد وأهرب من هذه المعمعة إلى البر.

*ماذا عن الشؤون التعليمية في المؤسسة؟

الحمد لله استطعنا أن نخرج آلاف الطلبة من جميع الدول العربية والإسلامية والأوروبية, حيث استطعنا أن نعرب شعوبا بأكملها.

*من يدعمكم؟

الله سبحانه وتعالى ما في غيره.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك