فنجان قهوة يسرى الفخرانى

 يسري الفخراني

عزيزي أبي.. لا أحبك ولا أكرهك!

أجلس في العزاء كأنني غريبة، أحاول أن أبكي، يجب أن أبكي، في مثل هذه الظروف لا تقاوم فتاة في عمري أحزانها في رحيل أبيها، لكن الدموع داخلي صلبة تؤلمني لكنها لا تسترجع ذكريات تجعلني أبكي!

لا أحد حولي يبكي، مع أنه رحل صغيرا، ابنتاه الأخرتان لا تبكيان مثلي، على العكس ترتديان ملابس سوداء مكشوفة الصدر مرفوعة لما فوق الساقين، تتهامسان وهما تنفثان علنا دخان سجائرهما النسائية الرفيعة، لعلهما تتهامسان عني، عن ماذا؟ عن وجهي الشاحب الذي لم أضع عليه احتراما لرحيل إنسان لون من أي صنف، أو على ملابسي المحتشمة إلى درجة الشعور بأنني أخشى أن تتسلل منها حزن أو شفقة.

هل أنا أحب أبي؟

هل يمكن ـ أصلا ـ أن أحب أبي؟ أن أسامحه؟ أن أتعاطف معه؟

أحيانا كنت أحاول.. كم مرة حاولت؟ كثير من المرات التي تنتهي بفشل حقيقي. حتى أدركت أن الأمر ليس بيدي. حتى في تلك المرة التي كدت فيها أن أستسلم إلى دفء حضنه وتلتهمنى عاطفة الأبوة التي حرمت منها حتى بلغت ثلاثين عاما.. لكن آلاف الليالي الباردة التي مرت من دونه، منعتني أو هزتني لكي أصحو.

هذا الرجل تزوج زوجة ثانية وأمي حامل بي في الشهر الرابع!

كانت أمي، سيدة بكل معنى الكلمة، من عائلة شديدة الثراء في أحد أرياف العاصمة، وقد اختارته حبا، قاومت كل التوسلات لكي تفوز به، كانت تحلم به زوجا وأخا وأبا، رأت فيه ـ سوف تحكي لي ذلك في فترة تالية من عمري ـ رجلا وسيما طموحا في أول العمر، لم تكن تدرك أن ذكاء هذا الرجل يخفي بئرا عميقا من الخيانة.

هل من حقي أن أتهم رجلا هو أبي.. بالخيانة؟

بعض الآباء حمقى. يضيعون بأيديهم مخلوقات بريئة ويذهبون بحثا عن نزوات عابرة تقتلهم العمر كله.

علمتني أمي في أيام البرد التي مرت بها وحدتنا.. علمتني أمي ألا أسامح، دفعت في شراييني الصغيرة سخطا على رجل لم يعد أبي، كيف يكون أبي وهو لم يرني ثلاثين عاما؟ كيف يكون أبي وأنا التي عشت العمر كله أرى آباء صديقاتي في أيام الميلاد وحفلات المدرسة وفي الأعياد، إلا أنا، كيف أبرر لنفسي أن هناك رجلا يسكن على مسافة شارعين من بيت أمي.. ولا يكون معي ولو مرة في الأسبوع ؟ في عيد أو فرحة؟. أنا أسكن حزنا يشبه قوقعة ملقاة في ظلام بحر عميق. أشتهي رجلا كان أبي، لكنه لم يمد لي يدا من عطف تساوي سنوات الابتعاد. كيف طاوعه قلبه بالنسيان، بالقسوة، بالموت.

كنت طفلة تشبه السعادة.. لكنها حتما ليست السعادة. كيف يمكن أن أكذب على نفسي وأقول: أنني رغم كل ما وفرته لي أمي من أسباب السعادة، ظلت مجرد أسباب لا تدخل في التفاصيل التي تصنع حياة مستقرة، أطمئن فيها وأنا نائمة، أن لا عفريت سيخطفني ولا لص سيسرقني. الأب احتواء كامل لا يمكن للأم مهما حاولت بكل طاقتها أن تعوض جزءا منه.

باعت أمي كثيرا مما تملك لتصبح الأم والأب بالنسبة لي. باعت كل الأشياء بثمن بخس، بلا ثمن أصلا. ملابس العيد تبيع من أجلها قيراط أرض. حفل يوم ميلادي تبيع قيراط أرض. رحلة الصيف كي نرى البحر تبيع قيراط. الدروس الخصوصية تبيع قيراط. حتى لم يعد في الأرض قيراط تبيعه يوم زواجي.

كانت تبيع دون أن يهتز لها جفن. كانت ابتسامة صغيرة على شفتي تساوى عندها أكثر من فدان أرض. تخفي مرضها عني. الحزن الذي يأتي بعد غدر وخيانة.. حزن يأكل خلايا الجسد. يفتتها. ومع ذلك كنت أشعر بها تخفي ألما صامتا.

أرى أبي في آباء صديقاتي. هذه النظرة الحنون المملوءة أمانا، الاحتمال أنني جرحت كثيرا حتى أصبح الجرح مزمنا لا يؤلم. ومن بين كل صديقاتى اخترت هذا الأب الذي كان فارع الطول مربع الوجه شديد الهيبة. اخترته أبي. كان والد صديقتي زينب رشدي صديقة عمري. يبدو أننا نختار الأصدقاء بمعايير أكثر من مجرد الحب والتفاهم.. وبعض منها الاحتياج إلى شخص يكمل النقص الذي نملكه.

رشدي سالم.. هذا الرجل أبي. حتى العشرين من عمري، لم أملك صورة واحدة لأبي. أمي تخلصت عمدا من كل صوره. هل كانت على حق؟ هل هي الغيرة من رجل تركها في الشهر الرابع من الحب ليتزوج بأخرى. من تكون هذه المرأة الشريرة التي سرقت أبي وتركت بدلا منه عقدة خوف من فقدان كل الأشياء الجميلة التي أملكها ولو بسيطة.

كانت زينب رقيقة في مشاعرها معي. تركتني أقتسم معها أبيها. حتى أختها الوحيدة الأكبر منها تركتني أقتسم معهما حنان هذا الأب. هل كان اتفاقا بين أفراد هذه العائلة النبيلة. هل كانت حكمة رشدى سالم وحرمه ماما نهاد. أرى كل الاحتمالات ممكنة. فليس بعد منح شخص العطف الذي يحتاجه..شيء.

الحياة بدون أب هي العذاب الذي لا يشعر به إلا من حرم من هذه الجاذبية الرائعة. كم مرة كنت أتخيل أبي وهو يوقظني في صباح مبكر لأذهب إلى مدرستي؟ كم مرة كان معي قبل النوم يحكي لي قصة العصفور والأرنب ويمنحني أجمل قبلة؟ كم مرة خرجنا معا ورأيت الدنيا من عينيه وعرفت دروس الحياة من خلاله؟

وكم مرة أدركت أنني وحيدة من دون أب. مصدومة بعنف، مكسورة مثل أي زجاجة حملت رسالة في عرض البحر سنوات حتى أدركت شاطئا بعيدا. كم مرة فكرت في أنني سوف أتخرج من المدرسة دون أن أجد أبي في الصف الأول يصفق لي. ويطلب يدي رجل يجلس على حافة كرسي الصالون دون أن يقرأ أبي الفاتحة معه.

رحل الرجل الذي كان اسمي واسمه في بطاقتي: سارة محمد هجرس. هل يمكن أن أتصور أنني لا أذكر اسمه دون النظر في البطاقة. حتى اليوم الذي طلبني فيه أبي الروحي رشدي سالم، يطلب أن أقابله في مكتبه في جهاز المخابرات التي يشغل منصبا مهما فيها. وذهبت وقال لي وأنا في منتصف فنجان شاي أخضر: محمد هجرس يريد أن يقابلك ضروري. لم أعرف للحظات من يقصد باسم محمد هجرس؟  قلت له عن وعي: محمد هجرس مين؟. قال وهو يبتسم تلك الابتسامة الخفيفة التي يشتهر بها رجال المخابرات: والدك المهندس محمد هجرس.

لوقت امتد لساعتين حاول أن يقنعني أن من حقه أن يراني. من يراني؟ رجل غريب لا أعرفه. لم أتأسف وأنا أدعو عليه كلما مرت بي وبأمي أزمة عنيفة وما أكثر الأزمات. وقلت بصوت أقرب للصراخ: وحقي في أن أرفض وأن أعترض. وأن أتشفى قليلا في أن أرفض لقاء رجل رفضني عمري كله!

ووقفت ألوح بالخروج. قال لي رشدي سالم محاولا أن يخفف عنى كل ما أشعر به الآن: أنت فاكرة الخروج من هنا سهل ولا إيه؟ أنت أكيد ناسية إنك في مقر المخابرات؟.. وضحك. كان لابد أن يضحك لكي لا أصدق أن أقرب الناس لي يحاول أن يتركنى فريسة لأبعد الناس عن.

ثم دوت المفاجأة التي تركها ورقة ضغط أخيرة، قال رشدي سالم: طب علشان خاطري.. والدك بيموت. محمد سرحان في أيامه الأخيرة ويحتاج أن يضمك إلى صدره. ليجد في حضنه بناته الثلاث. علشان خاطري وافقي وسأكون معك.

وذهبت، بدون أن تعلم أمي.. لو علمت لهدمت كل شيء في لحظة، أمسك في يد أبي الحبيب رشدي سالم لأقابل أبي الذي أكرهه  محمد هجرس. كان شاحبا على فراش أبيض في مستشفي دار الفؤاد. غريبة جدا هذه الأقدار. في نفس الغرفة في نفس المستشفى قبل خمس سنوات كنت أصارع المرض هنا بفيروس خطير. ولم يكن عند طرف فراشي سوى أمي بدموعها ودعواتها. وزينب رشدي سالم بكل خجلها وحزنها. وكنت أتمنى في هذه اللحظة بالذات أن تدخل غرفتي وأنا ممددة شاحبة مسكينة ضعيفة على نفس الفراش وتأخذنى في صدرك بقوة وتقول لي سلامتك يا أغلى وأحب الناس. تضع يدك على جبيني وتدعو لي الله وتقرأ في أذني القرآن الكريم. لماذا لم تأت وكنت أسامحك. لماذا لم تأت وكنت بين الحياة والموت.

لماذا حين كنت في اشتياق لك لكي أبقى على قيد الحياة.. كان قلبك يبتعد أكثر، باختيارك عزيزي محمد هجرس اخترت أن أنتزع من داخلي كلمة أبي بكل ما تعني من فائض حنان. وأنت تعلم.. لكن انحيازك كان لبيت آخر، كأنني لم أكن هنا.. لم أكن ابنة قلبك. كيف لم تحاول مرة أن تستدر تعاطفي معك. أن تقول لي إن ابتعادك كان إجباريا. لم تحاول أن تستمع إلى الرأي الآخر.. لعلك كنت في قرارك واختيارك مظلوما. لكنك استنفدت كل الفرص.. كلما اخترعتها لك. لعل وعسى.

أنا هنا الآن، أجلس منكمشة على طرف فراش أبيض وملاك موت ووداع يحلق بيننا.. ولا أجد سببا واحدا كي أغفر لك.. كي أحبك أو أتعاطف معك.. كي أقترب أكثر وأضمك وأبكي.. داخلي لو تعلم شوق مكتوم.. شوق العمر.. شوق الحرمان.. لكن اسمي في البطاقة وحده ليس مبررا لكي أصبح معك كيانا واحدا كما ينبغي وكما تدرك اللحظة.

أنا لا أعتذر عن جفافي وعن صمتي وعن مشاعري الرمادية الباردة الصلبة.. فأنت يا عزيزي لست أكثر من عزيزي.. موتك ليس بالنسبة لي شقاء.. إنما انتقال إلى مرحلة أن تكون يتيما وهذا أهون ألف مرة.. يتيما يعنى أن بيني وبينك في الأعياد والمناسبات الجميلة  فرق السماء والأرض.. لا مسافة شارعين كنت تخجل أو تخاف عبورهما لتأتي لي.

أتقبل فيك اليوم عزاء وديا.. مثل حفلات التعارف لا الفراق.. أحاول اليوم أن أتعرف عليك من خلال أختين لم أرهما في حياتي من قبل.. ليس فيهما مني إلا أنفك التي زرعتها في وجوهنا باسم الوراثة.. وكأنني كنت لا أريد منك إلا أنفا.. لا نصف قلب.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك