العلاقات الزوجية بقلم محمد رشيد العويد

محمد رشيد العويد

حين استأذن النبي زوجاته

في مرضه الأخير، لما شق عليه صلى الله عليه وسلم أن ينتقل بين بيوت نسائه كل يوم، كما كان يفعل في حال صحته، كان يسأل “أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟” البخاري. حتى بعث في مرضه إلى نسائه؛ فاجتمعن إليه، فقال لهن “إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإنْ رأيتُنَّ أن تأذنّ لي أن أكون عند عائشة.. فعلتن. فأَذِنَّ له”. (أبو داود).

ولعل من يسأل قائلاً: ألم يأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقدم من نسائه من شاء، وأن يرجئ منهن من شاء، في قوله تعالى }ترجي من تشاء منهن، وتؤوي إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك، ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهن ولا يحزنَّ ويرضين بما آتيتهن كلهن، والله يعلم ما في قلوبكم، وكان الله عليماً حكيماً{ فقد رفع الله عن نبيه بهذه الآية ما فرضه على أمته من القسم والمساواة بين الأزواج، وأباحَ له ما يشاء من إرجاء بعضهن.. أي تأخيرها.. وإيواء من شاء إليه متى شاء، وعزل من شاء وإبعادها.

ونجيب فتقول: نعم، لقد رفع الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما فرضه على أمته من القَسْم والمساواة بين الزوجات، لكنه عليه الصلاة والسلام، ظل على ما كان عليه من العدل، وهذا أبلغ في دعوة الأزواج المسلمين إلى العدل بين زوجاتهم؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ظل على قسمه بالعدل مع إمكانه غير ذلك، فأولى بالمسلمين التزام العدل وهم لا يملكون غيره!

وها هو صلى الله عليه وسلم، وهو في مرضه، يحتاج إلى الراحة وعدم الانتقال بين الزوجات، والاستقرار في بيت واحد، مع هذا لم يأخذ – صلوات ربي وسلامه عليه – بما أباحه له ربه سبحانه إلا بعد استئذان زوجاته رضوان الله تعالى عليهن.. فما أعظم خلقه، وما أنبل نفسه، وما أعدل قلبه!

إنها دعوة للأزواج إلى تقوى الله في زوجاتهم، فلا يظلمونهن. لا في حال صحتهم ولا في حال مرضهم، كما يفعل كثير من الأزواج الذين يتعللون بالمرض في تبرير صراخهم، وانفعالهم، وإساءاتهم.

لقد علَّمنا خيرُ الأزواج – صلى الله عليه وسلم – أن لا حرج في استئذان الزوجة فيما هو حق لها، فكيف بمن يتجاوزون حقوق زوجاتهم وهم يحسبون أنهم إنما يمارسون ما تعطيهم إياه القوامة!

كيف بزوج يأخذ من مال زوجته دون طيب نفسها، أو يغيب عنها الأوقات الطويلة دون اكتراث بمشاعرها، أو يهمل في توفير حاجاتها وحاجات أولادهما.. وهو لا يعلم – أو يعلم – أنه يضيّع حقوقها.

ولا يغيب عنا – من جهة مقابلة – هذه الاستجابة الطيبة من أمهات المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم، وسرعتها، وهو ما نجده واضحاً في الحديث “فأذِنَّ له” فلم يكن هناك جدل، أو اجترار للماضي، بل وفاء جميل، ومحبة صادقة ظاهرة.

إنه إجماع من أمهات المؤمنين لم تخرج عنه أي واحدة “فاجتمعن إليه”، “فأذِنَّ له”: استجابة عادلة في تلبية دعوته صلى الله عليه وسلم للاجتماع إليه، واستجابة عاجلة في الموافقة على أن يقتصر مبيته في مرضه عند أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها.

ولا شك في أن هذا كله يشير إلى رقي في العلاقة الزوجية، إلى سمو في هذه الصلة، فهل يتعلم الأزواج والزوجات من هذا كله؟!

لو علموا لفضلوك على الدنيا كلها

أولادي منشغلون عني، لا يزورونني، المتزوجون وغير المتزوجين، وحين أعاتبهم يتعللون بأعذار مختلفة، لكنني غير مقتنعة بها، فمهما كانت أشغالهم وأعمالهم مهمة فإن بر الأم والإحسان إليها في رأيي أهم، وثلاث أو أربع زيارات في الأسبوع لن تأخذ منهم أكثر من ثلاث أو أربع ساعات، أي ساعة في كل زيارة، أسعد بهم وأطمئن عنهم.

ماذا أفعل لأجعلهم يصلونني ولا يقطعونني، ويزورونني ولا يهجرونني؟

أم أحمد

 

لو علم أبناؤك كم يخسرون بقطيعتهم لك، وعدم زيارتك ووصلك، لأسرعوا إليك، وأكثروا السؤال عنك، وحرصوا على صحبتك، ولفضلوك على زوجاتهم وأعمالهم وأموالهم.

إنهم لا يخافون الله ووعيده، ولا يخشون حسابه وعذابه، في حين أنهم لو حوسبوا من مسؤوليهم في العمل، وخُصم من مرتباتهم، لأسرعوا إليك، وسألوا عنك، وأطالوا زيارتك.

رغم عظم وعيده سبحانه بقطعهم “إن الرحم شجنة من الرحمن تقول: إني ظُلمت يا رب، إني قُطعت، يا ربِّ! إني إني.. فيجيبها الرب سبحانه (ألا ترضين أن أقطع من قطعك، وأصل من وصلك) صحيح الأدب المفرد.

وفي رواية صحيح الجامع “خلق الله عز وجـل الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحـم، فقـال (الله). مه! قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال (سبحانه): ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب! قال: فذلك لكِ”.

لو قطعوا من راتبه، أو سرحوه من عمله، لوعدهم إذا أعادوا إليه ما خصموه، أو أرجعوه إلى عمله بعد أن سرحوه، بأن يحافظ على صلة أمه وبرها.

إنه يخشى الناس ولا يخشى الله، كما قال سبحانه }أتخشونهم؟! فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين{ التوبة 13.

وعليه فإني أرى أن يُسِنَّ المسؤولون قوانين تجبر الناس على صلة رحمهم وفي مقدمتهم أمهاتهم وآباؤهم، ومؤسف أن تسبقنا الصين إلى هذا إذ أصدرت قانوناً جديداً لمواجهة القلق المتزايد حول مصير المسنين في أجواء تفكك أسري سببته التغيرات الاقتصادية في السنوات الأخيرة.

وكانت بداية تطبيق هذا القانون على امرأة حين أمرتها بزيارة والدتها البالغة السابعة والسبعين من عمرها مرة على الأقل كل شهرين، وخلال عيدين ويومي عطلة رسميين في البلاد. وإذا امتنعت الابنة عن هذه الزيارات فقد تفرض عليها غرامات مالية وفق ما أفادت المحكمة.

وينص قانون حماية المسنين، الذين هم فوق سن الستين، على أن أفراد الأسرة يجب أن يزوروا بانتظام الأقارب المسنين دون أن يحدد الوتيرة المطلوبة.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك