العلاقات الزوجية بقلم محمد رشيد العويد

محمد رشيد العويد

   احذري السيطرة

تقول لوا دويل في كتابها (الزوجة المستسلمة): منذ أمد بعيد، وقبل أن نحب ونتزوج، فإن كل امرأة مسيطرة عانت من الإحباطات. ففي الطفولة المبكرة كنا لا نحصل على كثير من حاجاتنا الأساسية، وذلك لأسباب مختلفة، كوفاة أحد الوالدين، أو إدمان أحد أفراد الأسرة.

وقد تكون إحباطاتنا ناتجة عن عدم حصولنا على أشياء صغيرة؛ مثل عدم حصولنا على حذاء رياضي نرغب فيه. كان هذا يوصلنا إلى قناعة بأن أحداً لا يهتم بنا بالطريقة التي كنا نريدها، ومن ثم إلى اعتقاد طفولي بأننا حينما نصبح في موقع المسؤولية فإن الأمور ستجري حسبما نريد.

وكبر معنا هذا الاعتقاد حتى صار يدفعنا إلى اختيار السيطرة، وأننا كلما استطعنا السيطرة على الناس من حولنا فإننا سنحقق ما نريد وتكون أحوالنا أفضل!

وتضرب لورا مثلاً على ذلك فتقول: لقد اعتقدت أنني أقدم اقتراحاً مفيداً عندما قلت لزوجي إن عليه طلب زيادة على راتبه، وعندما قلت بإلحاح إن علينا الانعطاف إلى اليمين أثناء ركوبنا سيارة صديق كان يعرف طريقه جيداً، لقد كنت أحسب أننا سنوفر الوقت ونتجنب الازدحام. وكذلك عندما حاولت إقناع أخي بأن عليه الحصول على علاج طبي مبررة تدخلي في حياته بأنني جاهزة لمساعدته.

هذه التبريرات جميعها كانت مجرد غطاء معقد لعدم قدرتي على الثقة بالآخرين.

لو أنني كنت أثق بأن زوجي يحاول كسب أكبر دخل يستطيعه لما كنت قلّلت من رجولته من خلال إيحائي بأنني وجدته ناقص الطموح.

لو كنت أثق بقدرة صديقنا، الذي كان يقلنا في سيارته على إيصالنا في وقت معقول؛ لما صرخت فيه لينعطف إلى اليمين فكنت مثل من يصب دلو ماء بارد على من كان في السيارة.

ولو كنت أثق بقدرة أخي على الاهتمام بنفسه وصحته لكان أكثر ميلاً إلى مشاركتي الوجدانية في حياته.

الثقة أمر سحري تجعل الناس يميلون إلى الاستجابة لتوقعاتنا، فعندما تخبرين زوجك أنك تتوقعين إخفاقه في عمله، أو أنه سيحطم سيارته، أو أنه يهمل في صحته، فإنك بذلك تختارين توقعاً سلبياً، بينما إذا توقعت منه أن ينجح فإنك تساعدينه كثيراً على هذا النجاح.

إن الثقة بالآخرين تعني أننا نتوقع أفضل النتائج – وليس أسوأها – عندما يكون الشخص الآخر في موقع القيادة.

حين تثقين بزوجك فإنك لن تعودي في حاجة إلى التحقق، ووضع خطط المتابعة، ومحاولة البقاء يقظة… والسبب في ذلك أنك لا تتوقعين أي خطر.

لقد صار في إمكانك أن تنامي وعيناك مغلقتان.. بعد أن أصبحت مطمئنة إلى أن كل شيء يسير على ما يرام.

أعود فأختصر لك كلامي السابق في هذه العبارة: عندما نثق فإننا نتوقع أفضل النتائج.

أما أولئك الذين يعانون من صعوبة الثقة بالآخرين فهم إنما يصدرون عن مخاوفهم. إنهم يخشون عدم الحصول على ما يحتاجون إليه، أو الحصول عليه في وقت متأخر جداً. وقد يخشون أن يكلفهم الحصول على ما يحتاجون كثيراً من المال أو كثيراً من الجهد.

ولهذا فحين تكونين مدفوعة للتصويب والانتقاد ومحاولة التغلب على زوجك فإنك إنما تصدرين عن مخاوفك من أن لا تسير الأمور كما ينبغي أن تسير، أو كما تتمنين أن تسير.

تقول المؤلفة: لقد كنت أخفي ضعفي قدر المستطاع لأنني كنت أعتقد أنه غير جذاب! في حين أنني وجدت أن أعز الناس لدي، وأيسرهم في التواصل، هم أولئك الذين يملكون القدرة على عرض مخاوفهم، وأفراحهم، وحاجاتهم، وأحزانهم. لقد جذبتني صراحتهم ودفؤهم. لقد وجدتهم قادرين على المشاركة.

واليوم أدركت خطأ ما كنت عليه من تحكم في نفسي حتى لا أبدو ضعيفة. لقد كنت أفعل ذلك على حساب الألفة. أعلم الآن أن السيطرة والألفة أمران متضادان؛ فإذا أردت أحدهما فإني لن أحصل على الآخر، أي أن علي أن أكون ضعيفة، غير مسيطرة، لأحظى بالاتصال العاطفي، بالرومانسية. وعليه فإنني حين أكون ضعيفة مع زوجي فإن الألفة والحب والعاطفة ستتدفق بشكل طبيعي.

وما زلت أجاهد الرغبة في السيطرة قدر المستطاع، وأعين نفسي على أن أكون ضعيفة. وأعترف بأنني حتى الآن لا أقوم بهذا بشكل كامل، لكن المهم أنني مستمرة في هذه السبيل، ومازلت أقدم الألفة على السيطرة.

لقد نجحت في تغيير شكل زواجي إلى الرومانسية، وجعله اتحاداً عاطفياً رومانسياً، من خلال ممارسة المبادئ التي شرحتها في هذا الكتاب.

وبعد؛ فلعله بات واضحاً لديك، عزيزتي الزوجة، أن الاستجابة إلى نزعة السيطرة هي التي تحرمك من الألفة والعاطفة والمودة، وأن الألفة والسيطرة أمران لا يجتمعان لدى الزوجة، فلا بد لها من أن تختار أحدهما.

ولقد كان الإسلام سباقاً في معالجة هذه النزعة في الزوجة كما يتضح لنا من هذه الأحاديث النبوية الشريفة:

– “لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” أخرجه الترمذي والإمام أحمد والحاكم (الحديث رقم 5294 في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني).

– “لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه” أخرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه (الحديث 5295 في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني).

– “لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه” متفق عليه وهذا لفظ البخاري.

– “إذا دعـا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح” متفق عليه.

هذه الأحاديث النبوية الشريفة ألا تنتزع السيطرة من نفس الزوجة انتزاعاً؟ ألا تستأصلها استئصالاً؟ فهي، إذن، تقي الزوجة بدايةً من نشوء هذه السيطرة، وتبعدها عنها، وتحول دون تفكير الزوجة فيها، أو الاستجابة لها إن ثارت في نفسها…

ومن ثمن فإن الإسلام يعين الزوجة على الوصول إلى الألفة التي أشارت إليها (لورا دويل)، وأكدت أنها لا يمكن أن تجتمع مع السيطرة.

أي أن الإسلام حين يبعد السيطرة عن الزوجة إنما يمهد لها السبيل أمام الألفة والمودة والحب والعاطفة.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك