العلاقات الزوجية بقلم محمد رشيد العويد

محمد رشيد العويد

لو كانت زوجتي ضدي!

قال شقيق البلخي لامرأته: “لو أن أهل بلخ كلهم معي، وأنت عليَّ، ما قدرت على حفظ ديني”.

ما أعظم هذه العبارة، وما أوجزها، وما أبلغ دلالاتها، وما أحسن ما تعنيه من أهمية وظيفة المرأة في الحياة وخطرها وأثرها!

وأحسب أنها لسان حال كثير من الرجال، لسان حال القائد العسكري: “لو أن الجند كلهم معي، وأنت عليَّ، ما قدرت على حفظ ديني”، ولسان حال الطبيب “لو أن كل من في المستشفى من أطباء وممرضين معي، وأنت عليَّ، ما قدرت على حفظ ديني”، ولسان حال المدرس: “لو أن جميع طلابي وتلاميذي معي، وأنت عليَّ، ما قدرت على حفظ دينـي”، ولسان حـال المهندس: “لو أن جميع من يعمل عندي من مساعدي مهندسين وعمال معي، وأنت عليَّ، ما قدرت على حفظ ديني”.. وهكذا كل رجل في الحياة، لا يقدر على حفظ دينه، إذا كان كل من يعمل عنده وتحت إمرته، يقف معه… لكن زوجته تقف ضده.

أرأيت أهمية ما توفرينه من سلام في البيت، ودوره في حفظ دين زوجك، بل دينك ودين أولادك أيضاً؟!

كل من هو خارج البيت، بل كل من في العالم، لا يمكن أن يساعدوا زوجك على حفظ دينه.. كما يمكن أن تساعديه أنت على ذلك.

وإذا لم ينجح الرجل في حفظ دينه، فلا أمل يُرجى في حفظ غير دينه أيضاً، فقد يهمل في عمله، أو يضعف في أداء مهامه، أو يخفق في التقدم فيه، أو في الحياة كلها.

أليس الرجل الذي يحفظ دينه هو الذي يحفظ سرّ بلده، ويتقن عمله، ويحفظ حقوق العباد؟!

ومن ثمَّ، أليس من حق المرأة أن تكون شريكة في كل نجاح يحققه زوجها في الحياة؟ لأنها هي التي وفَّرت له السلام البيتي والنفسي.. الذي ساعده على تحقيق ذلك النجاح!

وكذلك، فقد تكون المرأة شريكة في كل إخفاق يلحق بزوجها في الحياة، لأنها جعلت البيت ميداناً لمحاربة زوجها، وتنغيص عيشه!

أعود فأقول: إن هذا يزيدنا إدراكاً لما أراده النبي r في قولـه “فاظفر بذات الدين تربت يداك”، فلولا أنها وفّرت له السلام في البيت، والطمأنينة في النفس، والراحة في الجسم والأعصاب، لما قام بما يقوم به، أو لما أتقن القيام بما يقوم به من حفظ لدينه، وأداء لعمله، ولهذا كان لها من الأجر على ما يقوم به الرجل، مثل ما له تماماً.

وأرى أن نقف عند هذا المعنى المهم الوقفات التالية:

أولاً : للمرأة المسلمة، بعد هذا، ألا تبخس عملها في رعاية زوجها وتربية أولادها، وفي توفيرها جو الأمان والاطمئنان في بيتها، لأن هذا العمل، معادل عند الله تعالى، لما يقوم به الرجل خارج البيت، مهما كان عظيماً، ومهما كانت آثاره كبيرة، كما أن ثوابها عليه مساوٍ لثواب الرجل على عمله، حتى لـو كان عبادة مثل الجمع والجماعات، أو حتى جهاداً في سبيل الله بالسيف والسنان.

ثانياً: ليس للرجـل، زوجاً كان أو غير زوج، أن يحقر من عمل المرأة في البيت، كأن يـقول: “ماذا تفعلين أنت.. تطبخين؟ المطاعم زاخرة بما لذ وطاب! تغسلين الثياب وتكوينها؟! بدراهم قليلة أغسل ثيابي وأكويـها في أي محل يغسل ويكوي على البخار.. أحسن غسيل وأحسن كي!”.

هذا التجريد لعمل المرأة بخس له، وتقليل من شأنه، بفصله عما تقوم به المرأة عامة في البيت.. مما يوفر في مجموعه سكناً للرجل لا يجده إلى في بيت ترعاه زوجته أو أمه أو أخته.

ثالثاً: أرجو ألا أكون مخطئاً إذا رأيت – قياساً على ما سبق – أن من حق المرأة أن تحصل على نصف ما يحصل عليه الرجل من أجر على عمله خارج البيت، أو ما يحققه من ربح في تجارته، ما دامت تحصل على ثواب مساوٍ لثواب الرجل على ما يقوم به من عبادة وجهاد.

لكنني أستدرك فأقول: إنه مادام الرجل ينفق على زوجته، ولا يبخل عليها مما أتاه الله من فضله، ويوفر لها ما ترغب فيه وتشتهيه من وجْده وملكه، فإنـه كمن يعطيها نصف ما يناله من أجره، أو يحصل عليه من مرتب، أو يحققه من ربح.

لا تسأل عن المال

وتزهد فيه

طوال الأعوام السبعة والعشرين التي مضت على زواجنا لم أسمع زوجتي يوماً تسألني: كم مرتبك؟ كم ترسل إلى أهلك؟ كم تنفق عليهم؟ كم رصيدك في المصرف الإسلامي الذي تضع أموالك فيه؟

وحينما كنت أسألها عن سر عدم سؤالها واحداً من الأسئلة السابقة، وكيف لا يثور فيها ذاك الفضول الذي لا يكاد يغيب عن كل زوجة؛ تجيبني مع ابتسامة راضية مطمئنة: مادمت توفر لنا كل ما نحتاجه؛ وتحضر كل ما نطلبه منك.. لا تبقى فيَّ حاجة إلى طرح أي سؤال من تلك الأسئلة!

وقد تعجبون من هذا، وقد لا تصدقونه، لكنه الحق الذي صدقتكم القول فيه.

وزهدها ليس مقتصراً على طرح واحد من هذه الأسئلة، ومحاولة معرفة الإجابة عنه، بل هو يشمل ما أعطيها من مال لتشتري به ما تشاء؛ إذ إنني أجدها وقد تركت المال في ركن من أركان البيت، وحين أسألها عن سبب ذلك، تجيبني: ماذا أفعل به ولا ينقصني أي شيء؟ فأقول لها: خذيه واجمعيه مع غيره وادخريه! ولا يتجاوز ردها هذه المرة، ابتسامتها الراضية ودون أن تقول شيئاً.

إزاء زهدها هذا صرت أودع في حسابها بعض ما يتوفر عندي من مال؛ مقدراً لها زهدها الطيب الكريم، متأملاً ومقارناً بينها وبين زوجات أصدقاء وأقارب يشتكون فيهن محاولاتهن المتكررة الحصول على المال منهم، أو مطالبة إحداهن كتابة البيت الذي يملكه زوجها باسمها.. وهكذا حتى تنشأ شجارات حادة، وخلافات مزمنة، يفضي بعضها إلى الطلاق، وأكثرها إلى (زعل) الزوجة وتركها بيت زوجها إلى بيت أهلها!

ولا أدري إن كنت مصيباً في اعتباري هذا الزهد من زوجتي سبباً من أسباب توسعة الله علينا، ورزقه الطيب لنا، وهناءة حياتنا، واستقرار زواجنا، ونجاح أولادنا.

وإني لأدعو كل زوجة أن تفعل مثل زوجتي، أي أن تترك لزوجها إدارة الأمور المالية، وتريح نفسها من محاولات التقصي والمتابعة لما يحصل عليه زوجها، وما يدخره، وما ينفقه على أهله.

وأستثني من هذه الدعوة الزوجة التي ابتليت بزوج بخيل شحيح، زوج لا يوفيها حقها وحق أولادها، أو أنه ينفق على لهو وخمر، أو يضيعها في رهان وميسر.

اخترنا لك