حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

وتلك نتيجة قراري..! 1-2

أدفن رأسي تحت وسادتي..

أحاول أن أفصل نفسي عن العالم المحيط بي.

 مضت أيام وأنا حبيسة غرفتي.

أمضي نهاراتي ومساءاتي بالبكاء..

تأتيني أمي كل ساعة تحاول أن تجعلني أكسر حصاري الذي فرضته على نفسي، ترجوني أن أضع لقمة في فمي ولكني مصرة على الاستمرار في إضرابي..

تسخر مني شقيقتي ومن الحالة التي أوصلت نفسي إليها، من صفرة وجهي والسواد الذي سكن تحت عيني..

تردد باستياء..

“مينونة تموتين روحج علشان واحد”

أنظر إليها بدموع باكية ولا أرد.

لا لم يكن هو مجرد واحد بالنسبة لي، بل كان لي الكون كله.

كان الرجل الذي أحببته بكل مشاعري ليصبح حلمي وكل شيء لي..

حين وقعت عيناي عليه للمرة الأولى، لم أعرف أن هناك شيئا سيربط بيننا..

كان شابا بسيطا ومن أسرة بسيطة..

كان يختلف عن زملائي الآخرين الذين يملأون كلية التجارة والعلوم السياسية. كلية النخبة وقتذاك..

لم يكن يملك سيارة فخمة مثل سياراتهم ولا ساعة ثمينة تعلن عن ثرائه ولا أحذية لامعة ونظارات شمسية غالية الثمن.

كان شابا بسيطا يأتي بسيارة صغيرة قديمة لا تكاد تشعر بوجوده أمام أبناء الأسر الثرية الذين تزدحم بهم الكلية..

لم أكن أشعر بوجوده حتى ذلك اليوم، كنا في محاضرة العلوم السياسية والدكتور يسرد لنا رأيه في أحد الأحداث المعاصرة حين وقف هو بثبات ليناقش الدكتور بثقة ويجادله فيما طرحه..

لفت نظري يومها ومن لحظتها وهو يجذب اهتمامي وكل تفكيري..

شعرت به شيئا آخر غير الشباب الآخرين الذين يتلامعون، يبدون كالدمى بغتراتهم المنشاة وحركاتهم وخطواتهم الجامدة المفتعلة..

تبدى لي رجلا حقيقيا بينهم.. يتصرف بكل عفوية وصدق ولا يكترث لأحد من المحيطين به.

كنت أرغب في أن أسرق اهتمامه، أن أتحين الفرصة كي ألفت انتباهه لي، ولكنه لا يرى أحدا.

يبدو لي دائما غامضا غارقا في عالمه الذي أود أن أخترقه وأكتشفه.

حتى تشجعت واقتربت منه بخجل، لأسأله أن يعطيني دفتر محاضراته لأصور بعض المحاضرات التي تنقصني..

أخذت دفتر المحاضرات وصرت أقلب فيه بفرح، أبحث عن أي شيء يشي بشخصيته.

كان الفضول يقتلني ويسيطر على كل حواسي، جئت باكرة ذلك اليوم وجلست قرب القاعة أنتظره لأسلمه دفتر محاضراته..

لمحته يأتي من بعيد، فشعرت بطبول الفرح تقرع في صدري..

اقترب مني لأخذه وصار يسألني عن تخصصي وعن سنتي الدراسية..

صار يحكي معي ببساطة شديدة وكأني أعرفه من زمن طويل.

إنسان عفوي ومرح يجعلك رغما عنك مبهورا به..

من يومها وأنا أنتظره قبل المحاضرات لأتحادث معه..

حتى بدأت علاقتنا علاقة جميلة وهادئة، لم يهمني لحظتها الهمسات التي أشعر بها تلاحقني، فلم أكن لحظتها أرى شيئا سواه..

لم يكن يهمني ما يردده الناس عنا وعن علاقتنا فقد كان هو كل شيء لي وغيره كان مجرد أقزام..

صارحني منذ البداية بكل ظروفه ولم يخف شيئا عني..

قال لي إن والده متوفى ووالدته تعمل فراشة في إحدى المدارس وأن لديه شقيقا وشقيقه يصغرانه.

أخبرني أنه يدرس صباحا ويعمل مساء في البلدية ليصرف على دراسته.

رغم الفارق المادي والاجتماعي الكبير الذي تبدى لي من كلامه إلا أنه كشف لي عن أشياء أخرى، كشف لي عن صدقه وثقته بنفسه وعن مشاعره الكبيرة التي يحملها لي والتي تجعلني أتمسك به رغم كل شيء.

صار بيننا وعد غير مكتوب، بأنني له وأنه لي وصرت أنتظر لحظة تخرجه وتوظفه ليتقدم لي وليتحقق حلمي بالزواج منه.. تخرج واتصلت أمه لتخطبني لابنها، لم تفهم أمي حين صارت تحكي لي بسخرية عن تلك الخطبة بأنني كنت أنتظر بلهفة تلك اللحظة..

صارت تسخر من لكنة أمه ومن اسم عائلته لأقاطعها..

“أنا موافقة”

نظرت إلي بذهول..

شقلتي؟!

قلت لها أنه زميلي بالجامعة وهو شاب خلوق ينتظره مستقبل كبير..

ولكنها هزت رأسها متسائلة..

“ليش؟ ليش؟”

“تقدم لج أحسن الشباب ورددتهم وبتاخذين هذا؟!

قلت لها وكأنني محام أريد أن أكسب قضيتي بأي شكل.

 أنا واثقة إني بكون سعيدة ومرتاحة معاه..

رغم رفضها إلا أن دموعي وتوسلاتي لينت موقفها، ولكن أبي كانت ردة فعله عنيفة وقاسية.

 قال إنه لن يضع يده بيد ناس مثلهم..

 ولكنني أعلنت الحرب..

أضربت عن الطعام والشراب.

بقيت في غرفتي أبكي وحدي مصرة على موقفي..

حتى جاءتني أمي لتخبرني بموافقة أبي.

قفزت من سريري كالمجنونة وصرت أحتضنها وأقبلها وأتراقص حولها فرحا..

شعرت بأني أعيش حلما جميلا

أخيرا سأتزوجه وسيكون لي العمر كله..

                                                                        .. يتبع

صفحة جديدة 1

اخترنا لك