حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيماختفت لتظهر من جديد

أذكر المرة الأولى التي رأيتها بها.. كنا بمزرعة شقيقتي بالوفرة.. دعتنا شقيقتي على العشاء بمناسبة تخرج ابنتها من الثانوية.. عرفتني عليها شقيقتي بأنها زوجة مدير المطعم الجديد الذي افتتحه زوج شقيقتي وجاءت هي من بلدها عروسا جديدة لتلحق بزوجها.

لفتت نظري نظرات عينيها الكسيرتين.. كانت تحكي عن افتقادها لأهلها وصحبتها وعالمها هناك.

تتحدث عن زوجها بانبهار كبير.. تتحدث عن حبه لعمله واجتهاده به.

شكت من ساعات الملل الطويلة حين يتركها زوجها ويخرج لعمله كل يوم ورغبتها الجديدة لتلتحق بأي عمل لتكسر به ساعات مللها.

سألتني شقيقتي التي كانت متعاطفة معها.

لماذا لا تسألين زوجك أن يوظفها بأي وظيفة بشركته فهي معها دبلوم تجارة ولديها لغات وإلمام بالكمبيوتر.

إن شاء الله قلتها بدون حماس، فأنا أعرف زوجي ورأيه حين أعرض عليه أن يوظف أحدا عنده.. كان دائماً ما يردد:

خليهم يتقدمون بمؤهلاتهم وخبراتهم والأصلح هو الذي سيعين عندنا، فأستسلم أنا لرأيه ولكن هذه المرة غير كل مرة.. شابة صغيرة وغريبة تبدأ حياتها الزوجية ببلد تجهله.. كل ذلك جعلني أتعاطف معها.

حين فاتحت أمر زوجي بشأنها بتلك الليلة لم أتركه يسترسل بحديثه عن تكافؤ الفرص وعن الأصلح هو الذي يستحق.

قلت له إن الوظيفة ستعني لها الكثير وإنها تركت أهلها وجاءت لبلد جديدة مجهولة لها.

لان زوجي لكلامي وطلب مني أن أطلب منها أن تأتي لمقابلته غداً بالمكتب.

فرحت لكلماته وأسرعت أكلم شقيقتي بشأنها.

عينها زوجي في البدالة بعد أن بدا اعتراضه على مؤهلاتها المحدودة، فلا شهادات ولا خبرات فتلك الوظيفة كانت هي الوظيفة الوحيدة التي تتناسب معها.

التقيتها مرة أخرى في بيت شقيقتي التي كانت تشفق عليها وتناديها في كل تجمعاتنا النسائية.

شعرت بالفرح يطل من وجهها فلم تعد هي نفسها ذات النظرات الكسيرة. وغيرت من ثيابها البسيطة الباهتة وأصبحت ترتدي ثيابا حديثة وتواكب الموضة.

بدت نبرة غريبة تتسلق صوتها.. صارت تسخر من نفسها ومن الحياة التي كانت تعيشها مكتفية بالدنانير التي كان يعطيها لها زوجها.

اندهشت حين صارت تسخر منه ومن طموحه المحدود وهي التي كانت تتكلم عنه بانبهار.

قالت إن زوجها حين جاء قريتها ليخطبها فرح أهلها به وكأنه الأمير الذي جاء ليأخذ ابنتهم إلى حياة الرفاهية والقصور. ولكن ما إن جئت معه إلى هنا حتى شعرت بفقره.

في القرية لم أكن أشعر بفقرنا فكل أهلنا وجيراننا يشبهوننا، يلبسون مثلما نلبس ونأكل نفس الأكل. بينما هنا الأمر يختلف، الناس تلبس أفخم الثياب، ويرتادون أغلى المطاعم، فيبدو زوجي براتبه المحدود فقيراً في مدينة غارقة في رفاهيتها.

تذهلني صراحتها الصادمة بينما تبدي شقيقتي معجبة بها تقول إن عفويتها وصدقها هو الذي يجذبها لها. تشعر بها إنسانة لا تزيف نفسها.

وحين اتصلت بسكرتيرة زوجي ذات مرة لتأخذ لابنتي موعداً مع الدكتور تفاجأت بها ترد على الهاتف. وحين أبديت دهشتي ضحكت هي وردت بأن سكرتيرة زوجي في إجازة وجاءت هي لتحل محلها حتى تعود من إجازتها.

لا أعرف لماذا لم أرتح لوجودها قرب زوجي، هل لأن سكرتيرته السابقة كانت امرأة فاضلة نعرفها من سنوات وأرتاح أكثر لتعاملها معنا أم لأنها جميلة ودلوعة وأخاف أن تخطف قلب زوجي؟!

بسرعة أخرست الأفكار الغريبة التي تراقصت كالأشباح برأسي لترعبني.

حين عاد زوجي ذلك اليوم من الشركة سألته لأجس نبضه عنها.. صار يمتدح عملها ونشاطها وبأنها تفوقت على السكرتيرة التي رافقته كل تلك السنوات.

تساءلت بدهشة:

“مو قلت إنها ما عندها خبرة أو مؤهلات؟!”

فرد بأنها إنسانة ذكية استطاعت أن تتعلم بسرعة وتجيد عملها.

أخرستني كلماته ولم أعرف بماذا أرد.

حسبته سيرد بأنه مضطر لاستخدامها لأن سكرتيرته غائبة ولكنه بدا معجبا بعملها وأدائها.

وأنا منذ التغيرات التي بدأت ألحظها عليها لم أعد أشعر بالراحة تجاهها.

ألتقيها في بيت شقيقتي أتفاجأ كل مرة بمظهرها. صارت ترتدي ثيابا غالية الثمن وتحمل حقيبة من إحدى الماركات الشهيرة.

وأسأل شقيقتي بدهشة:

“من وين لها؟!”

فترد شقيقتي بثقة بأن راتبها قوي والمكافآت التي تأخذها نظير مجهودها ليست بقليلة.

أندهش من نبرة الثقة التي صارت تتحدث بها.

وحين حدثتني شقيقتي عن رغبتها بالانفصال عن زوجها شعرت بأن الهواء ينقطع عني فجأة، وأنني لم أعد قادرة على التنفس.

“ليش؟!” سألتها بحزن.

بحماس تحدثت شقيقتي بأنه لا يشعر بها وأنه لم يكن رغبتها من البداية وأنها تزوجته إرضاء لأهلها وأنها لا تشعر بأي لغة تفاهم بينه وبينها.

قلت لشقيقتي بأنها أسباب واهية وإن عليها أن تنصحها بألا تخرب بيتها بنفسها وأن تقنعها بالعدول عن قرارها.

ولكن شقيقتي كانت تقتنع بكل كلمة تقولها هي.

اختلفت شقيقتي وزوجها بشأنهما.. تعاطف زوج شقيقتي مع الزوج الذي يراه رجلا طيبا ومحترما ولا يستحق ما يحدث له.. بينما وقفت شقيقتي معها مقتنعة بأن طلاقهما الآن أفضل من أن يأتوا بأطفال يتشتتون بينهما.

للحظة فكرت أن طلاقهما قد يكون لصالحي، تعود هي إلى بلدها ويبعد شبحها عن زوجي ولكن الذي حدث كان العكس تماماً.

بقت هي في عملها وشقتها وترك زوجها عمله والبلد كله ليبعد عن ذكرى تجربته معها.

وما هي إلا أسابيع حتى استطاعت هي أن تحتل مكان السكرتيرة السابقة بصفة دائمة.

وحين أبديت عدم رضائي عن هذا التغيير.. قال لي بأنها إنسانة فطنة، تفهمني بسرعة حتى قبل أن أنطق. تأتي بالزهور كل يوم لتزين به المكتب وتأتيني بالقهوة من قبل أن أطلبها.

أصابتني كلماته بالدوار.. صرت أرجو شقيقتي أن تسعى لتبحث لها عن وظيفة بعيدة عن زوجي، فتسخر شقيقتي من أفكاري وترد بأنها إنسانة تجتهد بعملها لأنها تحبه وليس لأنها تنوي خطف زوجك.

ولكن إحساسي يقول لي شيئا آخراً.

حتى اختفت هي فجأة من حياتنا.

زوجي قال إنها استقالت ولا يعرف عنها شيئا، وشقيقتي قالت إنها اشتاقت لأهلها وبلدها وقررت أن تعود.

شعرت بموجة من الفرح تحتضنني وتحلق بي.

غادرني قلقي وصرت أستعيد نفسي.. أنا المرأة التي كنتها بمرحي وبهجتي بعد أن حولني وجودها إلى كتلة من القلق.

مضت سنوات وأنا أعيش حياة هادئة.. فاجأتني قريبة لي بخبر فجر آثار كل رعبي.

قالت لي قريبتي التي تملك إحدى الحضانات الأجنبية إن طفلة صغيرة التحقت في الحضانة تحمل نفس اسم زوجي!

قالت إنها شكت بأنه مجرد تشابه أسماء ولكنها اندهشت من التطابق الغريب!

سألتها عن أم الطفلة فذكرت لي اسمها.

لحظتها خرجت أشباح الماضي لترعبني.

كانت هي نفسها صديقة شقيقتي وسكرتيرة زوجي!

لم تغرب من حياتي كما توهمت ولكنها تحولت إلى حقيقة في حياة زوجي وأصبحت زوجته وأم طفلته.

لم أعرف لحظتها ماذا أفعل.

هل أواجهه بأكاذيبه وبخداعه لي طوال تلك السنوات وأخرج من حياته أم أبتلع إهانته لي وأصمت؟!

عدت إلى البيت وحبست نفسي بغرفتي متظاهرة بالمرض وظللت أفكر.

فكرت بأنني إذا واجهته بما فعل ستصبح هي حقيقة واقعة في حياتي لن يسعى إلى إخفائها، ولن يحرص على أن يتواجد معنا ليخفي وجودها.

وسيعرف الناس، وسيصبح زواج زوجي وجبة طازجة يلتهمونها في كل جلساتهم.

قررت لحظتها أن أصبر.

أعرف كل ليلة أنه ذاهب لها.

يقبل رأسي ويقول لي ككل مرة:

“أنا رايح الديوانية تبين شي؟!”

أكتم صرخة الألم التي تنحسر بحلقي وأرسم ابتسامة لا لون لها وأرد بالشكر رغم أنني أعرف أنه ذاهب إليها.

يتصل ليقول:

“عندي شغل وايد ما راح أتغدى معاكم.”

فأبتلع غيظي وغضبي وأردد:

“الله يعينك”!

وأنا على يقين أنه معها.

ضقت بالحياة الزائفة التي أعيشها وأرهقتني الأكاذيب التي أتنفسها كل يوم.

ولا أعرف هل أستمر بها أم أعلن انسحابي منها وأقرر أن أواجهه رغم الخسارة؟!

هل أبقي على صمتي أم أفجر له كل ما أخفيته تحت جلدي طوال تلك السنوات؟!

اخترنا لك