حكايات حقيقية

حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمالبحث عن حياة جديدة

أعلنت حالة الطوارئ داخل البيت وفرضت علي قوانين منع التجول.. لم أعد أخرج وأدخل كما أحب وأهوى فقد عاد شقيقي وعادت معه قوانينه الصارمة وقبضته القوية التي تكاد تخنقني.

سنوات مضت وهو يتابع دراسته الجامعية بعيدا عنا.. سنوات لا أكاد أراه إلا في عطل الكريسمس وبعض الإجازات الصيفية.

يأتي ويسحب معه الهواء الذي أتنفسه فتضيق بي جدران بيتنا وغرفتي التي أسجن نفسي فيها.

أعد الأيام والأسابيع حتى يسافر لمتابعة دراسته وأعود أنا إلى حياتي التي جمدتها بحضوره.

حين تخرج من الثانوية وسافر إلى أمريكا لمتابعة دراسته للمرة الأولى كنت أنا طفلة في الثالثة عشر من عمري، وكان هو شقيقي الأكبر الذي رغم صغر سنه يفرض قوانينه وأوامره علي.

وحين يراني أرتدي ثيابا قصيرة أو ضيقة كان يصب غضبه على أمي:

“يمه شوفي بنتج اشلابسه!”

وتلهث أمي بكلمات الاعتذار.

كانت أمي سعيدة ببوادر الرجولة التي تظهر على ابنها البكر. كان يشعرها بخشونته وصلابته وأن هناك رجلا تستند عليه بعد أن رحل زوجها تاركا لها ثلاثة أطفال شقيقي الأكبر وأنا وشقيقتي التي تصغرني.

لم أكن أشعر بثقل وجوده بيننا حتى سافر وبدأت أغادر مرحلة الطفولة لتتلقفني المراهقة بضجيجها وهوسها.

في المدرسة صارت لي صديقات يهوين الحياة بصخبها وانفتاحها.

كان كل اهتمامهن ينصب على اللبس والخروج ولفت أنظار الشباب.. لم تكن أي منهن تفكر بأكثر من تلك العلاقات السريعة والبريئة التي تقتصر على الهاتف أو الماسنجر وبعض اللقاءات الخاطفة في الأسواق والمجمعات.

وكانت كل واحدة منا تتباهى بعلاقاتها تلك.

لم تكن أمي المشغولة بحياتها وعلاقاتها وصداقتها تحكم حصارها علي.. كانت تتركني أخرج مع صديقاتي وقتما أرغب وأعود بساعات متأخرة من الليل.

ولكن ما إن يأتي شقيقي حتى تتغير كل المعادلات فتبدأ أمي بتنبيهي ألا أتأخر حتى لا أثير غضب شقيقي وتمنعني من خروجاتي المتكررة لتكسب رضاه مرددة:

“ما نبي مشاكل مع أخوج”.

“ما لي خلق عوار راس”.

ولكن شقيقي تخرج وعاد ليستقر في البيت معنا وأصبحت تحت قبضته ليل نهار.

ضاقت الدنيا بي فلا أكاد أتخيل بأنني سأترك حياتي المنطلقة التي أعيشها لأسجن نفسي في بيتنا الكئيب.

كان شقيقي يعترض على كل شيء.. على وجودي في غرفتي بالساعات محتضنة لابتوبي.. على هاتفي النقال الذي أظل أعبث فيه طوال وجودي بينهم.

صار ينبه أمي إلى خطورة الحرية التي تتركها لي وضرورة إحكام سيطرتها ورقابتها على كل شيء.

تحاول أمي أن تخفف من قلقه:

“كل البنات هالايام مثلها مجابلين لابتوباتهم وتلفوناتهم أربع وعشرين ساعة”.

فيثور بها شقيقي:

“ما علينا منهم يمه إحنا علينا من بنتنا لازم تطلين عليها تشوفينها من اتكلم من اتحاجي”.

كانت أمي تحاول إرضاءه بأي كلام:

“انشالله ما يصير خاطرك إلا طيب”.

يفهم هو ضعف أمي وسذاجتها التي تجعلها غافلة عن كل ما يدور حولها. صار يبحث هو بنفسه.. يطرق الباب على غرفتي ويباغتني بأسئلته:

“شتسووين؟”

“من اتكلمين؟”

أضطرب ولا أعرف بماذا أجيبه.

يفتش في هاتفي بغيابي في الحمام ويبحث في قائمة المتصلين والمسجات بحثا عن شيء ما.

كانت هناك مسجات كثيرة من الشاب الذي عرفته حديثاً والذي سجلت اسمه باسم فتاة حتى لا أفضح حين تتراقص شاشتي باسمه.

مسجات غريبة تثير دهشته فكلها تبدي مشاعر شوق ورغبة في اللقاء.

عبث الشك في صدره فبحث عن الرقم وضغط على الرقم ليأتيه بعد لحظات صوت رجولي أثار كل غضبه.

فهم لحظتها أن شقيقته على علاقة بشاب ما ولا يعرف حدود تلك العلاقة. كاد يجن وهو يقرأ كلمات الحب هذه الموجهة لي وكلماتي العاطفية له.

جاءني كالثور الهائج وانهال علي بركلاته وصفعاته لي وأنا أصرخ باكية ولكن لا شيء يمكن أن يخلصني من قبضته.

أمرني أن أتصل به وأطلب لقاءه في أحد مواقف السيارات.. فرح هو باتصالي وجاء بسيارته وهو يمني نفسه بلقاء جميل.. تلاشت كل أحلامه حين فتح شقيقي باب سيارته وأحكم قبضته على دشداشته وجره منها.

قال له إنه عرف كل شيء.. عن علاقته بشقيقته وإنه يعرف مكان بيته وعمله.. وإنه سيمهله أسبوعا واحدا إذا لم يأتِ بأهله لخطبتها سيعرف كيف يتصرف معه.

ذكره بأنني ما زلت بحكم القانون قاصرا وأنه يستطيع بسهولة أن يتهمه باختطافها.. ويستطيع أن يمحوه من على وجه الأرض بحجة دفاعه عن شرفه.. ولكنه سيترك له فرصة أخيرة ليصلح موقفه.

لم يستطع لحظتها أمام براكين الغضب المتفجرة بعيني شقيقي أن يفتح فمه بكلمة واحدة.. لم يخبره بأنه ليس الأول ولا الأخير بسلسلة علاقاتي وأنه لم يعرفني إلا منذ أسابيع قليلة.

ولم يتورط معي بأي شيء يستدعي ردود الفعل العنيفة من شقيقي.

ولكن شقيقي الذي لم تزده أمريكا سوى تزمتاً وتحجراً لم يجد طريقة أخرى يحفظ بها شرفه سوى هذه الطريقة ليتخلص بها مني ومن همي.

أخبرتني أمي بما فعله شقيقي معه.. بكيت لها قلت لها إن الولد لم يخطئ بحقي وإنه لم يحصل بيني وبينه شيء ولكن أمي قالت باستسلام:

“من يقدر يكلم أخوج؟”

كنت أرغب بأن أتصل به أخبره إنه ليس مضطرا لتنفيذ كلام شقيقي. وددت أن أعتذر منه عمّا تعرض له بسببي ولكنهم صادروا هاتفي النقال ومنعوني من الخروج.

بعد أسبوع جاء مع أهله للتقدم رسميا لي.

وبسرعة حدد شقيقي معه يوم عقد القران والزواج بيوم واحد.. بدا وكأنه يرغب في أن يتخلص مني.

يوم زواجي كان كالمأتم لم أستطع يومها أن أفسر دموع أمي إن كانت فرحا بي أم حزناً علي.

كانت مشاعر ما قاتمة عالقة بالجو.. مشاعر تغتال كل لحظة فرح.

حين جاء عريسي جاء بوجه باهت بدا واضحا أنه يتحاشى النظر إلي.

كانت آخر كلمة قالها شقيقي:

“مالج شي في هذا البيت”.

“ما أبي أشوف ويهج في هذا البيت”.

من لحظتها انقطعت كل صلة لي ببيت أهلي.

أخذني زوجي إلى مصيري المجهول معه.. تركني بغرفته ببيت أهله وهمَّ بمغادرة الغرفة.

قلت له إنني لم يكن لي يد بالذي حصل.. وإنني حاولت أن أدافع عنك ولكن لم يسمعني.

ضحك ساخراً ولم يصدقني.. كان يحسبها لعبة لعبتها عليه لأورطه بزواجي منه.

ولم تشفع لي كل كلمات الاعتذار والأسف التي قلتها وقتها.

قال لي كلمة انغرست كالخنجر بصدري:

“أنا عمري ما حسيت بكره كثر الكره اللي أحسه الحين لج”.

صفعتني كلمته وجعلتني أدرك أي حياة سأعيشها معه.

قسوته وجفافه معي وإهانات أهله وتجريحهم لي.

فأنا بنظرهم فتاة منحلة أضاعت مستقبل ابنهم وورطته بزيجة لا رغبة له بها.

ضاقت بي الدنيا ولم يعد لي مفر ألجأ إليه لأبث أحزاني ومخاوفي من حياتي الغامضة معه.

كسرني زواجي هذا وأطفأ كل شيء جميل بداخلي.

 حتي صديقاتي وعالمي الصاخب هجرته بعد أن كرهته وكرهت كل شيء كان سببا لما أنا به.

التحقت بالجامعة وصرت أذهب إلى محاضراتي كل يوم وأعود وبداخلي أمل بأنني يوما سأغير واقعي.

فقد يحبني هو ويعود ليخلق بدايات جديدة معي وإن لم يتحقق هذا يوما سأبحث لي عن حياة أخرى بعيدا عنه بعد أن أتخرج وأنال وظيفة تغنيني عن كل الذين ظلموني.

Leave a Comment