حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

 بقلم آمنة الغنيمامرأتان جمعهما حب واحد

يأتيني شقيقي ليلا والهلع يبتلع ملامح وجهه.. تخيفني نظرات عينيه التائهتين.. يضع يده على كتفي وهو يبلغني بالخبر.. زوجي انقلبت به السيارة أثناء عودته إلى البيت!

ألقيت نفسي على أقرب مقعد.. شعرت بكل ما بي ينتفض من شدة الهلع.. غمامة سوداء طافت بي وغيبتني عن عالمي.

أبكي وأصرخ وأنا أسأل:

“لا تقول لي مات”!

“لا تقول لي خلاص”!

مسكني شقيقي محاولا تهدئتي.. قال لي إنه الآن في المستشفى والأطباء يقومون بالواجب.

طلب مني أن أغير ثيابي لأصحبه إلى هناك.

بلحظات كنت معه في السيارة التي تلتهم الطريق بي أنا وهو وأفكاري.

أشباح مخاوفي تتراقص حولي.. نسيت كل ألم سببه لي وكل خلافاتي معه ولم أعد أذكر سوى زوجي الذي أحببته ذات يوم وواجهت الدنيا من أجله.

اعترضت أسرتي عليه في البداية لأنه رجل بسيط لن يستطيع أن يعيشني الحياة التي اعتدتها ولكنني لم أهتم وأصررت عليه.

مارست كل أسلحتي عليهم.. العناد مرة والبكاء مرات.. أضربت عن الشراب والطعام حتى أضحيت كالشبح يرعب من حولي.

رق حال أهلي لحالي ووافقوا على زواجي به.

ألحقه أبي بالشركة وسلمه مركزا مهما فيها يتقاضى عليه راتبا كبيرا.

كان يبدي مهارة كبيرة في عمله حتى صار أبي يعتمد عليه في المشاريع المهمة المتعلقة بالشركة.

كثرت انشغالاته وسفراته ولم يعد هو نفسه الشاب المغرم الذي يلفني بعباءة حبه ويغمرني بكلمات عشقه.

أنجبت ثلاثة أطفال أصبحوا هم وزوجي كل عالمي ولكنه كان يزداد انشغالاً وبعدا عني.

صرت أضيق ببعده عني وانشغاله الدائم الذي خلق منه زوجا تقليديا يأتي من عمله متعبا ومرهقا فيضع رأسه علي الوسادة ليغرق في نومه.. لم يعد يهتم بشأني بأحاديثي التي يقطعها مرددا:

“تكفين ميت من التعب أجلي كلامج لوقت ثاني”.

ولكن هذا الوقت الثاني لا يأتي.. يبدو دائماً منشغلا بأشياء كثيرة.

حياته سلسلة لا تنتهي من الاجتماعات والسفرات المتعلقة بعمله لأمضي نهاري وحدي أسترجع قصة الحب التي كانت ودهستها عجلة الحياة فأشعر بالحسرة.

أذكره في كل مرة أنه ليس الرجل الذي تزوجته.. وأنني لم أتحد العالم لأجل رجل يتركني ككمٍ مهمل في إحدى زوايا بيتي.

يحكي لي عن انشغالاته ومسؤولياته التي تملأ فكره وعقله والتي لم تؤثر أبدا على مشاعره نحوي..

ولكن ما تعني كلماته إذا ما كان يشعرني بلهفته وحبه الذي انطفأ وبهتت ألوانه.

شكوت لأبي من انشغاله الدائم.. بكيت له وأنا أحكي له عن وحدتي ووحشتي بغيابه.

استجاب أبي لدموعي وأبلغه أنه سيعفيه من المسؤوليات الكثيرة التي ترهقه.

أذهلتني يومها ردة فعله العنيفة.

قال لي إنه لا شيء.. مجرد دمية يحركونها كما يشاؤون.. وإنه أصبح مجردا من كل المسؤوليات والصلاحيات لأحقق رغبات ابنة صاحب الشركة.

لم أفهم أنا سر حزنه والغضب الذي شعرت به يكتمه.

لم يتحقق لي ما أردت.. ولم يعد لي الزوج الذي أردت وحلمت.. ولم أستعد معه قصة الحب الجميلة التي كنا نعيشها.. انطفأ شيء بداخله.. شيء لم أستطع تحديده.

فاجأني باستقالته من شركة أبي والتحاقه بمنصب كبير في شركة أخرى بمرتب يفوق الراتب الذي يأخذه من أبي.

شعرت به تعود له روحه والحياة التي غادرته حين سحبت مسؤولياته منه.

زادت انشغالاته وسفراته وحين أشكو من بعده عنا كان يردد ساخراً:

“إشرايج تكلمين رئيس مجلس الإدارة وتقولين له ما يعطيني شغل وايد”!

فهو لا يستطيع أن ينسى أنني السبب في تجميد صلاحياته في شركة أبي.. وأنه الآن أصبح يعمل في شركة أخرى لم يعد لي أو لأبي أي سلطة فيها.

انكسر شيء ما بيننا.. شيء لم أستطع تحديده.. وأصبحت مسافات كثيرة تفصل ما بيننا.

لم أعد أفهم سبب الغضب المتراكم بداخله ولم يكن هو يفهم خيباتي التي ألوكها كل ليلة.

حتى فاجأني برغبته في الزواج من أخرى!

صرخت به.. اتهمته بالخيانة وبالجحود.

شتائم كثيرة قلتها وقتذاك.. اتهمته بنكران الجميل وبصدمتي الكبيرة به.

تزوج هو منها ومن لحظتها وأنا أعتبره غير موجود في حياتي.

يمضي ليلة معنا وليلة في بيته الآخر.. يمضي ساعاته مع الأولاد يستمع لهم ويخرج معهم، أما أنا فقد ألغيت وجوده من حياتي ليصبح مجرد زوج تربطني به ورقة زواج.

لم أصر على ورقة طلاقي حتى لا أبعد الأولاد عنه.

يأتي فأترك المكان وأتجه إلى غرفتي لأتحاشى البقاء معه في مكان واحد.

أدفن أشواقي ولهفتي له بداخلي وأبدي عدم اكتراثي به.. فلم أكن قادرة على أن أغفر له زواجه هذا.

بدأت أندهش من التغيرات التي اعترت تصرفاته وسلوكه.. لم يعد يبدو قلقاً ومتوترا.. شعرت به يخلع ثوب حزنه.. يبدو أكثر ثقة وأكثر سخاءً مع بيته وأولاده.

حتى ليلة الحادث الذي فجر كل ألمي وحزني وأخرج كل مشاعر الحب واللهفة التي كانت مخبوءة بداخلي.

أفقت من تخيلاتي على صوت شقيقي:

“وصلنا”.

نزلت أجرجر قدمي وألمي وأمام غرفة العمليات جلست أنتظر أنا وقلقي.

تدافعت شقيقاتي وأزواجهن وأهله وأقرباؤه المقربون ليلفنا الترقب والانتظار.

لمحتها تأتي من بعيد وخطواتها المتعثرة بخوفها وقلقها. قامت لها إحدى شقيقاته.

سألت من بين نشيجها:

“إشلونه؟”

“الله كريم!”

ردت شقيقته.

لحظتها عرفتها.. غريمتي.. زوجته الأخرى التي أخذته مني.. وددت لو أصرخ بها.. أن أقول لها إنها ليس لها الحق بالبقاء معنا.. فأنا زوجته وأم أولاده وإنها مجرد امرأة تزوجها في الوقت الخطأ.

ولكنني لم أنطق.. فقد كان الحزن أكبر من أي شيء.

خرج زوجي من العملية وتكلم معنا الأطباء أنهم حاولوا معه كل ما يستطيعون.. وأن حياته مرهونة بالساعات القادمة.. وما إذا استقرت حالته وما إذا تعرضت حالته لمضاعفات أخرى.

مضت الساعات التي ذكرها الطبيب ولكن زوجي ما زال غارقا في غيبوبته.

تمضي الساعات والأيام وهو لا يفيق.. أمضي نهاري وليلي كله معه على كراسي الانتظار بانتظار أن يفيق من غيبوبته ولكنه غائب في عالمه.

أراها كل يوم.. زوجته الأخرى التي تذكرني في كل مرة أنه لم يعد لي وحدي.. وأن هناك امرأة أخرى تشاركني به.. فتجثم سحابة سوداء على سمائي.

اعتدت وجودها كل يوم حتى لم أعد أتجهم حين أراها. صارت تسألني إذا كنت أرغب شيئاً من القهوة وأدعوها تلقائيا لأن تشاركني استكانة شاي أحضرتها معي، نبدد فيه وحشة المستشفى ولحظات الانتظار القاسية.

صرنا نتبادل بعض الأحاديث المقتضبة حتى باغتتني باعترافها:

“كان يحبج وعمره ما قدر يحبني مثلج”!

نظرت إليها بذهول لتتابع:

“كان يحبج ولكن لم يجد راحته معج، وكان يجد راحته معي ولكن أبدا لم يحبني”.

حكت لي عن المرارة التي يشعر بها حين أذكره كل مرة بتضحياتي وبنفوذ أسرتي.

قالت لي إن اللحظة الذي سحبت منه صلاحياته من الشركة بكلمة مني شعر بأنني ذبحت رجولته.

كسرت شيئا كبيرا بيني وبينه.

أذهلتني اعترافاتها.. فأبدا لم أفهم أنا حزنه وصمته ولم أكن أعرف أنني بعنادي وجهلي دمرت علاقتنا.

ولكن بوحها جعلني أستوعب أشياء كثيرة كنت غافلة عنها.

حكيت لها عن قصتنا وعن اللحظة التي وافق أهلي على زواجنا.. حكت لي هي عن فرحتها حين تقدم لها.. وخيبة أملها وألمها حين أدركت أنني ما زلت أسكنه وأملأ فضاءاته.

تروي لي هي عنه وأحدثها أنا عنه لننتهي إلى صديقتين جمعهما الوجع والألم وحب رجل واحد.. نتلهف ليعود لنا من غيبوبته ليضيء حياتنا التي أطفأها غيابه.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك