حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيميتيمة.. رغم أبي وأمي

رحلت جدتي ساحبة معها خيوط الفرح والبهجة..

غادرتني لتترك لي ألم فراقها ووحشة مخيفة ترعبني وتهز توازني.

لم يعد لي أحد بعدها.. تركتني للوحدة تنهش بي.

كانت الوحيدة التي احتضنتني بعد أن أدار الناس ظهرهم لي.. تبتسم بوجهي حين تتجهم الدنيا بوجهي وتغمرني بحنانها حين ينفر الآخرون مني.

ولدت يتيمة على الرغم من أن لي أما وأبا على قيد الحياة، ولكن قدر لي أن أعيش بعيدا عنهما.

تزوج أبي من أمي بعد قصة حب قصيرة.. كانت زميلته في الجامعة الأمريكية في بيروت.. فتاة فائقة الجمال.. أغرم بها وتزوجها رغم اعتراضات أسرته.

جاء بها لتعيش معه في بلده.. تحملت هي عصبيته وجنونه وابتلعت إهاناته لها وشتائمه من أجلي أنا طفلتها.

لم تجد سوى طبيبها الذي تتردد عليه من أجل آلام معدتها ملجأ تلجأ إليه وتشكو له مرارة الحياة التي تعيشها مع زوجها.

طبيبها الذي كان يحمل جنسية ورائحة بلدها كان متعاطفا معها يستمع إليها ويخفف من آلامها.

تعلق هو بها حتى صار حلمه أن تتطلق فتتزوج منه ويبدآن حياة جديدة بعيدة عن إهانات أبي وقسوته.

ولكنها تدرك بأن خروجها من حياة أبي تعني خسارتها لي وهي لم تكن تقبل أن تتنازل عني حتي ولو كان الثمن سعادتها.

اكتفت هي باتصالاته لها كل ليلة بعد أن يخرج زوجها إلى الديوانية.. تحكي له عن همها ويحكي لها هو عن يومه.. حتى دخل أبي باكرا تلك الليلة ليضبطها متلبسة بالتحدث معه.

لحظتها جن جنونه وصار يركلها ويشد شعرها.. صار يشك في كل شي حتى بحقيقة بنوته لي.

ولكنه لم يتركني لها.

طلق أبي أمي وأنا ما زلت في سنتي الرابعة فلا أكاد أذكر من أمي سوى صور مشوشة وحكايات ابتلعها النسيان.

وصار قدري أن أكون التذكار الذي تركته أمي وراءها لأذكره في كل مرة بخيانتها له.

أبي كان رجلا قاسيا متجهما ما إن يراني حتى تتلبد غيوم غضبه. يفتعل أي شيء ليفجر بي غضبه.. بشتائمه وصفعاته لي.

أسمع اعتراضات جدتي:

“حرام البنت صغيرة لا تأخذها بذنب غيرها”.

تفيقه كلماتها فيتركني ويرحل وأنا غارقة بدموعي.

تزوج أبي بأخرى وخرج ليعيش في بيت آخر وتركني أنا وجدتي وعمتي المطلقة وبناتها الثلاث.

كانت عمتي صورة طبق الأصل من أبي بعصبيتها وتجهمها ولكن جدتي كانت تحيطني بحمايتها فلا يجرؤ أحد بالتعرض لي.

ولكن جدتي رحلت لتتركني لهم لأصبح كقطعة حصى يتقاذفونني بينهم.

كنت في السادسة عشر من عمري حين غادرتنا جدتي فتراكمت الأحزان علي.

كنت أنا أبدو أكبر من سني وكان الخطاب يأتون لخطبتي تاركين بنات عمتي اللاتي يكبرنني بسنوات.

كان ذلك يثير جنون عمتي ويثير غضبها علي.

تقول لي بتأنيب بأن البنات المحترمة لا يلفتن النظر نحوهن!

أردد من بين دموعي:

“ما سويت شي عمتي”

كنت وقتها لا أستطيع أن أفهم سبب غضبها وسخطها.

سمعتها مرة تحادث إحداهن على الهاتف:

“خذت شبه أمها وطبايع أمها”.

“أنا أصلا صرت أخاف على بناتي منها الله يستر علينا”.

وصرت أتساءل أي طبائع هذه التي تحكي عنها وأنا أطيعها وأنفذ كل أوامرها؟!

ولماذا تحاول أن تنقل للآخرين صورة غير حقيقية لي؟!

أحاول أن أمضي كل ساعات يومي في غرفتي لأتحاشى غضابها ولكنها دائماً ما تجد شيئا ما لتفتعل شجاراً معي.

لم يكن لي من ألجأ له فكان قدري أن أتحمل ظلمها بصمت دون حتى أن يكون لي حق الاعتراض.

في عتمة أحزاني صرت أفكر بأمي وأتساءل أين هي الآن؟! هل مازالت تذكرني أم أن أسرتها الجديده قد أنستها وجودي.

لم أكن قبل وفاة جدتي أفكر فيها.. كنت غاضبة منها لأنها تركتني لمصيري وفرت.. كان وجود جدتي يملأ الفراغ العاطفي الذي تركته وراءها ولكن بعد رحيل جدتي وبعد أن صبغت العتمة حياتي صرت أفكر فيها وأتخيل حياتي معها.

ولكنني لم أجرؤ على أن أسأل أبي عنها وهو الذي كان يتعامل معي بقسوة فقط لأنني ابنتها فماذا سيكون مصيري لو أنني سألته عنها؟!

أنهيت الثانوية بتفوق وقررت أن أتقدم لبعثة دراسية لبريطانيا لكي أبعد عن أجواء البيت القاتمة وعن قسوة عمتي وغضبها الذي لا أفهمه.

تفاجأت بترحيب عمتي لتلك البعثة واستطاعت أن تقنع أبي بها.

كانت ترغب في أن تتخلص من وجودي الثقيل في بيتها بينما فرحت أنا بخلاصي منها.

وهناك في برد نيو كسل ووحشتها صرت أفكر بقوة بأمي.. ألجأ إلى اللاب توب كل يوم أبحث في الفيس بوك وفي جوجل عن اسمها المكتوب بشهادة ميلادي ولكن لا أعثر على أي نتيجة.

فجيل أمي لم يكن له هوسا في مواقع التواصل الاجتماعي مثلنا.

وبينما أنا أقوم ببحثي عنها ظهر لي اسم دكتور يحمل نفس اسم أمي الثلاثي!

كان طبيبا تجميليا مشهورا له موقع على الإنترنت.

دققت في صورته وصرت أتساءل أيكون هو خالي شقيق أمي أم أنه مجرد تشابه أسماء؟!

اتصلت بالرقم المدون على الموقع لترد علي عاملة الاستقبال.

بصعوبة شديدة استطعت إقناعها أن تبلغه برغبتي بالحديث معه بموضوع خاص.

تركت لها رقم هاتفي واسمي وما هي إلا لحظات حتى اتصل بي والذهول والانفعال يسكنان صوته.

عرفني من اسمي الذي لم تنقطع أمي عن ترديده على مسامعهم.

كان هو خالي.. حكي لي عن لهفة أمي علي وبحثها ومحاولاتها الفاشلة للوصول لي.

أراحتني مسحة الفرح التي خالطت صوته.

قال إن أمي ستفرح حين تسمع صوتي وإنه سيترك العيادة ويذهب ليفرحها بأنها أخيرا استطاعت أن تعثر علي.

بعد ساعة جاءني صوتها.. كلمات كثيرة تزاحمت في فمها ولكن البكاء الذي تملكها لحظتها أذاب الحروف وطمس معالمها.

حكت لي عن كل شيء.. عن قسوة أبي وشكوكه المريضة وعن طرده لها.. عن زواجها من الطبيب الذي غادر معها لتمضي معه سنوات هادئة وهانئة حتى غادرها ذات يوم بعد أن تعرض لحادث سيارة أنهى على حياته.

لم تنجب أمي من زوجها الراحل وظلت طوال حياتها تحلم بلقائي.

في إجازة رأس السنة ذهبت لزيارتها في بلدها وظللنا نبكي.. تبكي هي حرمانها مني طوال تلك السنوات وأبكي أنا يتمي الذي عشته بعيدا عنها.

عرفتني على جدتي وأخوالي وخالاتي.. أحببت أجواءهم المعجونة بالحب وأجواء الفرح التي

افتقدتها.

عدت إلى بريطانيا وكل ما بي يشتعل فرحا.. انطفأت تلك النظرة الحزينة بعيني وولدت مكانها نظرة تلمع فرحا وبهجة.

وجاءت أمي بعد سفري بأسابيع لتقيم معي في شقتي الصغيرة في نيو كسل.. لتملأ حياتي بوجودها الجميل بابتسامتها الحلوة التي تحتضنني بها وحنانها الذي تغمرني به.

شيء واحد كان يؤرقني.. ماذا لو عرف أبي بوجودها معي؟! ماذا لو حرمني منها من جديد؟!

أحاول أن أخفي وجودها عن أقرب المحيطين بي حتى لا تتسرب أخبارنا لأبي فيسرق فرحتي.

أعيش أيامي المجدولة لحظاتها بالفرح ولا أحاول أن أشغل نفسي بشبح أبي.

سأعيش أيامي بكل بهجتها.. سأحلم بأنني سأتخرج يوما وستكون لي استقلاليتي.

لحظتها لن أسمح لأي قوة بأن تبعدني ثانية عنها بعد أن اعتدت أنا بهجة وجودها في حياتي ودفئها الذي تحيطني به.

اخترنا لك