حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

بقلم آمنة الغنيمامرأة في حياة زوجي!!

يعود من عمله وهو غارق في ضباب أفكاره.. يجري طفله نحوه بضحكاته البريئة، فيبتسم ابتسامة مفتعلة ويلتفت لي وتجهمه يتسلقه:

-خذي ولدج تعبان وما لي خلق.

آخذ طفلي بصمت ولا أعلق بكلمة واحدة. لا لم أكن حزينة على تجهمه ولا فقاعة الصمت الكبيرة التي يغوص بداخلها..أعرف تلك الأعراض وأفهمها جيدا.. لقد غادرته هي وفرت لتتركه لخيباته.

شهور وشهور وأنا أعاني من غيابه.. يحضر مجرد جسد بيننا وعقله ومشاعره في دنيا أخرى.. بإحساس المرأة أدركت أن هناك امرأة أخرى تسكنه، لكنني لم أستطع في بداية الأمر أن أحدد من هي.

أعرفه رجلا رومانسيا رقيقا كان يغمرني بعذب كلامه أيام خطوبتنا، ويمطرني بمسجات غارقه في شاعريتها.. وكما للبدايات جمالها كان للنهايات مرارتها.. رحلت رعشات الفرح تلك وحل محلها صقيع الحياة وروتينها.

غابت نظرات اللهفة عن عينيه وتجمدت كلمات الحب على لسانه؛ لكنه ظل ذلك الزوج الحنون الذي يغمرنا أنا وابنه بحبه وحنانه لنحتل قائمة أولياته.. كان زوجا مثاليا بكل المقاييس؛ حتي بدأت أحواله تتبدل ولم يعد يطيق سماع صوتي، ولا عاد يضحك على حركات طفله وكلماته الطفولية التي تثيرالضحك والفرح.

صار غارقا في عالمه وحده ذلك العالم الذي أعجز أنا عن اختراقه.. يغيب في غرفته وحده أسمعه يتحدث بصوت خافت أقرب إلى الهمس.

يرن جرس المسجات فيسرع بلهفه ليقرأه فيتلون وجهه بفرح أعرفه، ويظل منغمسا في أزرار جهازه النقال ناسيا كل شيء حوله.. كل ذلك سرب الشك لي وجعلني أتقلب على جمرته المحرقة.

صار كل هاجسي أن عرف من هي هذه التي سلبت عقل زوجي وجعلته هائما بها.. صرت أتحين الفرصة لكي أخطف جهازه وأفتش فيه، لكنه لم يكن يترك الجهاز لحظة واحدة حتى حين ينام يتركه تحت وسادته فتتعقد مهمتي.

حتى جاءت أمه لزيارتنا؛ تركته معها وسحبت جهازه النقال دون أن يشعر، ودخلت غرفتي وصرت أفتش فيه عليها حتى عثرت عليها.. كانت امرأة باهرة الجمال.. رأيت صورا لها في مناسبات مختلفة بدا وكأنه يقاسمها تفاصيل حياتها.

ظللت أفتش في “وتس اب” لأقرأ مسجاته لها ومسجاتها له، تمنيت لو أنني لم أفتحها.. الكلمات الجميلة التي كان يغمرني بها أصبحت اليوم لامرأة أخرى!! يحكي عن شوقه وحبه لها ويبعث لها بقصائد حب ومقاطع من أغان رومانسية، وهي ترد عليه بتحفظ تبدي له حبها له وتشكو من الوضع الغريب الذي يعيشانه.

تقول له في إحدى مسجاتها: لا أستطيع أن أستمر معك دون رباط رسمي أعلنه لأهلي، ويرد عليها هو بوعود بأنه سيتقدم لها قريبا وسيعلن ارتباطهما للعالم كله.

من بعض المسجات عرفت أنها موظفة بسيطة في إدارته، وأنه يمضي كل نهاراته معها.. شعرت برغبة أن أهشم هاتفه النقال وأفتته إلى قطع صغيرة من شدة الغيظ.

سنتان فقط مرتا على زواجنا كيف استطاعت هي أن تتسلل إليه وتتملك قلبه.

فتاة بمثل جمالها ما الذي يغريها برجل متزوج وأب لطفل إلا إذا كانت طامعة في اسمه وثروته.. بسرعة سجلت رقم هاتفها ونزلت لهما ودسست الهاتف في الصوفة التي كان جالسا بها حتى لا يشعر بأخذي له.

كانت مهمة صعبة فعلي أن أخفي غضبي وغيظي منه؛ فلم أكن أرغب في أن أشعره بأي شيء.. فكرت بأن علي أن أستخدم عقلي لكي أخرجها من حياة زوجي، ولأزيحها من طريقي.. أعرف أنه يتمسك بها كتمسك طفل صغير بلعبته وأن بكائي أو صراخي لن يجعله يتخلى عنها.

مضت أيام وأنا أفكر بها.. حاولت أن أجمع أي شيء عنها.. اتصلت بالشركة التي يعمل بها زوجي، وسألت الاستعلامات عنها فعرفت بطريقة غير مباشرة اسمها والقسم الذي تعمل به، كانت فتاة من عائلة بسيطة كل طموحها هو أن يرفعها هو إلى عالمه.

وصرت أتساءل: ما الذي أستطيع أن أفعل لأبعدها عنه؟! لحظتها نبتت تلك الفكرة الشيطانية بعقلي وصرت أسترجع تفاصيلها مرة واثنتين حتى لا أخطئ فيها.

اشتريت شريحة هاتف جديدة واتصلت على رقمها الذي أخذته من هاتف زوجي النقال،  وقلت لها إن أخي قد رآها وأعجب بها وأننا نرغب في التكلم مع والدتها لنتقدم لها.

سألتني: منو، فذكرت لها اسما وهميا أوهمتها بأنه ابن العائلة الكبيرة المعروفة بثرائها.

لم تقل لي إنها مرتبطة أو إنها لا تفكر بالزواج، فواضح أن ما كان يربطها بزوجي هو حبها لثرائه لا لحبها له.. أعطتني رقم والدتها بخجل مفتعل.

أتصلت بأمها لأكمل الحكاية؛ قلت لها إننا نريد ابنتهم لأخي وأنه مستعد أن يحقق لها كل طلباتها، وأن شرطه الوحيد هو أن تترك العمل لأنه لا يقبل بأن تعمل زوجته.. تحدثت معهم عن دراسته وشركاته التي يديرها، وأوهمتهم بفيلته الجديدة التي يبنيها.. نسجت لهم من كلامي قصة محكمة حتي كدت أنا أن أصدقها.

من يومها انقلب زوجي.. أدركت أنها قطعت كل خيوط علاقتها به ورحلت عن حياته.. لم يعد هو ينزوي في غرفته ويتحدث حديثه الخافت، ولم أعد أسمع رنين المسجات الذي كان يملأ وجهه فرحاً، ولم يعد ينام والجهاز النقال تحت وسادته، حتى حين اتصلت بالشركة لأسأل عنها كانت هي قد قدمت استقالتها.

ضحكت لحظتها؛ فلهفتها على العريس الموهوم جعلتها تسرع في تقديم استقالتها خوفا من أن يطير منها؛ أعرف أن زوجي يمر بحالة من الكآبة، لأنها لم تعد في حياته وأنني علي أن أحتوي حزنه وألمه، وأنني أحاول أن أعيده ذلك الزوج الذي أحببته.

شقيقاتي يكدن ينفجرن غيظا مني: يخونج وتطبطبين عليه،

انا لومنج جان خليته من زمان.

لكنني أصم أذني عن كلامهن؛ فأنا زوجه ترغب في أن تحافظ على زوجها وعلى بيتها.

بعد أسابيع صرت أسمع رنين المسجات ذاتها فأرى وجهه يتجهم ولا يفتحها، ورنين الهاتف الذي لا ينقطع فيضيق هو به ويضعه على الوضع الصامت.. فتشت في هاتفه النقال فعرفت أنها بعد أن طار العريس الوهمي عادت إليه لتوصل خيوط العلاقة.. كلماتها كانت تبدي ندمها وأسفها على الطريقه التي أنهت بها العلاقة، وأنها أدركت أنها تحبه ولا تستطيع أن تعيش بعيدا عنه.

فقد خسرت هي كل شيء خسرته وخسرت عملها، وحتي العريس الذي أوهمتها به فقد طار من يديها.. لكنه لم يكن يرد عليها.

وحين أعلن أنه غيّر رقمه شعرتُ بالفرحة تجتاحني، فهذا يعني أنه طردها من حياته ولن تعود لتطارده بمسجاتها، وإنني أستطعت أن أزيحها أخيراً من طريقي.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك