كتاب اليقظة

بين مرارة الواقع وحلاوة الأوهام

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمغادرتني أمي لتتركني أنا و شقيقي و ألم فراقها.

بدا لي البيت موحشا بغيابها ولم يعد لنا سوى الصمت الذي يتمدد بيننا.

جاءني شقيقي بعد وفاتها بشهور مبديا رغبته بالزواج.

فاجأني برغبته هذه والحزن مازال يغلفنا بعباءته.

كانت الفتاة نفسها التي أصر عليها في حياة أمي والتي رفضتها هي بقوة.

أمي كانت تراها فتاة منحلة وسمعتها هي وأمها مشبوهة ولم يكن من الممكن أن تقبل بهذا الزواج.

كانت ترى أنها استغفلت شقيقي واستغلت سذاجته للإيقاع  به وإلا من سيقبل الزواج بفتاة مثلها.

كنت أنا وقتها في التاسعة من عمري. لم أعترض، فلم  يكن حتى لدي الحق في الاعتراض، فقد اتخذ هو قراره وحدد كل شيء وكان علي أن ألملم حزني وأن أغتصب ابتسامة ليلة فرحه.

جاءت هي إلى بيتنا بطمعها وشرها.

من أول دقيقة دخلت فيها البيت مسكت بها  هي خيوط كل شيء لتشعرني بأنني غدوت مجرد ضيفة تسكن إحدى غرف البيت.

لم أكن أنا قادرة بأن أنطق بأي شيء، فقد كان شقيقي قد تحول إلى لعبة بيدها تحركها بين يديها.

كنت أندهش من تصرفاتها الغريبة لبسها وسهرها خارج البيت وضحكها الصاخب.

وشقيقي لم يكن يرى أي شيء مما أراه.

حتى سمعتها تحادث أحدهم ليلا.

ومن نبرات صوتها أدركت أنها تكلم رجلا آخر غير أخي!

شعرت بالغيظ، لم أعرف ماذا أفعل وقتها.

لم أرغب أن أخبر أخي وأزلزل هدوءه، كما لم أرغب أن أثير مشاكل معها.

ذهبت إليها أريد أن ألمح لها بأنني عرفت بما تفعل..

سألتها..

“من هذا الذي تكلمينه على الهاتف؟”

نظرت إلي والغضب يتطاير من عينيها وردت

“ليس من حقك أن تستجوبيني”

تفاجأت من ردها!

حسبتها ستبرر لي. ستفعل أي شيء حتى لا أخبر شقيقي بما سمعته، ولكنها لم تهتم بكلامي. فهي تعرف أن شقيقي لن يصدق سواها وأنها قادرة على أن تقنعه بأي شيء.

صرت أتحاشها. وأحاول أن أصم أذني وأعمي عيني عن تصرفاتها لأنتظر اليوم الذي أخرج به من البيت الذي أشعرتني فيه بأنني مجرد ضيفة ثقيلة.

حتى جاءني شقيقي ليخبرني أن هناك رجلا قد تقدم لي.

على الرغم من فرحتي بالفرار من البيت إلا أنني تفاجأت من الرجل الذي وافق عليه شقيقي.

رجل مطلق ويكبرني بخمسة عشر عاما ولا يحمل شهادة بينما أنا في سنتي الثانية في كلية الهندسة.

أمام ضغط أخي وافقت. أعرف بأن زوجته تمارس ضغوطها عليه وأنها تريدني أن أخرج من البيت وتحتله كله ولتتخلص من عينيي اللتين تريان كل شيء.

وافقت عليه. و تزوجته في حفل بسيط حضرته بعض أقربائي وأظهرت فيه زوجة شقيقي فرحتها الزائفة بي.

بدا لي فرحي كميتم لم يفرح فيه أحد، فلا أقربائي بدوا فرحين لتلك الزيجة الغريبة و لا زوجة أخي قادرة بابتسامتها الزائفة ان تغطي كرهها.

حتى العريس جاء وكأنه يؤدي دورا مكتوبا له، بدا متجهما، لم أكن أعرف لحظتها إذا كان ارتباكه هو الذي أظهره بتلك الصورة أم أنها طبيعة فيه.

ذهبت إلى شقته لتبدأ حياتي  الغريبة معه، يأتي يوم

ويغيب أياما ويتركني لخوفي وهلعي.

أحاول أن  أصرف  من الراتب الذي أستلمه من الجامعة على تلبية احتياجاتي.

أسأله عن غيابه فيصرخ بي..

“صار عندي شغل ضروري وسافرت يومين لا تسوين لي فيها تحقيق”..

تخيفني نبرة صوته فأبتلع اعتراضاتي وأصمت.

 حتى بدأت أشك بأنه يخونني مع غيري من النساء!

رائحة دشداشته وآثار الحمرة بها كلها تؤكد لي أن هناك امرأة بحياته.

واجهته بشكوكي فصرخ بي..

“ما انخلق اللي يقول لي شنو اللي أسويه و شنو اللي ما أسويه”..

أذهلني رده  و لم أعرف بماذا أرد.

لم أكن أستطيع لحظتها أن أحمل حقيبتي وأعود إلى بيت شقيقي. لن أسلم من تلميحات زوجته ومضايقاتها لي.

كان علي أن أختار بين المر وبين الأكثر مرارا واخترت البقاء مع زوجي.

تحملت خيانته لي وتحملت إهماله وصراخه وابتلعت إهاناته لي وبقيت معه.

حتى رجعت ذات مرة من الجامعة لأسمعه يتحدث بالهاتف مع إحداهن. لم يشعر هو بدخولي الشقة فاستمر في كلامه معها. اشمأززت من الابتذال الذي يغلف حواره معها، وددت أن أعلمه بحضوري حتى لا يتمادى بكلماته المقززة و لكن شيئا ما جمدني في مكاني.

كان الاسم  الذي يناديها به هو نفسه اسم زوجة شقيقي!

حاولت أن أقنع نفسي أنه مجرد تشابه أسماء وأنها من المستحيل أن تكون هي ولكن التفاصيل التي كان يتحدث بها أكدت لي أنها هي زوجة شقيقي.

أنهى مكالمته وتظاهرت أنني دخلت للتو. لم أواجهه بأي شيء ولم أسأله وانتظرته حتى نام.

أخذت جهازه النقال  كانت مكالماتها له ومكالماته لها على سجل المكالمات. فتحت صندوق الرسائل

لأصدم بالرسائل الغريبة التي بينه وبينها . كانت كلها تكشف علاقتهما معا  ولقاءهما في الشقة التي نسكن فيها أثناء غيابي.

كانا يعرفان بعض قبل زواجنا، ظهر هذا واضحا من تاريخ المسجات التي تعود لما قبل زواجنا وخططت هي لزواجنا لتبعد شبحي عنها وليصبح هذا الزواج ستارا لفضائحهما.

في الليله نفسها حزمت حقائبي ورحلت من بيته ومعي دليل خيانته.

لم أكن قادرة على الانتظار فيصحو هو ويسحب هاتفه مني وقد يمحو كل ما به قبل أن أستطيع فضحه هو معها.

استقبلني شقيقي بذهوله وضعت الهاتف النقال بيده فرأى كل شيء والذهول يعصف بوجهه.

بوجه يتصاعد منه الغضب اتجه إليها وطردها من البيت وهو يصرخ بها و يشتمها.

أفاقت من النوم هي وذهولها وخوفها وخرجت من البيت  في الليله ذاتها ليصفع شقيقي الباب وراءها.

ويجلس وهو يضع كفه على وجهه ويغرق في البكاء كطفل صغير.

طلقني زوجي وبعث لي ورقة طلاقي دون حتى أن أطلبها. كان واضحا أنها أخبرته بكل شيء..

خرجت هي من حياتي وتخلصت من  ثقل وجودها الذي يسحب الهواء كله.

شعرت بأنني أستعيد حياتي وابتسامتي التي فرت مني.

شيء واحد ظل يقلقني ويثير حزني وألمي. شقيقي الذي انطفأ البريق بعينيه.

غابت ابتسامته وأضاف له الحزن سنوات على عمره.

لم أكن أعرف أنه أحبها كل هذا الحب، وأن غيابها سيفعل به كل هذا.

أحيانا ألوم نفسي لأنني بإخباري له بالحقيقة قد هدمت له سعادته التي كان يعيشها وأحيانا أفكر بأن حزنه أسابيع أو شهورا أفضل عشرات المرات من أن يعيش حياته كلها في أوهامه.