حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمزوجي.. وحبٌ جديد

حين تقدم لخطبتي، كنت سعيدة لأنني أول فتاة تخطب من بين كل زميلاتي، كنا في المرحلة الثانوية، وكانت أحلام الخطبة والزواج، تداعب خيالنا جميعا. صرت أتباهى أمامهن، وأنا أردد عليهن ما قاله لي خطيبي من كلمات عذبة، وما أهداه لي من هدايا جميلة. وكانت البنات يتحلقن حولي ليسمعن مني القصص والحكايات، كنت أسرد عليهن كل التفاصيل الصغيرة التي تحدث بيني وبين خطيبي، وأضيف عليها مزيجا من الخيال لأضفي على الصورة جمالا وبهاء، كنت كطفلة تلهو بلعبة جديدة، فترتدي ثياب أمها وتنتعل حذاءها العالي وتصبغ وجهها بمساحيقها.

يوم زواجي كنت فرحة، بفستان الزفاف الأبيض الطويل، والزغاريد المتناثرة حولي، كنت أشعر بأني ملكة متوجة، لم أكن لحظتها مهتمة بعريسي بقدر ما كان اهتمامي بحفلة عرسي وبفستاني الأبيض، وبالنغمات الجميلة المترددة حولي. وحين سافرت معه إلى أوروبا، لقضاء شهر العسل، كان كل شيء حولي جميلا ومبهرا وعندما عدت لأبدأ حياتي الجديدة معه، كنت مبهورة بفيللته الجميلة، ونقوده التي كان يسفكها عليّ بلا حساب، صرت أشتري الثياب التي طالما حلمت بها، والمجوهرات الثمينة الباهرة. جذبتني تلك الحياة بمباهجها بقوة، حتى أصبحت الحياة بالنسبة لي هي الحفلات، والثياب الغالية، والمجوهرات الثمينة، أما هو فلم يكن يربطني به أي شيء، كنت أشعر دائما بأنه مجرد ممول لحياتي، وحافظة نقود أصرف منها ما أشاء.

لم أشعر بتلك المشاعر النابضة، التي كنت أقرأ عنها في الروايات وأراها في الأفلام.

كان بالنسبة لي إنسانا جامدا بلا روح، بينما أنا كنت إنسانة تنبض بالحياة.

حتى حين حملت وأنجبت طفلتي، كانت بالنسبة لي كدمية جديدة ألهو بها، ورغم البهجة التي كانت تضفيها على حياتي، إلا أنها لم تستطع أن تقربني منه، كان هناك دائما شيء لا أعرفه يبعدني عنه، ربما هو اختلاف أمزجتنا أو تنافر طبائعنا ولكن كل الذي أعرفه أنني لم أستطع أن أحبه.

حتى أصيب بأزمة قلبية، وخيم الحزن على الأسرة كلها، وتملكني الحزن ولكن ليس هو نفس الحزن، الذي تملك المحيطين حولي، وصار الكل يرمقني بنظراته، وكأن عدم ذرفي لمزيد من الدموع، هو ذنب لا يغتفر، وكأن ابتسامتي هي جريمة ضبطت متلبسة بها.

وصارت أمي تفرض علي أن أستبدل ثيابي الملونة بأخرى قاتمة، وأن أمسح كل المساحيق من على وجهي، وأن أنكس رأسي بصمت، حتى لا أتعرض لكلام الناس وأقاويلهم، وفرض علي أن ألعب دورا ليس دوري، دور المرأة المقهورة على زوجها المريض، واستسلمت تماما لواقعي الجديد، وأصبحت حياتي هي بيتي والمستشفى الذي يرقد فيه زوجي، ومضت الشهور وأنا أعيش تلك الحياة الرتيبة، وحالة زوجي لا تتقدم، والعلاج طويل ويحتاج إلى استمرار بقائه في المستشفى.

وخفت وطأة الحزن، التي كانت تجتاح القلوب، وانفض الناس من حولي، واقتصر زواره على أسرتي وأسرته، وبعض أصدقائه المقربين.

وبدأت أضيق بالدور الذي فرض لي وبالحياة الكئيبة التي أعيشها، وأنا ما زلت شابة في التاسعة عشرة من عمري، فلا أنا قادرة على أن أعيش كامرأة متزوجة وزوجي بعيد عني، ولا أن أعيش حياة الأرملة، التي تستطيع أن تتزوج لتبدأ حياتها من جديد، فقد شُلت حياتي، وتوقف كل شيء فيها.

حادثت أمي بشأن الطلاق فجزعت: «معقولة؟ ابنتي أنا تفكر بتلك الطريقة أتطلبين الطلاق وزوجك لا يزال راقدا في المستشفى، فماذا سيقول الناس عنا؟»

قلت لها : “لم أعد أطيق تلك الحياة، ضقت بالسجن الذي يطبق علي، والحرمان الذي أعيشه، فحرام أن أعيش بقية عمري، وأنا معلقة، فلا أنا زوجة ولا أنا غير متزوجة”.

وانهمرت بالبكاء فضمتني أمي وهي تردد علي: “إنها أزمة وستنتهي، وهذا قدرك ويجب أن ترضي به”. ولكن الأزمة لا تنتهي وحالة زوجي لا تتقدم، كان علي أن أزوره كل يوم، حتى إذا ما ازدحمت غرفته بالزوار، خرجت إلى الممر أنتظر أن يخف الزوار لأدخل فأجلس إلى جانبه.

وفي أثناء ذلك عرفته، كان هو الصديق الوحيد، الذي لم يكن يفارقه يوما واحدا، كان حديثه عذبا ونبرات صوته ملأى بالحنان، كان يتردد على زوجي كل يوم، حتى اعتدت على وجوده بيننا، وأصبح وجوده يخفف بعضا من مشاعر التعاسة، التي تجتاحني ويبدد شيئا من الكآبة، التي تسقط بظلالها على حياتي.

ولم يكن يكتفي بالتردد عليه بالمستشفى بل كان يتصل بي في البيت، ليطمئن علي وشيئا فشيئا بدأت أتحدث معه عن الحياة الكئيبة التي أعيشها والسجن الكبير الذي يحيط بي، وصار هو يخفف عني بكلماته الحلوة، واستمرت مكالماتنا التي كانت تطول يوما بعد يوم، وأصبحت أسرد عليه كل تفاصيل حياتي اليومية، وكان هو يحدثني عن كل ما يخص بيته وعمله، وبدأت حياتي من جديد. ومضت شهور وأنا أعيش حياة جميلة معه، أقابله في المستشفى مع زوجي، ثم أهرع بسعادة إلى البيت لتحتضن أذني صوته، فيبث لي مشاعره الدافئة، فتجتاحني سعادة غامرة تضيء كل شيء حولي بألوان جميلة وباهرة.

حتى كان يوما حين كنت في زيارة لزوجي، حين قال لي زوجي والابتسامة تشع بوجهه: لقد أذن لي الطبيب بالخروج!»

«معقولة؟» تساءلت بدهشة.

«نعم» قالها بسعادة، قال إن الطبيب قال له إن حالته الصحية أصبحت مستقرة، ولم يعد هناك أي داع لبقائه في المستشفى، ورغم الذهول الذي سيطر علي وقتها، إلا أنني استطعت أن أغتصب ابتسامة بصعوبة، لأردد بعض الكلمات الباهتة، التي تعبر عن سعادتي بخروجه.

وعاد إلى البيت بعد سنة عشتها بعيدة عنه، شعرت بأن حياتي كلها ستنقلب رأسا على عقب.

فقد اعتدت غيابه ورسمت حياتي على هذا الأساس، لم أعد قادرة على أن أحادث صديقه كما كنت، ولا أن أعيش حياتي كما أهوى، أذناه كانت تحصيان كل همساتي، وعيناه كانتا ترصدان كل شيء، منعني من الخروج والاختلاط بالناس، لم يعد هو نفسه زوجي الذي كان قبل دخوله المستشفى، كل شيء كان يدل على أنه يشك بي، وصرت أتساءل: ترى هل وشى له أحد بشيء، أم إنه مجرد إحساس دفعه للشك بي؟ وضقت بتلك الحياة، وما إن لمحت نظرات الشك بعينيه، وهو يسألني عن رنين الهاتف المتكرر حتى ثرت به، قلت له: إنه لم يراع تضحيتي له طوال تلك الشهور، أبعد كل ما قدمته له يكون جزائي هو الشك بي، قلت له: يمكنني أن أغفر أي شيء إلا الشك بي، فهذا الذي لم أقبله أبدا، وحملت حقيبتي وطفلتي، وعدت إلى بيت أهلي، وأنا أذرف دمعي، لأعلن لهم جميعا الظلم الذي وقع علي، فتعاطف الجميع معي، حتى أهله جاءوا يستسمحونني وصار الكل يلومه على موقفه الظالم مني، ونكرانه للجميل الذي قمت به.

وجاءني يعتذر، قال لي: إنه معترف بالخطأ الذي ارتكبه بحقي، مبررا ذلك بغيابه الطويل عني، والمرض الذي جعله يتخيل أشياء لا وجود لها، ووعدني أنه لن يعود لذلك مرة أخرى وسيكون لي كل ما أريد.

وعدت إليه لأعيش حياتي كما أهوى، عدت لاتصالاتي بصديقه، وإلى حياتي الصاخبة الملأى بالحفلات والسهرات.

أما هو: فلم يكن سوى اسم أحمله، وحافظة نقود أصرف منها ما أشاء!

اخترنا لك