حكايات حقيقية

حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمحين يكون الحب شيئا من تخيلنا

يزدحم بريدي الإلكتروني برسائلهن؛ يحكين لي عن قصة حب عشنها على خيوط الوهم.. عن العوالم التي نسجنها من خيالهن، وصرت أتساءل: هل نعشق بطبعنا أوهامنا أم إننا نخترعها حين يبخل علينا واقعنا بالحياة التي نحلم؟! لماذا تتعلق إحداهن بوجه ظهر لها فجأة من شاشة “الشات”؟!.. شخص لا تعرف عنه سوى ما يظهره لها، وتكمل هي خطوط رسمه من خيالها، أو تتعلق إحداهن بشخص رأته صدفة في مكان ما أو زمان ما وتتصوره الفارس الذي ظهر لحياتها ليغير ألوانها.

جاءتني قصصهم عبر البريد الالكتروني لتذهلني أفكر كيف يمكن أن تفكر أي فتاة أو امرأة أن تبني حياتها على أوهام.

الحكاية الأولى

كنت سعيدة بحياتي.. زوجي الذي يحبني ويغمرني بحنانه وطفلتي التي تملأ البيت بضحكاتها.. أذهب إلى الجامعة كل يوم وأترك طفلتي مع والدتي لأعود بلهفة فآخذها إلى بيتي وزوجي.. حتى تخرجت في الجامعة، بدء الملل يتسرب إلي والساعات تتمطط وتتمدد.. قدمت على وظيفة لتسد فراغات أيامي لكن الانتظار يطول والأيام تمضي ببطء قاتل.

صرت كثيرة الشكوي والتبرم، وزوجي يحاول كل وسعه ان يخلصني من مللي وكآبتي.. يحاول أن يخرجني في الأوقات التي يسمح بها عمله، ولكنني كنت أضجر من كل شيء، حتى كلمتني صديقتي عن أحد مواقع المحادثة)شات(، وعن الوقت الذي تمضيه بها وعن المتعة التي تشعر بها حين تدخلها.. فكرت لحظتها أن أجربها. دخلت وشدني العالم الغريب بنات وشباب لا شيء يربط بينهما سوى شاشة وبضعة حروف تتراقص بها.. أحببت ذلك العالم وتعلقت به ولم أعد أشكو من مللي أو وحدتي، وعلى ذلك الموقع تعرفت عليه.. شدتني طريقة كلامه وخفة ظله التي تفجر ضحكاتي وتملأ ساعاتي بالبهجة والفرح؛ حتى بدأت أشعر بشيء ما يشدني إليه.. شيء يجعلني لا أفكر إلا به وبالساعات التي أمضيها معه.

فرحت حين صار هو يحكي لي عن مشاعره التي يشعر بها تجاهي، وشعرت بأنه ينقلني معه إلى عوالم جميلة مبهرة، أدمنت عالم “الشات” وصرت لا أفارقه، أصحو كل يوم من نومي وأجري إلى جهازي “اللاب توب”، وأفتحه وأجلس أمامه ساعات طويلة لا أحس بها أكلمه عن كل شيء وعن اللاشيء.. أحدثه عن يومي وعن أمسي، ويحدثني هو عن تاريخه كله.. صرت أتضايق من وجود زوجي معي وأتململ من حديثه.. أحاول أن أفتعل أي شجار معه لكي أبتعد عنه إلي عالمي الذي عشقته.

صار يلح علي أن أرسل له صورتي أرسلتها ليبهر هو بها وبجمالي، وفرحت أنا بالكلمات التي أعادت لي ثقتي بنفسي وإحساسي بأنوثتي التي نسيتها بعد زواجي وإنجابي لطفلتي.. أرسل لي صورته فانبهرت بوسامته ورجولته.

حتى صار يلح أن يحدثني على الهاتف وأمام إلحاحه كلمته، وجذبني صوته الدافئ، ووجدت نفسي أنشد إليه كل يوم أكثر من الذي قبله، حتى صار هو مركز الكون عندي،

عرف كل شيء عني وعرفت كل شيء عنه وكأنني عشت معه عمري كله.. جذبتني رومانسيته التي افتقدتها مع زوجي ومرحه والبهجة الذي يشعلها حوله.

صرت أشكو له من زوجي ومن جفافه وبروده معي، وأصوره بكل الصور البشعة التي تبرر لي خيانتي له.. صار يقول لي إنه أحبني ولولا أنني متزوجة لتقدم لي ولأصبحت أنا زوجته.. كانت تلك الكلمات تفعل بي فعل السحر، حتى صرت أفكر جديا بالطلاق لأعيش معه الحياة التي أحلم مع رجل أحببته وأحبني.

افتعلت شجارا كبيرا مع زوجي وخرجت أنا وطفلتي إلى بيت أهلي لأتركه غارقا في دهشته، وأصررت على طلب الطلاق رغم استنكار أمي واعتراضات أبي وإخوتي. لم أكن أهتم بكل كلامهم، فكرت بأني أعيش حياتي مرة واحدة ولا أعيشها مرتين، وعلي أن أعيشها مع الرجل الذي أحب.. الرجل الذي أدخل البهجة والفرح إلى حياتي.

كلمته قلت له إنني ذهبت إلى بيت أهلي وإنني قريبا سأطلق من زوجي.. حسبته سيشتعل فرحا وهو الذي ينتظر تلك اللحظة بلهفة شديدة لكني تفاجأت بصمته، وحين أبديت دهشتي لردة فعله قال لي إنها المفاجأة لكنه سعيد بقراري.. صار هو يتهرب مني ولم يعد يدخل الموقع الذي اعتدت أن التقيه كل يوم به، و لم يعد يكلمني بالهاتف كل يوم كما كان يفعل، ليتركني لذهولي وحيرتي.

استلمت ورقة طلاقي وانتهت شهور العدة وصرت ألاحقه باتصالاتي، لكنه لا يرد حتى اتصلت به من هاتف آخر فرد علي.. كتمت غضبي كله وقذفت سؤالي: متي تتقدم لي؟ لأتفاجأ برده الغريب: الصراحة أنا ما أتزوج وحده عرفتها على الشات.. الزواج مو لعبة.

أدركت لحظتها أن كلامه عن زواجي الذي كان عائقا بيننا ورغبته بالارتباط بي كان مجرد أوهام عيشني بها كل تلك الشهور، وأنني تركت زوجي وهدمت بيتي من أجل مجرد أكاذيب.

الحكاية الثانية

كنت في أحد المطارات الأوروبية حين رأيته لأول مرة يجلس في استراحة رجال الأعمال.. جذبتني وسامته وسمرته التي تحمل ملامح بلدي. لم أنتبه إليه إلا حين أعلن عن تأخر إقلاع طائرتنا حتى صباح الغد.

ذهبت إلى الموظفة أسألها لأراه هناك واقفا يبدي استياءه ورغبته الشديدة للحاق بعمله الذي سيكون في صباح الغد، ولكن لم يكن هناك حل سوى الانتظار.. رآني واقفة أبدي ضيقي وقلقي من بقائي ليلة أخرى في هذه المدينة الغريبة؛ بعد أن ودعت شقيقتي التي تسكن ساعات من هنا. رأي قلقي الذي ارتسم بوجهي والأسئلة التي تقافزت إلى فمي وأنا أسأل: ماذا أفعل وكيف أتصرف؟

حاول هو طمأنتي وتخفيف حدة قلقي، قال لي إنهم سيحجزون لكل راكب غرفة في الفندق الملاصق للمطار على حساب شركة الطيران، وأنهم سيأخذوننا إلى هناك ويعودون بنا غداً.. خففت كلماته من قلقي.. سرت معه هو وراكبين أجنبيين اثنين إلى حيث السيارة التي ذهبت بنا إلى الفندق.. صار هو خلالها يجاذبني أطراف الحديث.. يسألني عن أسباب زيارتي ويخبرني عن زيارته.. ذهبت إلى غرفتي غيرت ثيابي ونزلت لأتناول عشائي في مطعم الفندق لألتقيه، تجاذبت معه أطراف الكلام فشعرت بأنني أعرفه منذ سنين.. تحدثنا في كل شيء عن عملي وعن أحلامي وعن شركته التي يعمل بها.

فرحت حين اكتشفت أنه يقاسمني حبي للقراءة وأنه يهوى نفس الموسيقى والأغاني التي أحبها.. كنت سعيدة بحوارنا معا، شعرت برغبة في أن تتجمد عقارب الساعة، وألا يمضي الوقت وأن أبقى أتحدث معه عمري كله.

في صباح اليوم التالي اتجهنا إلى المطار معا، وجلسنا علي مقاعدنا في درجة الأعمال، وقدرا كان مقعده قريبا من مقعدي، ولأول مرة أشعر أن الوقت مر سريعا دون أن أشعر بحوارنا الذي امتد طوال فترة رحلتنا. وقبل أن تهبط طائرتنا أعطاني رقم هاتفه وطلب مني أن أطمأنه علي.

كلمته بعد يوم فوجدت نفسي أحلق معه بعالمه الجميل.. صار هو حلمي وكل حياتي.. عشت شهورا وأنا أحلم باللحظة التي يفاتحني فيها برغبته في التقدم لي بالزواج؛ حتى رأيته فجأة في أحد المولات معه امرأة وطفلان يتراكضان حوله.. كنت مع صديقتي في طريقنا إلى السينما حين وقفت هي لتحيهم وتتضاحك معهم.. شعرت بوجهه يتلون بألوان غريبة ما إن رآني وأنا حائرة.. من هذه التي معه وما ذلك الاضطراب الذي اعتراه؟!

حين عادت صديقتي عرفت منها أنه زوج شقيقتها.. كان متزوجا وله حياته بينما استطاع هو ببساطة أن يبيع لي الوهم.

Leave a Comment