حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

بقلم آمنة الغنيمابن زوجة أبي

“لا مستحيل انسي الموضوع”!

قالتها أمي وهي ترتجف غضبا.

اندهشت من ردة فعلها الغريبة، فلم يكن في ما قلته لها ما يمكن أن يثير زوابع غضبها.

كانت دائماً ما تنتظر بلهفة اللحظة التي تفرح بها بي واليوم جئت إليها أخبرها بأن هناك شابا يرغب في التقدم لي. شاب ابن عائلة تتناسب مع عائلتنا. جامعي ويعمل معي في البنك نفسه الذي تعينت فيه.

لم أجد سببا واحدا يجعلها تنتفض برفضها.

نظرت إليها وإلى عينيها اللتين تبرقان غضبا وتساءلت:

“ليش؟”

ردت بنبرة حادة:

“ما لقيتِ غير ولد سارة؟!”

هزت رأسها بعصبية:

“ما تأخذينه لو هو ملاك منزل من السما!”

تفاجأت بأسلوبها الحاد، أمي الهادئة الطيبة تنقلب إلى هذه المرأة التي لا أكاد أعرفها!

ثم من هي سارة هذه التي تردد اسمها؟!

“تعرفين اسم أمه يمه؟!”

تساءلت بحيرة.. لتخبرني هي عن كل شيء!

كان هو ولسوء حظي ابن سارة زوجة أبي السابقة التي ذاقت أمي المرارة والحزن بزواجه منها.

كان زواج أبي وقتذاك صدمة لأمي التي كانت قد تزوجت أبي بعد قصة حب جميلة لتفاجأ به بعد عشرة سنة زواج برغبته بالزواج من تلك المرأة.

كان أبي محاميا وكانت هي تتردد على مكتبه من أجل رفع قضية طلاق ضد زوجها.

كسب أبي القضية وتطلقت من زوجها وغادرت المكتب ولكن مشاعر ما صارت تربط خيوطها بينه وبينها.

تقدم لها أبي بعد شهور من طلاقها.

وبكل أشواك الصراحة قذف سموم كلماته على أمي:

“حبيتها غصبا علي حبيتها”!

لا أعرف هل توقع من أمي أن تهديه وسام الصراحة؟!

أحيانا يكون الصمت أكثر رحمة من أنياب الصراحة القاسية التي مازالت آثارها محفورة في صدر أمي حتى هذه اللحظة.

تزوجها أبي لتستسلم أمي لموجة من الكآبة. كل ما أذكره من تلك الأيام هو بكاء أمي وعزلتها التي فرضتها على نفسها لتتجنب نظرات الناس وفضولهم.

لم يستمر زواج أبي طويلا.. طلقها بعد سنة بعد أن هددها طليقها بأن يضم حضانة ابنها له.

ليغلق أبي بابها وليعود إلى أمي زوجها الذي كان.. ولكن لم تكن أمي قادرة على أن تعود هي نفسها الزوجة التي تفني نفسها له.

قالت لي وقتها انكسر شيء بيننا.. لم أعد أشعر بالأمان معه.. كنت أتوقع في أي لحظة سيأتي ليخبرني بأنه أحب امرأة ما وسيتزوجها.

حصنت نفسها من خيبة الأمل بالبرود الذي غلفت به مشاعرها.. حتى مرض أبي بالسرطان وسافرت معه أمي إلى فرنسا ليتابع علاجه هناك ولكن المرض كان في مراحله المتقدمة.

توفي أبي لتبكيه أمي بحرقة.. بكت على الأيام التي أمضتها بعيدة عنه وعن اللحظات التي لبسها كبرياؤها فتعاملت معه بكل جفاء وبرود.

كانت أمي تبكي بحرقة غيابه عنها.. تقول لقد سرقت هي كل شيء.. سرقت حتى الذكريات الجميلة بزواجها منه.

وأنا لا أستوعب كيف لأمي تحمل كل ذلك الكره لامرأة لم تعد غريمة لها.. فلا هي زوجة لأبي ولم يعد أبي على قيد الحياة.. ولكن أمي لا تستطيع أن تنسى مرارة الأيام تلك ولا الطريقة التي تسللت هي فيها إلى أبي.

تركت أمي لعنادها واتجهت إلى غرفتي.. كنت أفكر ما الذي يمكن أن أقوله له.

لم أكن أتخيل أن أحرم منه ومن سعادتي معه من أجل أشباح الماضي التي مازالت تسيطر على رأس أمي.

اتصل هو ليسألني بلهفة:

“ها كلمتِ الوالدة؟”

“تعرف أن أبوي كان متزوجا أمك؟”

“أمي قالت لي”.

قالها بكل بساطة.. فلم تعترض أمه على زواجنا بل فرحت بي ولا أعرف هل كانت فرحة بي لأنني الفتاة التي اختارها ابنها أم أنها رأت في شيئا يذكرها بأبي الرجل الذي أحبته؟!

تفاجأ هو بردة فعل أمي!

وبكلمات تفوح حزناً ردد:

“مستحيل أقدر أعيش بدونج”.

طردت كلماته الرقيقة العتمة التي خلفتها كلمات أمي ليشعل الفرحة بداخلي.

قال لي إن موقف أمي هو مجرد ردة فعل وقتية ولكنها حين تدرك بأنني متمسكة به وأننا نحب بعضنا كل هذا الحب ستغير رأيها وستفرح لنا.

أضاءت كلماته كهوف يأسي المعتمة فاجتاحتني موجة من الأمل والتفاؤل بأن كل شيء سيتبدل قريبا، وأنني سأكون له وسيكون لي.

منذ التقيته للمرة الأولى في البنك الذي التحقت للعمل به قريبا وأنا أشعر بانجذاب كبير له.. شخصيته الجذابة، ثقافته واتزانه كل ذلك جعلني لا أرى سواه، وحين اعترف لي بمشاعره ورغبته بالارتباط بي كدت أطير من الفرح.

حلمت بكل شيء.. بليلة عرسي وبيتنا وصغارنا، فلا أتخيل أن يتسرب ذلك الحلم مني.

مضت أيام وأسابيع وشهور وأنا في كل مرة أفاتح أمي بشأنه تثور بي وتصرخ.

أعيد الأمر عليها مرة واثنين.. أكلم شقيقي الأكبر ليكلمها بالأمر ولكنها متمسكة بعنادها وتعنتها.

تتساءل بدهشة:

“أليس هناك غيره؟!”

“لن تموتي إذا لم تأخذيه”!

 قالت إنها لا تتحمل البقاء لحظة واحدة وإن الالتقاء بها هو شيء فوق طاقة احتمالها.

لا أعرف لماذا حين يكون الأمر يتعلق بأي شيء من طرف زوجة أبي تتحول أمي إلى إنسانة قاسية ومتعنتة.

في لحظة قالت لي دعيه يأتي أريد أن ألتقيه أولا قبل أن أعطي كلمتي، قفزت بفرح أقبل رأسها وجريت بلهفة لأتصل به أخبره برغبة أمي بلقائه.

جاء هو بوسامته وحضوره الجميل.. أي أم أخرى غير أمي كانت ستفرح به كخطيب لابنتها.

كنت أنظر إلى وجه أمي.. أحاول أن أقرأ مشاعرها وأفكارها ولكن وجه أمي تلبسه الجمود.

لأتفاجأ بها تقول له:

“لو كنت آخر واحد في الدنيا ما راح أزوجك بنتي”.

شهقت من ذهولي بينما تلون وجهه ولم يعرف بمَ يرد على كلماتها.

ثم انهالت بتجريحها لأمه.. قالت إنها لا تتشرف أن تكون لها أي صلة بها وصارت تنعتها بأبشع الألفاظ.

لحظتها فقط قال:

“أرجوج ما بي أسمع كلمة غلط على أمي”.

“وأوعدج من هاللحظة ما راح تكون لي أي علاقة بنتج”.

قذف بكلماته وخرج ساحبا معه خيوط الفرح والبهجة.

وكانت الكلمة التي رددتها بكل حرقة:

“ليش ليش”؟!

“حرام عليج حرام عليج”!

ولكن لم يكن لأمي كلام يمكنها أن ترد به علي.

وحقق هو وعده لأمي واختفى من حياتي.. غير رقم هاتفه وعمله وقطع كل الخيوط بيننا.

مرضت أمي بعدها بسنة وسافرت لأمضي سنوات معها.

تتحسن حالتها فنعود لتمضي شهورا في الكويت فتسوء حالتها ونسافر من جديد.

تزوج شقيقي الأكبر وأنجب طفلين وأنا أصارع المرض مع أمي.

بعد خمس سنوات من رحلة العلاج توفيت أمي لتتركني وحدي.. عدت لأرى شقيقي وزوجته وأطفاله قد احتلوا البيت كله.

أخرجوني من غرفتي الكبيرة ليعطوني غرفة صغيرة في الطابق السفلي.. وأصبحت زوجته هي سيدة البيت تأمر وتنهي في كل شيء وتشعرني في كل مرة بأنني ضيفة ثقيلة عليهم.

وحين تراكمت الأحزان على صدري صرت أفتش عنه أحتاجه لأقاسمه حزني ووجعي.

سألت عنه فعرفت أنه تزوج وصار له طفلة.

رغما عني بكيت ولم أكن أملك لحظتها شيئا سوى أن أترحم على أمي التي لولا تعنتها لكنت معه زوجة أقاسمه حياته، ولما اضطررت لأن أعيش تحت رحمة شقيقي وزوجته اللذين جعلاني أعيش كضيفة غير مرغوب فيها ببيتي.

اخترنا لك