حكايات حقيقية

حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيموعادت أمي.. منكسرة!

يأتي عمي كل جمعة ليأخذنا إلى بيت جدي. أسرع أنا وشقيقتي الصغرى إليه بلهفة لنمضي نهارنا هناك بين جدتي وعماتي وأعمامي وأبنائهم.

أمضي ساعات رائعة بينهم يغمرني دفئهم وتملأني أحاديثهم الممتعة بالفرح.

أشعر بحبهم وحنانهم من نظراتهم الملآى بالحب لنا ومن دفء كلماتهم.

فأنا وشقيقتي من رائحة المرحوم أبي الذي رحل ذات غفلة ليترك وراءه أرملة شابة في منتصف الثلاثينات من عمرها، وطفلتين أكبرهما في الثانية عشرة من عمرها.

كان وجودنا بينهم يخفف من ألم فراقهم لأبي، يحاولون أن يبحثوا في وجوهنا عن ملامحه وعن رائحته وكنت أنا أفرح بوجودي بينهم.

كان عمي أكثرهم قربا منا. يجلس معنا طوال الزيارة يضاحكنا ويلاعبنا، وحين يأتي المساء يأخذنا إلى مشاهدة فيلم في السينما أو التنزه في أحد المولات التجارية، ويذهب بنا لنتناول عشاءنا في أحد المطاعم التي نحبها، ويعيدنا إلى البيت ونحن محملون بالهدايا واللعب. يعيدنا إلى البيت يسأل باستحياء عن أمي، يبدي رغبة في تحيتها.. أناديها فتأتي ضجرة متمللة.

وترد عليه ببرود يحرجني أنا طفلة الثانية عشرة، أشعر أنه يحمل شيئا من المشاعر لأمي، وأن كل عائلة أبي تتمنى أن تكون أمي عروسا لعمي لأنه سيكون حنونا علينا كأبي، وسيكون حريصا على أمي وعلينا وأنه أحسن من الغريب.

ولكن أمي كانت ترفض الزواج منه ونحتار نحن من رفضها. شقيقتي الصغرى بعفويتها كانت تردد على مسامع أمي: “يمه ليش ما تتزوجين عمي.. اهو مثل أبوي”.

كانت أمي تزجرها وتثور بنا مهددة؛ إذا سمعت هذا الكلام من واحدة منا ستمنعنا من رؤيته، ومن الذهاب إلى بيت جدتي فنلوذ بصمتنا.

أحتار في موقفها من عمي الشاب الوسيم الذي يغمرنا دائماً بحبه وحنانه. حتى جاءتني أمي لتقول لي بأنني كبرت ولم أعد صغيرة وأنني سأستطيع أن أفهمها.

سردت كل مقدماتها المملة لتصفعني بخبر خطوبتها، لم أعرف عنه أي شيء، كل الذي قالته إنه رجل طيب ويحبنا وسيكون في مكان أبينا، وسؤالنا الذي يتقافز في رأسنا: لماذا لم تتزوج من عمنا إذا كان كل ما تريده هو رجلٍ طيبٍ ويحبنا،  ولكن أسئلتي ظلت معلقة بلا إجابة واحدة.

حين جاء عمي ليأخذنا إلى بيت جدتي ككل مرة، بدا حزينا ولم ينطق بكلمة واحدة طوال طريقنا إلى هناك.

بيت جدتي فقد مرحه وبهجته، كان خبر خطوبة أمي ينتشر في الجو، من أحاديثهم عرفت أن شخصا غير مناسب. شاب يصغر أمي سنا ولا يحمل أي مؤهل.

والهمسات تدور بأنها كانت على علاقه به وإلا كيف تقبل هي به وهو بهذه الظروف.

تزوجت أمي وجاء ليعيش معنا في البيت نفسه. منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناي عليه؛ شعرت بنفور منه كان إنسانا مغرورا ومتعجرفا.

وكانت أمي غير قادرة على أن تخفي سعادتها به. تلهث وراءه لإرضائه، بينما لم أكن أسمع منه سوى الشكوى والتذمر وكأنه طفل كبير.

كانت أمي تصحو صباحا وتذهب إلى وظيفتها ونذهب نحن إلى مدارسنا ويبقى هو في البيت.

يتأمر على الخدم ويستعرض عضلات رجولته بالشتائم والصراخ.

تأتي أمي متعبة من عملها لينهال عليها بصراخه يشكو من غباء الخدم ومن عدم إطاعتهم لأوامره، تحاول أمي مراضاته بأي طريقة وأي شكل، تأتي له بالهدايا التي يفرح بها كمراهق صغير موبايل جديد، ساعة ثمينة يخرج هو ليتباهي بها أمام أصدقائه.

حتى المال كانت أمي تعطيه بيدها مصروفه، ولما احتج من أخذه النقود بهذه الطريقه أعطته كرت السحب الآلي الخاص بها ليسحب منه ما يشاء متى يشاء.

كانت أمي تلهث وراءه لتلبي مطالبه وتحاول أن تسعده بأي طريقة، بينما لم تكن ترى منه سوى خشونة المعاملة.

أضيق أنا من أسلوبه السخيف معها ونوبات غضبه العنيفة وشتائمه لها.

تلك الليلة كانت أمي تبدي تذمرها بشأن تأخره خارج المنزل، وأثناء شجارهما انهالت صفعته على وجهها، لحظتها لم أتمالك نفسي؛ ثرت به أصرخ لأنه مد يده عليها. لأتفاجئ به يندفع لضربي قاذفا بي بأبشع الشتائم.

بكيت ليلتها ليس من الألم بقدر ما كان من موقف أمي الغريب، فلم تتعاطف معي وتقف معي ضده، بل على العكس صارت تدافع عنه مرددة أنني تطاولت عليه وأنه في مقام أبي وأنه من حقه أن يؤدبني.

في صباح اليوم التالي اتصلت بعمي أخبرته بكل شيء، ورغبتي بالانتقال كي أعيش في بيت جدتي، جهزت حقيبتي وأبلغت أمي أنني سأذهب لأعيش هناك، فلم تعترض فقد كان هو مسيطرا على كل تفكيرها.

بعد أيام اتصلت شقيقتي لتبدي هي الأخرى رغبتها بالانتقال للعيش في بيت جدتي، وانتهت علاقتنا بأمي.

صار كل ما يربطنا بها مكالماتها التي تتصل بها بين فترة وأخرى لتسأل عنا.

تأتي لزيارتنا في بيت جدتي في فترات متباعدة كل أسبوع ثم صارت كل شهر حتى تباعدت زياراتها.

لم تطلب منه مرة واحدة أن نزورها ببيتها الذي هو بيتنا وبيت أبينا فقد كان زوجها يمنعها من أن تستقبلنا.

كبرنا في بيت جدتي وخطبت أنا وجاءت أمي كمجرد شكل يكمل طقوس الخطبة، وبليلة زواجي كانت مجرد ضيف شرف هناك.

لم أشعر بها في أي مرحلة من مراحل حياتي لا بتخرجي ولا بزواجي. حتى حين وضعت أول طفل لي انتقلت إلى بيت جدتي لتقوم بنفاسي.

بعد كل تلك السنوات تطلقت أمي بعد أن خسرت معه كل شيء.. شبابها ومالها الذي نصب عليها وأخذه كله منها.

أقنعها أن تشتري راتبها التقاعدي ليبدآ معا مشروعا يعملان عليه.

أخذ سنوات عمرها ومالها وقذفها بورقة طلاقها وفر من بيتها، لتجد أمي نفسها وحيدة.

حاولت أمي أن تلملم خيوط علاقتنا معها، كنت أنا أشعر بخليط من الشفقة لحالها والغضب على كل طفولتي وتفاصيل حياتي التي كانت غائبة عنها. ما إن أراها حتى أشعر بالمرارة تتلبسني.

حتى مرضت هي ولم يكن هناك أحد سواي يعتني بها، فشقيقتي الوحيدة سافرت لتتابع دراستها بالخارج لأصبح أنا المسؤولة عنها.

أخذتها الي بيتي لأتمكن من رعايتها؛ كانت تبدي لي امتنانها كل يوم وفرحتها بأحفادها وهم يتراكضون حولها.

أرى بقايا الندم في قاع عينيها، وأحاول أنا أن أغفر لها طفولتي التي سرقتها مني.

Leave a Comment