حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

 بقلم آمنة الغنيمعاقبه الله بظلمه وأكرمني بصبري

 أذكر وجهه في المستشفى حين أخبرنا الطبيب أن طفلنا  الذي لم يبلغ يومين مصاب بمتلازمة الداون.

طفلنا الذي فرحنا  به والذي جاء بعد خمس سنوات من الانتظار.

تحملنا  خلالها  أسئلة الناس المزعجة و تلميحات أم زوجي الجارحه.

تسألني في كل مرة..

“متى أفرح بعيال ولدي؟”

ولا أعرف بماذا أرد.. وحدها شقيقة زوجي وصديقتي هي التي كانت تقف معي بوجه أمها وحيلها والطرق الشيطانية التي تتبعها معه ليتزوج من فتاة أخرى، تأتيها بالحفيد الذي تنتظره بلهفة.

تعرض عليه صور بنات للزواج وتدعو قريباتها البنات وتناديه ليسلم عليهن وتسأله بعدها بخبث..

“ها اشرايك فيهم ما أعجبتك وحده منهم؟”

يضيق هو بأساليبها هذه و يردد عليها بأنه يحبني ولا يمكن أن يتنازل عني.

تخبرني شقيقته بكل هذا وتضحك..

“يا بختج يا ريت عندي زوج يحبني مثل ما يحبج”

أبتسم بفرح وأدعو ربي ليل نهار لأحقق له حلمه..

شقيقته هي التي شهدت قصتنا منذ بدايتها. منذ اللحظة التي وقعت عيناه علي وأنا أخرج من باب المدرسة.

جاء هو ليأخذ شقيقته التي لا تجمعني بها سوى معرفة بسيطة.

أعجب هو بي وصار يسأل شقيقته عني ويلح عليها لتقترب مني.

كنت أنا مذهولة من اهتمامها المفاجئ بي وسؤالها الدائم عني. لم أعرف لحظتها أن شقيقها كان يدفعها دفعا نحوي.

حتى أبلغتني بإعجاب شقيقها ورغبته بالتقدم لي فور انتهائي من الثانوية .

لحظتها فقط لاحظت عينيه وهي تتبعني لحظة خروجي من المدرسة حتي دخولي سيارتي.

شيء ما شدني إليه، هل هو الصدق الذي شعرت به يطل من وجهه أم هو كلامها الجميل عنه.

بدأت حكايتي معه التي انتهت بزواجنا.

كان كل شيء جميلا و رائعا. حتى تأخر حملي وبدأت أشعر بسحابة حزن تعبره، أسأله ما به فيتحجج بأي شيء وأنا أعرف أنه يشتاق لطفل يحمل اسمه. و أعرف أن أمه تمارس كل ضغوطها وأسلحتها عليه.

كنت أدعو ربي أن يرزقني بطفل له قبل أن يكون لي. لم أكن أرغب أن أكون سبب حزنه و حرمانه.

حين حملت بطفلي كدت أطير فرحا، خرجت من العياده ودموعي تتساقط من عيني وابتسامة فرح تتراقص بوجهي.

أخبرته بالخبر لأتفاجأ بدموعه التي تساقطت. كانت فرحته أكبر من كل تخيلي.

صار يصحبني معه إلى محلات الأطفال لنجهز غرفة الطفل. يختار أحلى أثاث له وحين أعترض على أسعارها المبالغ فيها كان يقول..

“ما كو شيء يغلى على ولدي”

جهزنا كل شيء، ثياب الطفل وعربته وكل الأجهزة الخاصة به وحتى الألعاب اشتراها لطفله من فرحته به.

كان سعيدا بي وبطفلنا الذي لم يأت بعد وكنت أنا رغم متاعب حملي أعيش أحلى أيام عمري.

حتى جاء طفلي الذي فجر كل فرحنا.

بدأت أستقبل النساء في المستشفى اللائي جئن ليباركن  لي، الكل فرحا بي.

لم ألاحظ على الطفل أي شيء، كانت ملامحه غير واضحة و ما ظهر أي شيء يمكن أن يجعلني أشك بأنه يعاني من أي شيء حتى جاء الطبيب ليفجر الخبر لنا.

لم استطع استيعاب الأمر في أوله وصرت أتساءل بذهول

اشلون؟ وليش؟

أسئلة لا معنى لها تدافعت من فمي لحظتها، و صرت أبكي بينما غرق زوجي في صمت غريب.

كنت أشعر بحزنه وهو يهز برأسه للطبيب ولكنه لم ينطق بشيء.

ظللت بصدمتي أياما..

خرجت من المستشفى وانتقلت إلى بيت أهلي لأمضي أيام النفاس هناك.

تسربت الكآبة لي  لتملأ أيامي بلونها الرمادي الكئيب.

شعرت بفرحتي تتسرب مني. أنظر إلي طفلي وأفكر فيه وحياتنا القادمة فأحضنه وأبكي.

كنت أحتاج إلى وجود زوجي معي، يأتي ليخفف عني ولنتحدث عن حياة طفلنا القادمة وكيف سنرعاه، ولكن زوجي لم يكن معي.

أتصل به أعاتبه على غيابه، يأتي ويبقى دقائق بفكر شارد و يتحجج بأي شيء  ليذهب.

لا يحاول حتى السؤال عن ابنه أو يفكر أن يراه أو يطمئن عليه.

اندهش من طريقته الغريبة مع ابنه الذي كان يتلهف لرؤيته طوال سنوات حملي.

كونه غير طبيعي هذا لا يعني أنه ليس ابنه ولا يلغي المشاعر التي تربطه بابنه.

انتهت فترة النفاس وانتقلت إلي بيت زوجي.

جاء لأخذي دون أن يبدي أي فرحة بعودتنا إلي البيت.

لم يعد هو زوجي الذي أعرفه. تغير فيه شيء لا أكاد أعرفه.

لم يكن يطيق صراخ الطفل واضطررت حتى لا أزعجه أن أنتقل لأنام مع طفلي.

كان دائماً غائبا عن البيت وحين يعود يظل صامتا دون أن يلتفت إلى طفله.

أعاتبه على إهماله لطفله وأنه ابنه وأن هذه إرادة الله ولكنه كان يضيق بكلامي ويخرج.

حتى أبلغني برغبته في الانفصال..

نظرت إليه بذهول وهو يقول أنه لا يتحمل هذه الحياة..

أي حياة سألته..

و لكنه لم يجب، عرفت أنه يرفض طفلنا الذي كل ذنبه أن خلقه الله غير طبيعي.

عدت إلى بيت أهلي مطلقة أحمل طفلي المعاق وأنا أبكي ظلم زوجي لي ولطفله.

تزوج زوجي من أخرى بعد أسابيع من طلاقنا وأهتممت أنا بطفلي الذي ملأ حياتي بحبه.

استطعت أن أكيف نفسي معه وأن أتقبل حياتي الجديدة معه.

وفجأة ظهر هو في حياتي.

كان طبيب طفلي الذي أتردد عليه والذي فاجأني بإعجابه بي و برغبته التقدم لي.

بحدة قلت..

“ما راح أتنازل عن ولدي”..

ابتسم هو ورد بأنه حين فكر بالتقدم لي كان يعرف أنه سيأخذني بكل ظروفي.

تزوجته وغمرني بحبه أنا و طفلي ليمحو المرارة التي تركها لنا زوجي.

و حملت بعد شهور من زواجي، لآتي بطفل طبيعي لم يأخذ مني اهتمامي بطفلي الأول.

و أنجبت بعدها طفلتي التي ملأت حياتنا بالفرح.

أما زوجي فلم يأت بطفل رغم أنه تزوج مرتين بعدي ولكنه لم يأت بالطفل الذي حلم به.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك