حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

من أجل سراب خسرت كل شيء

نظراته تحاصرني.. أشعر بحرارتها تلسعني.. رنة صوته تدوي في مسامعي وتزلزل كل توازني.. أعنف نفسي وأوبخها.. أتشاجر وأتعارك معها.. ليس من حقي التفكير به أو أن أشغل به نفسي، لكنه هو الذي اقتحم حياتي وزلزل كل توازني.. كنت سعيدة بحياتي مع زوجي، أو هذا ما كنت أحس لحظتها.. زوج تقليدي حياته هي وظيفته وديوانيته وأمه التي يزورها كل يوم.. إنسان هادئ، مسالم لا يكاد يسمع صوته، حتى إذا غضب غاص في صمته فلا نقاش حاد ولا شجار، كنت أحسب أنني أعيش حياة سعيدة.

تزوجت من زوج محترم ليس عصيبا كزوج شقيقتي، ولا صارما مثل شقيقي يمنع زوجته من كل شيء.. كانت شقيقاتي وصديقاتي يحسدنني عليه لأنه لا يمنعني عن أي شيء أو أي يعترض على أي شيء، حتى اقتحم هو حياتي ليعيد تركيب كل شيء. لتأخذ الأشياء مسميات وأوصاف أخرى، فلم تعد الأشياء هي الأشياء، ولم تعد الصورة كما كنت أراها.

كان وسيما بصورة ملفتة، لفت نظري بطوله وابتسامته الغامضة وهو يتمشى في مطار هيثرو؛ حتى وجدت زوجي يقترب منه ويكلمه بحماس، ثم جاء ليأخذني كي يعرفني عليه، زميل دراسته الذي قاسمه ذكريات الثانوية والجامعة.. ابتسم لي ابتسامته الساحرة ذاتها وصافحني وأنا أشعر بذبذبات غريبة تتسلل لي من أصابع يديه صافحني ومضى.

كنا نمضي ساعات الترانزيت هناك، وحين أعلن عن تأخر طائرتنا لساعة أخرى اقترب هو منا ليدعونا لتناول قهوة معه.. ذهبت مع زوجي كالمسحورة إليه.. يحكي حكاياته الجميلة بحماسة ومرح لينثر شيئا من الفرح والسعادة في فضاءات روحي.. بدا زوجي ضئيلا بجانبه، يشاركه بكلمات مبتورة وبضحكات ساذجة.

فلا يعرف هو كيف يدير حوارا وهو الذي يتخذ من الصمت رفيقا دائما له، سألني عن دراستي وعملي أراد أن ينفض شيئا من الصمت الذي كان يلفنا، وكأنه نقل جزء من حماسه لي، فوجدت نفسي أحدثه بعفوية شديدة عن دراستي وعن المواقف الطريفة؛ التي أصادفها مع العملاء في البنك الذي أعمل به.

وتتشابك حواراتنا وزوجي قابع في صمته حتى أعلن عن موعد إقلاع طائرتنا.. مسني لحظتها شيء من الأسى لأنني سأفارقه ولكن سرعان ما وبخت نفسي عليها، ومضيت مع زوجي وأنا أحاول أن أوقف صدى كلماته التي ظلت ترن في أذني.

عدت إلى بيتي وعملي وروتين حياتي وظلت صورته ترافقني.. أحاول عبثا أن أفر منها، حتى تفاجأت به واقفا أمامي بمكتبي..

أربكتني المفاجأة وسألته بذعر:

اشيايبك هني؟

بابتسامته الساحرة قال إنه جاء ليفتح حسابا في فرع البنك الذي أعمل به، ويريدني أن أشرح له الخطوات والأوراق المطلوبة، عرف لحظتها أنها مجرد حجة كي يراني، ومع هذا تظاهرت بالتجاهل وصرت أشرح له كل شيء بصورة رسمية وعملية.

شكرني وغادرني ليترك لي ارتباكي وذهولي، لم أخبر زوجي بحضوره للبنك ذلك اليوم، شعرت بأن الأمر قد يثير تساؤلاته، وفكرت بأنه حين يأتي مرة أخرى سأصده وسأطلب منه أن يكف عن مطاردتي.

جاء مرة أخرى فتبخرت كل الكلمات التي أعددتها له، وفتحت له الحساب الذي شعرت بأنها مجرد حجة للتقرب مني. أخذ رقم هاتفي كأي عميل واتصل بي ليبدي لي أعجابه وتعلقه بي.

رغم المشاعر العذبة التي تسللت إلي ذلك اليوم فإنني شعرت بالخوف والذعر يحاصرني ويشتت تفكيري.. تسلل هو إلى حياتي ليغير كل شيء فيها صار هو لي كل شيء.. أعيش على أحاديثه الحلوة ومسجاته التي أتلقاها بلهفة كل يوم.. أشركه في تفاصيل حياتي وأقاسمه فرحي وحزني، وأذوب بكلمات الحب التي يسمعها لي فأشعر بأن الكون يتلاشى أمامي فلاشيء سواه.

لم أعد أطيق زوجي، فجأة تجسدت عيوبه كلها أمام عيني، أصبحت أكره صمته والملل الذي يسربه لي، صار حلمي أن أتطلق وـتزوج من زميله، الرجل الذي يصطخب مرحا ويشعل الفرح حولي.

أتناول حبوب منع الحمل حتى لا أتورط بطفل من زوجي.. فلم أعد أرى نفسي زوجة له، فكأني مع ذلك الإنسان الذي وجدت نفسي معه.

صممت على طلب الطلاق، أمام ذهول زوجي وذهبت إلى بيت أهلي لأتصل به لأخبره بقرب طلاقي، كنت أنتظر منه أن يقول لي بأنها أسعد لحظة بحياته، وبأنه ينتظر شهور العدة ويأتي للتقدم لي،، ولكنه فأجأني بخبر خطبته.. ابتلعني ذهولي ولم أعرف بما أرد.

كنت أحسبه يحبني ويحلم بالزواج مني، ولم أتخيله لحظة يتزوج من امرأة غيري بكيت رغما عني.. ولكنني لم أستطع أن أتحمل صدمة خطوبته.. كنت أرغب في أن أخرب تلك الخطوبة بأي طريقة.

عرفت اسم الخطيبة واتصلت بها فأخبرها دون أن أذكر أسمي بأني حبيبة خطيبها وسأظل حبيبته، وأنه لن يستغني عني عرفت بفسخ خطوبته فأتصلت به كان حزينا، لم تعطه خطيبته أي تفسير لفسخ الخطوبة.

أخفت عنه فلم تعطه الخطيبة أي تفسير لرغبتها بفسخ الخطوبة.. أخفت عنه أمر المكالمة وآثرت أن تنسحب بهدوء، ولكن ما هي إلا شهور حتى قال إنه تقدم لفتاة أخرى، شعرت بالغضب والغيظ

لماذا يفكر بالزواج من أخرى، ويتركني أنا الإنسانة التي تحبه كل هذا الحب.

اتصلت بها لأخرب الخطبة كما فعلت بالمرة الأولى.. ولكنها لم تكن كالمرة التي قبلها، أخبرته الخطيبة بكل شيء وأخبرته بالرقم الذي اتصلت به فعرف أنها أنا.. كانت ردة فعله فوق كل توقعاتي، حيث جاءني مكتبي في البنك وصار يصرخ ويهدد في البنك أمام الموظفين والمراجعين.

بدوت أمامهم كلهم امرأة رخيصة تلهث وراء رجل ليس لها، كنت أعيش حياة هادئة مع زوجي حتى أقتحمها هو وأفقدها توازنها.. أنا التي جريت وراء سراب وأوهام صورها هو لي.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك