حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

بقلم آمنة الغنيم امرأة لا تصلح للحب

تلتقي عيناي به فيرتجف كل ما بي.. أشعر بفراشات الفرح تحوم فوق رأسي.

أسمعه يتحدث مع أبي ويمازح شقيقي.. أسمع ضحكاته تدوي في زوايا المكان فتنبت زهور الفرح بصدري.

أغلق عيني على صورته أتمنى لو تتجمد الثواني ويتوقف الزمن فلا تمضي عقارب الساعة فيغادرني هو ويسحب معه ألوان الفرح.

ولكن الساعات تمضي فنقف لنودع جدتي ويودعنا هو قريبي الذي يدرس في أمريكا.

أرتبك حين يودعني أخاف لو شعر بالمخبوء بعيني، بمشاعري التي أحملها له.. ولكنه لا يكاد يشعر بوجودي.

في طريقنا للعودة إلى البيت أغوص في أفكاري.. طنين ثرثرة أمي وأبي تدوي في مسامعي.

أغيب أنا عنها وأفكر في سفره وأتساءل بلهفة متى ستكون زيارته القادمة وهل سأراه قريبا؟!

لم أكن أرى سواه.

كنت أشعر بنظرات الإعجاب تحيط بي في كل مكان بمحاولة الزملاء للتقرب مني ولكني كنت أقابل كل محاولاتهم بالصدود.

تحكي لي أمي عن صديقتها التي تريدني لابنها، وللمرأة التي اتصلت لتخطبني لابنها ولكني أرد دائماً بالرفض متحججة بالدراسة.

في بيت جدتي سمعت برغبة أهله لزيارته ليمضون إجازة الصيف معه.

لم يمضِ أسبوع حتى تفاجئنا بعودة أهله!

حاصرتهم نظرات الدهشة والسؤال الذي لا يكف على ألسنة الناس:

“ليش رجعتوا؟”

“ما مداكم تقعدون هناك؟!”

وكانت الإجابات الخجولة تنسل من شفاههم بتردد:

“ملينا”.

“ما استانسنا هناك”!

لكن الأغرب هو عودة ابنهم وراءهم!

حتى سمعتهم يتحدثون عن رغبتهم بتزويجه لتكون له زوجة هناك ترعى مصالحه وتؤنس وحشته.

كدت أطير فرحا حين أخبرتني أمي بتقدمه لخطبتي.

صرت أبكي وأضحك.. بدوت كالمجنونة لأفضح كل مشاعري المخبوءة.

تمت الخطوبة وعقد القران والزواج خلال أسابيع.

أوقفت قيدي بالجامعة وسافرت معه إلى مدينته الجميلة.

كنت سعيدة بقربه وحتى وإن بدا هو غارقا في صمته.

كنت أسمع الناس هناك في الفنادق والمحلات يرددون على مسامعه:

“زوجتك رائعة الجمال”!

يطرون جمالي ويسألونني عن البلد التي جئت منها ولكنه لم يكن يبدو مكترثا لكل هذا.

كانت تجتاحني رغبة لأن أجعل منه زوجا سعيدا.

أعدت ترتيب بيته وامتزجت رائحة البخور والطيب بأنفاس البيت.

تفننت في طبخ المجبوس والمرقوق كلها لتثير الدفء في أجواء البيت ولكنه كان يبدو لي دائماً غائبا عني.

حتى حين أحاول أن أسأله عن يومه في الجامعة أحاول أن أفتح حوارا معه كان يثور بي:

“أنتِ ما تملين من الكلام”.

أبتلع بقايا كلماتي وأصمت.

كنت أقنع نفسي بأننا نحتاج إلى فترة من الوقت لنعتاد طبائع بعض.

ولكن أين ذلك الوقت إذا ما كان يمضي كل وقته بعيدا عني متعللا بمحاضراته وأبحاثه.

حتى في عطلة نهاية الأسبوع التي أنتظرها بلهفة ليبلغني هو برغبته للسفر للقاء أحد أصدقائه بولاية أخرى ليترك لي الخيبة تملأ سماءاتي بألوانها القاتمة.

حتى التقيتها في المصعد.

كانت تحمل سمرة بلدي تحمل بيديها طفلها الغافي على صدرها.

عرفت أنها تسكن العمارة نفسها وأنها كانت تمضي إجازة قصيرة في بلدها الخليجي، وأنها عادت منذ يومين فقط. كان زوجها زميل زوجي في الكلية نفسها.

فرحت أنا بها واحتوتني هي باهتمامها لتبدأ صداقتنا.

حين عاد زوجي أخبرته بلهفة عن جارتي التي تعرفت عليها لأتفاجأ ببروده وكأن حياتي شيء مفصول عنه.

صارت صداقتي بجارتي تنفض عني شيئا من تراب الوحشة.

تعمقت علاقتي بها حتى صارت تدحرج لي بعض المعلومات التي أجهلها عن زوجي.

قالت لي إنه كان على علاقة بامرأة أمريكية، وإن أهله حين جاءوا اكتشفوا علاقته بها وقطعوا إجازتهم وعادوا ولكنه ذهب وراءهم ليستسمحهم.

صرت أسمعها وأنا ذاهلة.. أهذا كان سبب عودتهم المفاجئة ورغبتهم السريعة لتزويجه؟!

قالت لي إنهم فرحوا بزواجه وبعده عن تلك التي كانت ستفسد حياته.

عدت إلى البيت وأنا أتساءل ترى هل حقا بعد عنها أم أنه ما زال مشغولا بها؟!

بدت كلمات جارتي تزيل شيئا من الغموض الذي يلفه صمته وتجهمه وغيابه عني.

حاولت أن أنفض عني تلك الأفكار وأعد نفسي لاستقباله ككل مرة.. ولكنه يبدو في عالمه بعيدا عني.

ازدادت حدة عصبيته.. أشعر به يفتعل أي شيء ليثير شجارا معي.

“مالح”.

يصرخ على الأكل ويدفع بطبقه بعصبية ويندفع خارجا ليتركني لدموعي.

يثور إذا لم يجد أحد قمصانه.. أحاول أن أعتذر له بأنني غسلته وسأذهب لكيه بسرعة له.

يردد:

“خلاص ما أبي”.

يشعرني بتقصيري ولا يهتم بالمجهود الذي أبذله من أجله.

كنت أنظف الخزائن حين عثرت على هدية ملفوفة لفة راقية.

فرحت بها!

كان يوم ميلادي بعد أيام ولم أكن أعلم أنه يعرف بيوم ميلادي ويعد مفاجأة لي.

في ذلك اليوم لم أشعره بأنني أعرف شيئا عن مفاجئتي تجملت وجهزت ثوبي.. فكرت بأنه سيدعوني لنتعشى خارج البيت.

صرت أرقبه وهو يستحم ويبدل ثيابه وأنا أنتظره يفجر المفاجأة ولكنه قال لي:

“معزوم مع الربع”!

“نامي لا تنطريني”!

خرج ليترك لي الحيرة تزيد من عتمة ليلي وغصة حارقة بحلقي.

لم تكن الهدية لي كما لم يكن هو أبدا لي.

أمضيت ليلة مرهقة مبللة بأحزاني.

فجأة بدأت الأوجاع تقتحمني بعنف.. آلام أكبر من قدرة احتمالي.

حاولت الاتصال به ولكنه لم يكن يرد.

اتصلت بجارتي التي جاءت لتأخذني إلى المستشفى.

تركت طفلها لجارتها وجاءت مع زوجها لتحملني إلى المستشفى.

كنت غارقة في أوجاعي حين سمعتها تتهم زوجي مرددة بأنه لا إحساس له يترك زوجته وحدها كل مرة ويمضي وقته مع امرأة أخرى.

كان زوجها يحاول إخراسها بينما هي تندفع في اتهام زوجي.

شعرت وكأنني أعيش كابوسا بشعا.. كان يخونني كل يوم وأنا أبحث لكل تصرفاته عن المبررات والأعذار.

لم أكن أدرك وقتها بأنني حامل حتى تفاجأت بالطبيب يقول بأنها حالة إجهاض.

بكيت وقتها.. مات طفلي بسبب حزني وألمي.

نزفت كثيرا يومها وبقيت معي جارتي حتى صباح اليوم التالي.

فتحت عيني لأراها قربي وزوجي لم يظهر بعد.

لحظتها شعرت بنفور كبير منه وأن كل المشاعر التي كنت أحملها له يوما تلاشت في لحظة واحدة.

قررت أنني لن أعود إليه.

طلبت منها أن تذهب لتلملم حاجياتي.. لم تكن لدي أي رغبة في أن أراه.. أخذتني إلى شقتها وحجزت لي تذكرة عودة وسافرت بعد أن طويت ورائي فصول قصتي معه.

لم أكن أريد منه سوى ورقة طلاقي.

بعد شهور ظهر بحياتي من جديد.. جاء بوجه أسقط الحزن ظلاله عليه مبدياً ندمه ورغبته بأن أعود إليه.. قال لي إنه يحبني ولا يستطيع أن يحيا بدوني وإنه لم يدرك هذا إلا حين خرجت من حياته.

لم أخبره أن إدراكه هذا جاء متأخراً.. فلم تتبق لي أي مشاعر له.. فقد مات قلبي وأصبحت امرأة غير صالحة للحب.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك