حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمزوج شقيقتي.. لن أتزوجه 

يأتي فيتلون كل شيء حولي.

تصبح لكل الأشياء معنى وبهجة.

أفرح بحضوره الجميل. يأتي ليمضي ساعاته مع شقيقي الذي قاسمه كل سنوات طفولته.

أحببته وأحببت كل شيء فيه وسامته ومرحه والضحكات التي يفجرها حوله.

أحببته منذ كنت طفلة وكبرت وكبرت مشاعري معي.

كان فارسي وحلمي الذي أنام كل يوم عليه.

كان كل الأغاني وكل أبطال الأفلام الرومانسية.

يراني طفلة وأراه أنا كل الرجال.. يمازحني هو وشقيقي. يحاولان أن يثيرا غيظي، أتجادل معه كطفلة متمردة وتتفجر ضحكاتنا معا ولا يعرف هو أن تلك الطفلة كبرت وأن بداخلها قلبا ينبض بحبه.

في آخر يوم لي في المدرسة وبعد أن عدت فرحة بتخرجي من الثانوية اتصلت أمه تطلب أمي.. ناديت أمي التي جاءت والسؤال يقفز من كل ملامح وجهها.

وقفت أنا قربها تنتفخ بالونة فضولي وتتراكض أسئلتي، أود أن أعرف سبب اتصالها.

سمعت أمي تقول لها بفرحة:

“هذي الساعة المباركة وولدكم ولدنا وما راح نلاقي أحسن منه”.

تجمدت لحظات لا أكاد أصدق أذني..

هل حقاً تحقق حلمي؟

هل شعر بلهفتي وحبي وعرف أنه كل حلمي وجاء ليخطبني؟

عدت لأسترق السمع لأمي التي صارت تحكي عن علاقاتنا بهم وأنسابنا معهم.

كانت كلمات كلها تبهج، فلا شيء يمكن أن يقف في طريق أحلامي.

آخر كلمة قالتها أمي قبل أن تنهي المكالمة.

“أشاور البنت وأبوها وأرد عليج”.

حاولت أن أخفي ابتسامة الفرح التي أصرت على أن تتقافز بوجهي. ولكن كان كل شيء بي يتراقص فرحا.

التفتت أمي نحوي، أنتظرها تحكي لتفاجئني بسؤالها

“وين أختج؟”

أرد بدهشة..

“في دارها”..

تتركني وتتجه نحو غرفة شقيقتي.

أتبعها وأنا حائرة.. أدخل وراءها فأسمعها تحكي لشقيقتي عن تقدم صديق شقيقي لخطبتها.

شعرت بالعالم كله يتهاوى فوق رأسي.. جاء ليخطب شقيقتي، كانت تكبرني بعامين ولكنها كانت دائماً غارقة في خجلها. تختبئ حين يأتي في غرفتها وتضطرب حين تتصادف معه فجأة.

ماذا يعرف هو عنها ليتقدم لخطبتها؟ وماذا يمثل هو لها لتكون هي له؟

كنت أرغب في أن أعرف ردة فعلها، هل سترقص فرحا مثلي، هل ستشعر أن للدنيا ألوانا أخرى.

هل ستحس بما أحس به لو جاء هو لخطبتي.

كانت ردودها باردة لا تبدو متحمسة له. تحاول أمي أن تبين لها مزاياه، خريج وابن عائلة وفوق كل هذا نعرفه ونعرف كل شيء عنه.

ليلتها لم أنم، تسرب الحزن إلي ونسجت الكآبة خيوطها حولي.

لا أستطيع أن أتخيله زوجا لأختي، هذا الذي حلمت به يقاسمني كل حياتي.

 كرهت كل مظاهر الفرح وتفاصيلها التي امتلأ بها بيتنا.

لا أستطيع أن أستمع كل يوم عن ترتيبات الفرح. عن الكوشة وفستان الفرح وعن البطاقات والمدعوين.

لا أطيق أن أتحمل حضوره في المساءات ليقابل شقيقتي. تتزين وتلبس أجمل ثيابها له وتنزل لتمضي ساعات معه.

قررت لحظتها أن أقدم على بعثة دراسية خارج الكويت لأفر من كل شيء.

كنت أرغب أن أبعد بعيدا عن الأجواء التي صارت تخنقني بسمومها.

قررت أن أتابع دراستي في أمريكا لأكون بعيدة عنه وعن شقيقتي وعن عريسها وعن يوم الفرح.

قدمت أوراقي وتم قبولي وذهبت لأبلغ أمي بقبولي.

حزنت شقيقتي. قالت إنها تريدني أن أكون معها في أيامها هذه وأن أساعدها للأعداد للفرح.

أمي تساءلت..

“وعرس أختج؟”..

رددت كاذبة..

“أكيد بحضر عرسها”..

قالوا لي إن الفرح سيكون في إجازة رأس السنة القادمة حتى أستطيع  أن أحضر حفلة عرسها.

هززت رأسي وصرت أعد نفسي لسفري.

سافرت وأنا أحاول أن أقتلع صورته وضحكات شقيقتي وابتسامته كلها من ذاكرتي.

ولكن الغربة كانت تزيد من وهج ذاكرتي وتملأني صورها بالوحشة.

اقترب يوم زفاف شقيقتي. أوصلتني أمي لتعرف موعد وصولي وقبل يوم من الفرح اتصلت لأخبرهم بأنني أضعت جوازي.

حزنت شقيقتي على غيابي. تمنت لو أنها أجلت الفرح ولكن لم يكن من الممكن بعد أن أعد كل شيء.

بعد حفل الزفاف سافرت شقيقتي وعريسها لتمضي إجازة شهر العسل في أمريكا. اتصلت بي من هناك وأصرت أن تأتي هي معه ليلتقيا بي في مدينتي، ولكنني تحججت بأنني سأسافر إلى الكويت.

سافرت وعدت قبل أن تعود هي، وكأنني أهرب من أي شيء يتعلق بهما.

أبلغتني أمي بخبر حملها. حاولت جاهدة أن أحشد كل الفرح في صوتي لأطرد خيوط الحزن التي تسربت إلي.

ولم أسافر لأحضر ولادة طفلها كما تمنت وكما صارت تلح علي. صرت أتحجج لها بدراستي وامتحاناتي والكورس الصيفي الذي سيأخذ كل وقتي.

بعد شهور من ولادتها اتصلت أمي وبنبرات باكية قالت لي بأن شقيقتي مريضة.

لم أفهم بكاءها وحزنها حتى فجرت لي الخبر.

بعد ولادة شقيقتي تم اكتشاف إصابتها بالسرطان وظلت تتعالج منه منذ تلك اللحظة، ولكن المرض تم اكتشافه متأخرا والمرض كان قد انتشر بشراسة في جسدها.

طارت لحظتها كل مشاعر الغيرة والغضب التي كانت تسكنني ليحل مكانها حزن وجزع على شقيقتي الوحيدة التي قاسمتني كل سنين عمري.

“ليش ما قلتولي؟”..

تساءلت بألم، فردت بالإجابة التي فجرت كل دموعي..

“ما رضيت نقولج”..

“خافت تشغلج عن دراستج”..

شعرت لحظتها بتفاهتي وعجزي.

حرمتها من أحلى لحظاتها ومن وجود شقيقتها إلى جانبها في يوم عمرها من أجل غيرة مجنونة ومشاعر لا أساس لها وهي رغم كل معاناتها تخفي عني مرضها كي لا تحملني همها.

حجزت على أقرب طائرة وسافرت إليها في فرنسا حيث تتعالج هناك.

شعرت بالهلع وأنا أرى شقيقتي الجميلة تتحول إلى شبح إنسان وزوجها الذي كان يوما حلمي يصبح كتلة من الحزن.

مضت أيام حزينة قاسية أتمنى كل ليلة أن أفيق اليوم التالي وأعرف أن المرض قد غادر جسدها، وأن ألوانا عادت لتسكن وجهها ومظاهر الحياة ردت إليها، ولكن كان كل يوم يأتي أسوأ من ا الذي قبله.

توفيت شقيقتي.

رحلت قبل أن أقول لها كم هي رائعة وكم أحبها وكم كنت أنا تافهة ومجرمة لأنني ضيعت أجمل لحظاتنا وأجمل أيام عمرنا ولم نعشها معا.

وحتى بعد سنوات من وفاتها وبعد إلحاح أسرتي بأن أقبل بزوجها عريسا لي لم أقبل.

يحاولون أن يقنعوني بأنهم لن يجدوا لطفلها زوجة أب تحبه مثلي، ولكن لم أكن أنا قادرة على الزواج به.

لا أستطيع أن أنسى أنه كان السبب ببعدي عن شقيقتي بمشاعري المجنونة التي كنت أحملها له، ولا أستطيع أنا أن أسامح نفسي على كل ما فعلته معها.

اخترنا لك