حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

بقلم آمنة الغنيمليته ظل ذكرى

أنتظر في غرفة السكرتارية بانتظار أن ينتهي المدير من اجتماعه.

أراجع أوراقي في الملف، أتأكد من وجود كافة مستنداتي.

أطل في ساعة يدي و أتململ في مقعدي.

سنوات غبتها بعيدا عن بلدي لآتي بشهادة ماجستير تليق بي وبالوظيفة التي حلمت بها في هذا المكان الذي كان كل حلمي.

سنوات وأنا بعيدة عن أهلي وعالمي الذي أحب وغارقة في غربتي و لياليها الموحشة.

لم تكن دراستي والماجستير هما سبب سفري وتغربي الأول،  فقد فررت أنا هاربة من كل شيء يذكرني به وبتجربتي معه.

أفيق على صوت السكرتيرة تعلن عن انتهاء الاجتماع. تقف لتقودني لغرفة المدير. تطرق الباب وتفتحه لأدخل أنا و ابتسامتي التي تتجمد حين تتلاقي عيناي به.

هو نفسه الإنسان الوحيد الذي أحببت.

زميلي بالجامعة والذي نسجت بيني وبينه قصة حب رائعة.

سنوات وهو يقاسمني كل لحظات حزني وفرحي. ويشاركني كل تفاصيل حياتي.

سنوات وأنا أنتظره يأتي ليتقدم لخطبتي لتنتهي قصة حبنا نهاية حلوة كنهايات الأفلام السعيدة.

أنتظره يتخرج ويتوظف ثم أنتظره ليفاتح أسرته برغبته التقدم لي.

زواجه مني لم يكن أمرا سهلا. فمن الصعب لعائلته العريقة أن تتناسب مع عائلتنا ذات الأصول المتواضعة.

ولكن كان بداخلنا أمل كبير أننا بحبنا ومشاعرنا الجميلة اللي نمت بيننا ستذوب كل الفوارق التي بيننا.

وأنه سيتحدى العالم كله من أجلي.

ولكنه لم يستطع الوقوف بوجه عائلته وثورة أمه حين علمت بأمرنا.

خافت أن يصمم ابنها على موقفه ويتزوج مني، فقررت أن تزوجه من ابنة أختها لتورطه بزواج ينسى فيه كل شيء.

أذكر اللحظة التي جاء لينهي بها كل شيء.

أذكر رصاص كلامه والوجع الذي شعرت به لحظتها والليالي المملوءة بكوابيسها التي تلتها.

ببساطه شديدة قال لن نستطيع أن نتزوج، أهلي لم يوافقوا على زواجنا.

يومها لم أنطق وانسابت دموعي بهدوء على وجهي.

لم يخبرني انه سيتزوج ولكن صوره بالجرائد المحلية قالت كل شيء.

كرهت أنا نفسي وحياتي من حولي وقررت أن أفر من كل شيء وأسافر.

لم أعرف أنني مسكونة فيه وبذكرياتي التي لم تتركني لحظة واحدة. وأن كل نهاراتي ومساءاتي ستكون مسكونة بذكراه وكل اللحظات الجميلة التي غادرتني.

قفزت ابتسامته التي أحببتها إلى وجهه وردد بفرح..

– أنت؟!

هززت رأسي مدافعة..

– ما كنت أدري إنك المدير..

دعاني إلى الجلوس وجلس وراء مقعده . سقطت عيناي على صورته مع زوجته وطفليه . انتبه لنظراتي و تساءل

– تزوجت؟

كالصفعة سقط سؤاله علي والدبلة الفضية تتلامع بأصابعه.. تطلع لي لسانها.

قال إنه سعيد لأنه رآني وأن أعتبر نفسي توظفت في الشركة من هذه اللحظة.

لم أعرف لحظتها هل أضحك أم أحزن لأني سأكون محاصرة به وبقربه وأنا أدرك تماماً انه لم يعد لي.

تعينت بالشركة وصرت أراه كل يوم وأشعر بضربات قلبي ذاتها التي كنت أشعر بها حين أراه ورجفة الفرح ذاتها حين يتحدث.

يأتيني مكتبي كل يوم يفتعل أشياء لا أساس لها لكي يراني. يستدعيني ليسألني أسئلة ساذجة،  تكاد تفجر ضحكي.

أعرف أنني ما زلت أسكنه وأن مشاعر الحب الجميلة لم تغادره.

حتى فاجأني برغبته التقدم لي!

سألته..

– وأهلك؟ وزوجتك؟

قال لي إنه لا يستطيع أن يعيش من دوني وأنه لن يفلت سعادته مرة أخرى بعد أن عثر عليها مرة ثانية معي.

جاء ليتقدم لي وحده دون أن يصطحب أحدا من أهله.

فرحت به. شعرت أنني أخيرا سأحقق حلمي و سيجمعني بيت معه.

وتفاجأت بأنه يريد لزواجنا أن يكون سريا. من وراء أهله ودون علم زوجته.

رغم ذلك وافقت ومارست ضغوطا كثيرة على أهلي ليقبلوا به.  لم يفهم أهلي كيف أقبل أنا الفتاة الجميلة أن أعيش مع نصف زوج حياة سرية بعيدا عن الأنظار.

تزوجته لأعيش في شقة صغيرة قريبة من بيتي أهلي. يأتيني خلسة لأعيش معه لحظات مسروقة من الزمن.

كنت سعيدة باللحظات التي يأتيني بها وأعيش عليها بقية يومي.

في الشركة نتعامل كزميلين لنخفي حقيقة العلاقة التي بيننا.

كنت راضية بحياتي تلك، رغم حرماني من أبسط حقوقي.

فلا أنا قادرة علي الخروج معه ولا الظهور معه في أي مكان حتى لا يعلم أحد بأمر زواجنا.

حتى طفلي الذي حلمت به منه منعني من أن أحمل به .

كان يوعدني بأن كل شيء سيتغير وأنه سيبلغ العالم بأمر زواجنا وأن كل ما أحتاجه شيء من الصبر.

وصبرت ولكن لا شيء تغير.

حتى سكنت في العمارة التي تسكن فيها إحدى قريباته التي عرفت بأمر زواجه السري وأبلغت والدته بكل شيء.

في ذلك اليوم انتظرته كثيرا و لم يأت. مضت أيام أتصل به ولا يرد.

حتى رن جرس بابي لأتفاجأ بقريبة تخبرني بألا أنتظر لأنه لن يأتي أبدا!

ذهلت من كلامها.

في البداية لم أصدقها، توقعتها جاءت بسموم كلامها لتجرحني. ولكنها جلست معي وحكت لي كل شيء.

قالت لي إن والدته عرفت بكل شيء وثارت ثورتها ومارست كل ضغوطها عليه، فلم يكن أمامه سوى الطلاق.

انسابت دموعي بصمت وهي تقول لي إنه أرسلها لتخبرني بأنه طلقني وإنه أنهى عقده مع الشقة ويطلب مني أن أحمل حقيبتي وأعود إلى بيت أهلي.

جبن من مواجهتي وطردني من حياته، دون كلمه واحدة.

خرجت أحمل خيبتي وجرحي.

ليته تركني مع ذكرياتي الجميلة التي كانت تسكنني. و ليته لم يرجع ليسمم ذاكرتي وليترك وراءه جروحا ستظل عالقة بذاكرتي..

صفحة جديدة 1

اخترنا لك