حكايات حقيقية

حكايات حقيقية – جريمة الشات – بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

أقرأ رسالته فأفرح رسالة مفرطة برومانسيتها، يعترف لي بها بحبه وبأنني أضفيت على حياته الخاوية معنى.. شعرت بغيمة من السعادة تحملني إلى سماوات مضيئة ومشرقة..

سنوات وأنا أعيش في عتمة بيتنا الكئيب.. حزن أمي وقسوة شقيقي..

قبل دخوله حياتي كان كل شيء حولي يثير حزني وألمي، توفي أبي بعد سنوات صارع فيها المرض فحطمت تلك السنوات أمي وأذهبت بنضارتها وسحقت روحها حتى جاء الموت ليقضي على كل ما بها

أضحت أمي إنسانة حزينة لا تغادر بيتها وغابت الضحكة والابتسامة عن وجهها وصار شقيقي الأكبر هو المسيطر على كل شيء داخل البيت..

تسلم ورث أبي وصار يتحكم بنا ماديا، يذلنا ليدفع لنا النقود التي نطلبها منه..

كان شقيقنا الوحيد وكنا نحن ثلاث بنات أنا أكبرهن، فأصبح هو يلعب دور الأب معنا.. وفي حين أبي كان رجلا متسامحا طيبا بينما شقيقي كان يتعامل بريبة معنا.. يشك في كل شيء ويثير شجارا معنا على أي شيء..

الخروج ممنوع إلا للضرورة القصوى، فالبنات المحترمات بنظره لا يبارحن البيت.

حتى حين نخرج للمستوصف لشراء أشياء ضرورية كان يحاسبنا على كل دقيقة تأخير.. يحاسبنا على لبسنا وضحكنا فنحاول نحن أن نتجنب إغضابه.. فغضبه يعني عاصفة من الصراخ والصفعات المؤلمة، لنشعر كل يوم بالكره له ولحياتنا معه..

حرمنا من أبسط الأشياء وأصبح الفرار من البيت هو حلمنا..

نحلم بالزوج الذي سيفر بنا من سجن أخي..

حين تزوج أخي فرحنا لفرحه.. وبزواجه قلنا سيلتهي بزوجته الجديدة وينشغل عنا فيفك قيدنا..

لكن لم يغير زواجه منه شيئا لينضم إلى قائمة الضحايا رقم آخر..

فصرنا نسمع صرخاته التي تنهال على عروسه الجديدة فنشعر بالشفقة عليها.. فكيف لها أن تمضي حياتها مع إنسان مثله؟!

قربت المأساة بيننا؛ فكلنا كنا نعاني من جبروت أخي وطغيانه..

وحين حملت طرنا جميعا فرحا بها وبحملها حتى شقيقي لأول مرة أراه بهذه الفرحة والرقة..

لكن ما هي إلا أيام حتى عاد إلى طبيعته وقسوته دون أن يراعي حتى ظروف حملها..

التحقت أنا بالجامعة ففرحت لأنني صرت أطير بسماوات أخرى بعيدا عن محيط البيت والمدرسة.. لكنه ظل يطاردني بقيوده

لم أكن أملك حق الاعتراض فاستسلمت لأوامره.. وبصعوبة شديدة أقنعته بشراء لاب توب لي لأستطيع استعماله في الدراسة وللأبحاث التي أطالب بها من أساتذتي بالجامعة..

حين اشتراه لي شعرت بأنني أغوص في عوالم جميلة رائعة..

صرت أدخل في المنتديات وصفحات الفيس بوك وأصبحت أتعرف على وجوه جديدة وأفكار جديدة.. شعرت وكأنني إنسانة أخرى غير هذه الإنسانة المنطوية التي خلقتها الظروف التي عشتها وحولتها قسوة أخي إلى إنسانة ضعيفة مهزوزة..

شعرت بأنني أخلق من جديد؛ إنسانة قوية تعبر عن رأيها بجرأة وثبات..

في إحدى غرف المحادثة عرفته.. كان معجبا بشخصيتي وأسلوبي فصار يتحاور معي فنتحدث على الإنترنت دون أن نشعر بالوقت

وبدت علاقتنا علاقة جميلة هادئة..

أبحث عنه في كل مرة أدخل فيها غرفة المحادثة.. وأطير فرحا حين أعثر عليه.. ويغوص قلبي حزنا حين يغيب..

حتى شعرت بمشاعر كبيرة تجرني نحوه.. أعجبتني أفكاره وطموحاته ورقته وحنانه.. قال لي إنه مهندس في إحدى الشركات وإنه يحب أن يبني نفسه بنفسه بعيدا عن شركات أبيه.. فازددت إعجابا به..

صارت الساعات تطول فأنسى نفسي معه.. أطالع الباب بخوف.. أخاف أن يأتي شقيقي بغتة فيضبطني متلبسة في التحاور معه فيفزع طيور فرحي ويسرق مني سعادتي.. لكن شقيقي كان لاهيا عنا.. فقد أتت له زوجته بطفل جميل فأخذته فرحته بعيدا عنا.. حتى صار أقل تجهما وأكثر تسامحا معنا..

انتقلت زوجته إلى بيت أهلها لتمضي فترة النفاس فصار يأخذنا معه كل يومين لزيارة طفله فنرى الفرحة تغمر وجهه.

أعود بعدها سريعا إلى غرفتي لأبحث عنه فأغيب في عالمه الجميل..

لم يرني ولم أره ورغم ذلك استطاع الحب أن يتسلل إلى قلوبنا فيلون حياتنا ويجعل لها مذاقا جميلا..

وحين اعترف بحبه لي قلت له: لكنك لم ترني ولم تسمع حتى صوتي!! فرد بأنه الحب الحقيقي الذي لا يعرف شكلا أو صوتا.. وافقته.. فأنا أيضا أحببته رغم أنني لم أره ولم أسمع حتى صوته.. كثيرا ما طلب مني أن أرسل إليه صورتي وأن أحادثه على الهاتف.. لكنني أذكر أخي فأصاب بالرعب..

مضت أيام جميلة رائعة.. لكني كثيرا ما كنت أفيق على سؤالي: ما آخر هذه العلاقة؟!

حتى صار يقول لي إنه يرغب في التقدم لي لكنه يريد أن يرى وجه الإنسانة التي سيتزوجها وأن يسمع صوتها.. أسكرتني كلماته.. شعرت بأنه الرجل الحلم الذي سيأخذني من سجن أخي..

أرسل لي رقمه على الإيميل الخاص بي.. اتصلت به وأنا أرتجف من فرط فرحتي.. لأفاجأ بصوت شقيقي الجاف يرد:

ها.. شتبين؟ ردي بسرعة ناطر مكالمة..

شعرت بالرعب وأغلقت الخط.. لم أستطع أن أستوعب ما حدث!! وما الذي ذهب بشقيقي إليه؟!، (كان هذا السؤال الغبي الذي تردد على ذهني لحظتها).. لكني عدت إلى رقم شقيقي المحفوظ في هاتفي النقال فكان هو الرقم ذاته؟.. ماذا يعني هذا؟! صرت أتساءل بحيرة؟

بسرعة كتبت له أرسل لي صورة لك.. أرسل صورته فكانت صورة أخي!!

الرجل الذي أحببت كل تلك الشهور.. وكان لي الفارس الذي سيفر بي من سجن أخي هو أخي نفسه..

أخي المتزوج والأب لطفل لم يبلغ ثلاثة أشهر بعد..

شعرت بالرعب وأغلقت حسابي وإيميلي وكل شيء يمكن أن يوصله لي..

وصرت أفكر في شقيقي المتجهم.. كيف استطاع أن يفجر كل تلك الرومانسية لحبيبته وزوجته لا ترى منه سوى تجهمه وصراخه؟!! ترى كم واحدة خدعها باسم الحب ورسم لها شخصية غير شخصيته وحياة غير حياته ليوقعها بشباكه؟!!

بكيت يومها حرقة.. بكيت لأنني خسرت الرجل الذي أحببته طوال تلك الشهور.. الذي عشت معه أحلى إحساس.. الذي جعل لكل شيء حولي لونا وطعما آخر..

شعرت بالكآبة تنسج خيوطها حولي والحزن يتسرب ليملأ كل خلاياي..

أما شقيقي فبدا أكثر تجهما وعصبية يتشاجر مع الكل ويضرب ويكسر والكل يحتار في سر ثورته وتعكر مزاجه وأنا فقط التي تفهم سبب تصرفه هذا..

فأنا على يقين بأنه يتساءل: أين اختفت حبيبته؟ وكيف غابت بمجرد ما رأت صورته؟!

Leave a Comment