حكايات حقيقية طلاقي أعاد كرامتي

يرن هاتفه فتتراقص عشرات الفراشات بصدري، أرد ليأتيني صوته الدافئ ليشعل قناديل الفرح في قلبي، ينساب حديثنا بهدوء، أغيب فيها ساعات عن الزمان والمكان، أفيق على صوت زوجي أو أحد أطفالي، فأنهي المكالمة سريعا، لأتذكر لحظتها أنني زوجة وأم وأنني أسرق لحظات ليست لي.

ألوم نفسي وأعنفها عشرات المرات:

«امرأة خائنة؟!» ذلك الوصف الذي أستحق.

أتساءل بحزن كيف جعلت من نفسي امرأة خائنة؟! وكيف أوصلت نفسي إلى ذلك؟!

كنت فتاة هادئة وحالمة أعشق الروايات والأفلام الرومانسية أحلم بفارس الأحلام الذي أعيش معه أدوار البطولة حتى رأيته للمرة الأولى، كانت أمي قد طلبت مني أن أذهب بطبق الحلو لصديقتها ولحظي كان هو من فتح الباب.

لم أعرف يومها أن ذلك المشوار سيغير كتابة تاريخي.. في الليلة ذاتها اتصلت أمه لتسأل عني قالت: إن ابنها أعجب بي ويرغب في التقدم لي، فرحت أمي بالخطوبة، وجاءت  لتفرحني قالت إن أمه امرأة طيبة وحنونة وستضعك في عينيها.

كان كل ما يهمني وقتها هو الرجل الذي سأتزوجه فلا تهمني أمه ولا طيبة قلبها، قيل لي عنه إنه شاب له علاقاته ومغامراته، أرعبني تاريخه وجعلني أتردد في الموافقة عليه، ولكن الكل سخر مني ومن مخاوفي: «كل شاب له ماضي فلماذا تحاسبينه على هذا الماضي؟ حياتك معه تبدأ بزواجك منه»… وكلمات كثيرة ظلوا يرددونها على مسامعي حتى وافقت عليه.

تزوجته ودخلت عالمه لأكتشف أن ماضيه سيظل معنا، شعرت بأنني كنت مجرد قطعة ديكور أراد بها أن يكمل بها صورته الاجتماعية، مجرد زوجة تأتي له بصغار يحملون اسمه. أما أنا كامرأة لها مشاعر وأحاسيس فلم أكن أعني له أي شيء، أعيش معه حياة باردة خاوية، أندهش من صمته ومن جفافه، كنت أحسبها جزءا من طبيعته وأحاول أن أفعل أي شيء لأغير من طبعه ولأجذبه نحوي، أبتكر طرقا وأساليب لجذب اهتمامه لي أغير من لبسي ومن تسريحه شعري، أجهز له عشاء رومانسيا على أضواء الشموع، أنتظره ساعات وساعات فيأتي ليسخر من شموعي وعشائي، ويذهب لينام دون أن يشعر بالساعات التي أمضيتها وأنا أنتظر لأمضي ليلتي باكية.

أدركت بعدها أن الجفاف الذي يظهره وحالة الصمت التي تنتابه هي معي أنا، أما مع غيري فيبدو آخر معهن.. عرفت أنه استمر بعلاقاته وحياته السابقة.. ضبطته أكثر من مرة يكلم إحداهن، أسمعه يضحك ويتكلم بمرح وأنا التي لا أكاد أرى ابتسامته.

أقرأ مسجاته ومسجاتهن على موبايله، وأذهل لقصائد العشق التي يرسلها لهن والكلمات المغرقة في رومانسيتها.

بكيت لأمي قلت لها كيف أعيش مع رجل مشاعره وأحاسيسه لغيري، كنت وقتها حاملا بطفلي الأول وأرغب بقوة أن أطلق منه، أنّبتني أمي.. قالت لي إنني سأصبح أما ومن الأنانية أن أفكر في الطلاق، وهناك طفلا لم ير النور بعد، قالت لي يا مجنونة أنت زوجته ومهما لف ودار سيرجع لك في النهاية.

أعود إلى حياتي معه التي أفقد فيها كل يوم شيئا من كرامتي ومن ثقتي بنفسي، ولم يغيره الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم وظل هو يعيش حياته مع غيري، كل همه كان مظهره، سيارته الجديدة وساعته وسفراته، أما أنا فعلي أن أتحمل كل شيء وحدي.

أعود من عملي مرهقة أدرس الأطفال وأشتري حاجات البيت وأتابع العمال، أما هو فيضيق بأي مسؤولية ويبقى هو الغائب الحاضر.. بعد طفلي الثالث ازداد هو بعدا عني ولم يعد يمارس حقوقه الزوجية، وازدادا بعدا وانفصالا عني يكبر أطفالي وهو بعيدا عنا؛ حتى حين انتقل ابني إلى المرحلة المتوسطة تركني أنا أتابع أموره وحدي، أراجع المدرسة والمدرسين وهو لا يكترث سوى بنزواته وعلاقاته؛ التي لم يعد يهتم حتى بإخفائها ليزيد من جرحي وألمي حتى التقيت ذلك الرجل مدرس ابني.. شيء فيه جعلني أنجذب نحوه نبرة الحنان التي تغلف كلماته، الدفء الذي يفيض به صوته، شيء ما جعلني أتعلق به.

طلب استدعاء ولي أمر ابني للتحدث معه بشأن تدني درجاته، فذهبت أنا بدلا من أبيه الذي يرفض أن يوجع رأسه بهموم أولاده ومدرستهم، وحين سألني عن أبيه وعن ضرورة تواجده وجدت نفسي أشكو من غيابه وإهماله لنا.

شيء ما نبت بيننا لحظتها، أعطاني رقمه النقال إذا ما رغبت في أن أستفسر عن مستوى ابني، وأخذ رقمي ليكلمني بما يستجد في دراسته،

اتصل ليلتها ليطمأن علي شعرت به يلملم وجعي وحزني، بدأت علاقتنا ليملأ فراغا كبيرا في روحي، بدأت أسترجع ثقتي بنفسي وأسترد ابتسامتي وفرحي، وهو صار كل شيء لي، أحدثه عن حزني وهمي وبكلماته الحانية يحتوي ألمي، يتحمل مسؤوليتي وكأنه زوجي الغائب عني، يقوم بإنجاز معاملاتي ويأخذ سيارتي للتصليح.

أشعر أحيانا بأنني أعيش معه حلما جميلا، وأحيانا أشعر بأنني أعيش كابوسا مرعبا، فماذا لو عرف زوجي بعلاقتي معه حتى فاجئني يوما بأنه سيتزوج! ذهلت تساءلت «وماذا عني أنا؟»

قال لي أنت لديك بيتك وأسرتك وأنا أيضا من حقي أن تكون لي أسرة وبيت.

في ليلة عرسه بكيت وكأنها خطفته مني، عرفت أنه طوى تلك الصفحة من حياته ليتركني من جديد للفراغ الذي تركه زوجي لي، لرائحة ثيابه الملطخة بآثار النساء ولهاتفه المليء برسائل حب لنساء غيري، لحظتها أفقت مما أنا به وقررت أن أتخذ القرار الذي كان من المفروض أن أتخذه منذ سنوات.

طلبت ورقة طلاقي وعدت إلى بيت أهلي.. تلك اللحظة فقط شعرت بأنني استعدت كرامتي وإنسانيتي التي أهدرتها حين قبلت بالاستمرار بحياتي معه.

اخترنا لك