حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

 حاربت من أجل أبي 

اندهشت من ثورة أبي وانفعاله:

“لا ما كو روحه”

تسأله أمي بدهشة وحيرة:

“ليش ما تروح؟!”

“كل البنات رايحيين يباركون لها”.

فجر بقية غضبه علي أمي ومضى تاركا عشرات علامات الاستفهام معلقة في سمائنا لتزيد من حيرتنا وذهولنا!

لا أفهم أنا موقفه!

كنت أود أن أذهب مع البنات لزيارة مدرسة مادة اللغة  العربية التي نحبها.

جمعنا نقودنا واشترينا لها هدية بمناسبة زواجها وقررنا زيارتها.

كنت متحمسة لتلك الزيارة، فقد كانت مدرستي التي أحبها والتي تفهمني وتستوعب حزني.

كلنا كنا نحبها..

كانت شيئا آخراً غير المدرسات الأخريات.. نشعر بها قريبة منا.. تشاركنا همنا وتقاسمنا أحزاننا.

بسببها أحببنا مادة اللغة العربية والشعر العباسي والبحتري والمعري..

كانت تجمعني أنا بها علاقة خاصة، فقد كنت مميزة في مادة العربي عن بقية زميلاتي، فقد كنت أعشق الأدب ولي محاولاتي في الكتابة.

وكانت هي تقرأ خواطري وأشعاري التي أخبئها عن الناس كلها.. وتوجهني وتقدم لي ملاحظاتها.

وحين رشحت لرحلة المتفوقات التي نظمتها المدرسة إلى البحرين ورفض أبي فكرة سفري.. هي الوحيدة التي استطاعت إقناعه.. أخذت رقم هاتفه مني وكلمته وتفاجأت أنا بموافقته السريعة!

سافرت هي معنا فقربت الرحلة بيننا أكثر.

ولا أستطيع اليوم أن أعثر علي تبرير واحد يفسر رفض أبي لزيارتي لها مع بقية زميلاتي.

اتصلت بزميلة لي أخبرتها بأنني مصابة ببرد يعيقني من الذهاب معهن طالبة منها أن تنقل تهنئتي وتحياتي لها.

أخذت هي إجازة زوجية طويلة افتقدتها كثيرا خلالها،

توترت العلاقة أثناءها بين أمي وأبي بلا سبب!

صار أبي كثير الغياب وصارت أمي كثيرة الشكوى.

تسللت كلمات جديدة إلى قاموس كلامهما، وتسلقت الحدة ونبرة التهديد صوتهما.. وصارت حياة البيت لا تطاق.

ألجأ إلى أوراقي وقلمي وأنثر أوجاعي في فضاءاتها.

حين عادت من الإجازة جريت نحوها بلهفة سعيدة بعودتها.. فهي الوحيدة التي تستوعب حزني وأوجاعي.

تفاجأت من برودها معي!

بدت مضطربة وفي عجلة من أمرها، وحين بدأت أحكي لها عن همومي وبيتنا الذي أصبح خانقا بسبب العواصف والأعاصير التي هبت على علاقة أمي وأبي..

أمي وأبي اللذان كانا مثالا لقصة حب لا تنتهي.. واللذان يربط التفاهم والصداقة بينهما.. تبخر كل هذا ليتحول بيتنا إلى كابوس أعيشه كل يوم.

تفاجأت بها تنفجر بي:

“حاولي تحلين مشاكلج بروحج”

“انتي مو ياهل!”

صفعتني كلماتها وتجمدت الكلمات على لساني..

تركتني ومضت وأنا غارقة في حزني وحيرتي.

أتساءل ما الذي فجر غضبها؟!

هل اتخذت مني موقفا لأنني لم آتي لتهنئتها..

مستحيل أن تكون بتلك التفاهة، مؤكد هناك شيء ما غيرها.. كانت البنات يتحدثن عن شقتها الصغيرة وعن ذوقها الرفيع.

أبدين ضيقهن لأنها لم تسمح لهن بالتقليب بألبوم الفرح بحجة أن الصور لم تظهر بعد..

حتى حين سألتها إحدي زميلاتي عن اسم زوجها ذكرت لها اسمه الأول فقط.. تاركة لهن لسعات فضولهن ومسدلة ستار الغموض على حياتها.

ابتعدت هي عني وكأنها تتجنبني وأنا لا أكاد أفهم موقفها معي.. حتى جاءتني صديقة لي لتهمس بأذني:

قالت لي إنها سمعت من قريبتها التي تعمل في المدرسة نفسها أن معلمتي العزيزة متزوجة من أبي!

نظرت إليها ذاهلة لا أكاد أصدق كلامها!

قلت لا مستحيل هي وأبي لا.. هذا آخر شيء ممكن أن أتخيله.

فجرت كل غضبي فيها.. قلت لها إنها تختلق أشياء لا أصل لها وبكيت.. بينما هي تحاول أن تهدئني وأسئلتها تلاحقني.. ألم تلاحظي إخفائها لألبوم صور فرحها وكتمان اسم زوجها الكامل؟! كانت تخاف أن نعرف بزواجها من أبيك فننقل لك الخبر.

قالت إن كل المدرسات يعلمن عن زواجها من والدك وكثيرات وبخنها وأنبنها على زواجها هذا ولكنها لم تكترث.

بدأت الأفكار تتراكض في رأسي..

ثورة أبي ورفضه لزيارتي لها مع زميلاتي..

تغيرها المفاجئ معي وتجنبها الغريب لي.. كل ذلك يؤكد كلام صديقتي.

تذكرت حين طلبت مني رقم أبي لتقنعه بسفري برحلة المتفوقات.. هل بدأت علاقتهما منذ تلك اللحظة.

ليتني لم أطلب منها مساعدتي يومها ورضيت برفضه..

كانت وفرت علينا كثيرا من الأحزان والآلام.

كرهتها وكرهت كل اللحظات التي كنت أحبها فيها.

شعرت بها إنسانة أخرى غير التي تبدو لنا به، سيدة المثل والأخلاق النبيلة.

فما هي سوى امرأة لا مبدأ لها.. تسرق زوجا من زوجته.. وتزلزل استقرار بيتها وهدوئها.

قررت لحظتها أن أحارب من أجل أن أسترجع أبي ولكي يعود الاستقرار إلى بيتنا من جديد.. ولتعود ابتسامة أمي..

لم أخبر أمي بأمر زواج أبي.. ولم أشعر أبي بأي شيء.

كنا نتناول غداءنا وكان أبي غارقا في صمته.

حين قلت موجهة كلامي لأمي:

أنا مصدومة من مدرستي!

التفتت أمي تستفسر مني!

صرت أروي حكاية مختلقة عنها.

قلت إنها رغم زواجها ما زالت تصر على علاقتها مع خطيبها السابق بينما زوجها المغفل لا يعلم بما يدور وراءه!

فجأة تقافز الدم إلى وجه أبي بينما أمي صارت تسأل بذهول:

معقولة؟!

قلت لها:

سمعتها صارت على كل لسان.. حتى البنات صرن يبتعدن عنها.

قفز أبي من مكانه فجأة وخرج وكلمات أمي تلاحقه

“اشفيك؟!”

“عسى ما شر؟!”

لم تمضِ أيام حتى سمعت بخبر طلاقها!

وعاد أبي الذي نعرفه بعد أن غاب شبحها عن حياتنا.

أحيانا أراها تسير في المدرسة وهي تبدو وكأنها تحمل أحزان العالم كله.. وأشعر بالأسى لما فعلته بها ولتشويه سمعتها أمام أبي.

ولكنني أعود لأقنع نفسي.. هي تستحق كل ما يجري لها.. فهي التي اخترقت حياتنا وعبثت باستقرارنا.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك