حكايات حقيقية – خسرته بأوهامي بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

رن هاتف زوجي.. لم تكن من عادتي التجسس على مكالماته أو رسائله الهاتفية، لكنه تركه في السيارة ونزل بسرعة ليستلم دشاديشه من الخياط.

كان اسم المتصلة يتراقص على شاشة الهاتف ليثير فضولي ويدفعني لأن أرد..

 سألتها بانزعاج:

«من معي؟»

بنبرات مضطربة قالت إنها زبونة وتريد زوجي بشيء خاص بالعمل.

لم أرتح لصوتها وظلت الوساوس والشكوك تنسج خيوطها حولي، وصرت أتساءل بحيرة ترى هل هي نفسها حب زوجي الأول أم أنها مجرد تشابه أسماء؟

هل فعلا كانت تريده بأمر خاص بعمله؟!

لم يكن زوجي المحامي يستقبل مكالمات من عميلاته كان كل شيء يتم عن طريق سكرتيرة مكتبه.

جاء زوجي.. جلس يشكو الخياط الذي لم ينهِ خياطة دشاديشه كما وعد.

كان يتذمر ويسخط وأنا أغوص في الذاكرة أفتش فيها عن هذا الاسم الذي ظهر بعد تلك السنوات.

قبل زواجنا كان زوجي مرتبطا عاطفيا بإحدى الفتيات..

كانت قصة حبهما معروفة للناس كلهم، حتى حين خطبت له لم يخفِ الناس معرفتهم لقصته.

وكنت أنا مثلهم جميعا أعرف بقصتهما، فلا شيء يُخبأ في بلدنا الصغير.

أعرف أنه كان زميلها في الجامعة حين كانا في باريس، كان هو يدرس الحقوق وكانت هي تدرس الأدب الفرنسي هناك.

أعرف أنها ابنة عائلة كبيرة وعريقة رفضت زواجها من شاب بسيط ومن أسرة لا تتناسب معهم اجتماعيا وماديا.

حاولت المستحيل لتتزوجه ولكن أسرتها أوصدت كل الأبواب بوجهها.

مارسوا عليها كل ضغوطهم لتوافق على الشاب المتقدم لها والذي يناسب عائلتهم لتطوى بزواجها قصة حبهما التي استمرت خمسة سنوات، وانتهت بفراقهما. يحكي الناس عن مرضه ودخوله المستشفى بعد أن عرف بزواجها.

كان ذلك يزيد من إعجابي به ويشعرني بأنه رجل رومانسي من الرجال النادرين في بلد رجالها يرون الحب ضعفا والكلمات الجميلة ترفا لا معنى له.

كانت أسرتي على قرابة بعيدة بأسرته، أراه أحيانا في تجمعات الأسرة الكبيرة وأشعر بإعجاب كبير به، وأتمنى الارتباط برجل مثله.

وحين تقدم للزواج مني فرحت به، شعرت بأنه صورة للبطل الذي نراه في الأفلام الرومانسية، لم أعرف أنه حين قرر أن يطوي قصة حبه ويتزوج كان قد قرر أن يودع الحياة الرومانسية والأحلام ليعيش الحياة الواقعية في الخطوبة.

حكي لي بنفسه عن قصة حبه، قال إنه يرغب أن يكون صريحا معي.

حكي لي عن علاقتهما التي نبتت فصولها في الغربة، وعن رفض أهلها وتأثره بفقدها، قال إنها أصبحت ماضي بالنسبة له، وأنه حكي لي كل شيء حتى لا تكون هناك أسئلة عالقة برأسي، وأنه سيتكلم بتلك القصة للمرة الأولى والأخيرة لأنه لا يرغب في أن يأخذ معه شيئا من ماضيه لحياته الجديدة.

أعجبني كلامه ومنطقه وأعجبتني صراحته.

كان يكبرني بعشر سنوات، وأنبهر دائما بكلامه ومنطقه، تزوجته لأكتشف فيه الزوج المثالي والرجل الشهم.

لم يكن رومانسيا معي لكنه كان رقيقا معي يشعرني كأنه أبي بحنانه ورعايته لي.

كنت سعيدة به، لكن دائما ما كان يطاردني شبحها حين يستمع إلى أغنية رومانسية أو يتابع مشهدا عاطفيا، أتساءل ترى هل يذكره بها؟

مرات كان يخطئ فيناديني باسمها يتأسف فلا أغضب، أفكر بأنها العادة التي جعلت لسانه يعتاد اسمها.

كان ذلك يثير فضولي للتعرف إليها، أسأل عن شكلها وطبائعها،

وحين أشاروا عليها في أحد الأفراح ورأيتها تتمايل راقصة بجمالها وأناقتها شعرت بلسعة غيرة، لكني بسرعة حاولت أن أنفضها عني.

فأنا الآن زوجته ولم يعد لها أي أثر بحياته، ولكن عاد شبحها ليرعبني من جديد.

أفقت من أفكاري على صوته يقول وصلنا، نزلت معه إلى البيت استقبلونا الصغار بضحكاتهم، كان الكلام كقطعة حجر أشعر بها محشورة في حلقي أكاد اختنق بها.

التفت نحوه وقلت بنبرة حاولت أن أخفي حزني وقلقي:

«تلفونك رن ورديت عليه».

«منو كان؟» تساءل ببساطة.

وقبل أن يقرأ الاسم على المكالمات سألته:

«أهي نفسها؟»

تمنيت أن يقول لي تشابه أسماء، وأن يسخر من وساوسي لكنه أجاب نعم.

نظرت إليه بذهول وسألته:

ماذا تريد هي بعد كل هذه السنوات؟!

قال إنها لجأت له كمحام.

فجأة شعرت بأن كل غيرتي وغضبي اللذين كانا غافيين كل تلك السنوات استيقظا فجأة.

تدافعت الكلمات كالرشاش من فمي:

«ما لقت محامي غيرك ولا حنت للماضي».

نظر إليّ بلوم وعتب:

«هذا كلام عيب».

“اشفيها إذا لجأت لي، أنا على الأقل تعرفني وتثق فيني وتدري أني ما راح أضرها”.

وحين قال إنها جاءت ترفع قضية طلاق ضد زوجها جن جنوني. ولكنه صار يقنعني بأنها بالنسبة له مجرد ماضي، وأن حياته هي زوجته وأولاده، وأنها لم تجد مفرا من اللجوء إليه لأن الكل كان ضدها.

أسرتها كانت ضد القضايا والمحاكم ولكنها لم تجد طريقة تنهي بها حياتها القاسية سوى هذا الطريق.

أخذت نفسا عميقا وقلت له لا أمانع بأن تساعدها، حوّلها على أحد أصدقائك الذين تثق بهم، ولكن لا تمسك قضيتها.

رفض.. قال إنه من المستحيل أن يتخلى عن إنسانة لجأت إليه.

غضبت وخاصمته.. حاول مراضاتي قال إنني أضعه في موقف صعب، فهو لا يستطيع أن يزعلني ولا يستطيع أن يتخلى عن مبادئه، حصلت على طلاقتها وانتهى عمله معها ولكن شكوكي ظلت تطاردني.

كل مكالمة أحسبها منها.. يتأخر في الديوانية فأقول له لا تتعب نفسك في اختلاق الأعذار، أعرف أنك كنت معها فيضيق بي وبشكوكي.

وارتفعت لأول مرة أصوات شجارنا.. قررت بأنه يخونني معها وغرقت مع أحزاني.

شقيقاتي قلن لي اتركي البيت أنت والصغار، فلا شيء يمكن أن يغير موقفه إلا بعد أن يشعر أنه سيخسركم.. غادرت أنا والصغار.. جاء ليردني وقال إن كل ما أحمله في رأسي هو مجرد أوهام، ثرت به وشعرت بأنه مازال يستخف بعقلي وبناء على نصيحة شقيقاتي طلبت الطلاق لأرعبه.

قلت له إن كرامتي لا تسمح لي أن أعيش مع رجل خائن.

أقسم بألا علاقة بينه وبينها لكنني لم أصدقه.

مضت أسابيع وشهور لم يعد يسأل عني أو يمر ليردني..

حتى جاء ذلك اليوم بوجه غابت عنه الابتسامة.. قال لي إنه يريد أن يقول لي شيئا واحدا بأنه حين قسم لي أنه لم يكن يخونني معها، وأنه لم يعد لعلاقته بها كان صادقا معي.

ترك لي ورقة طلاقي وخرج لأنفجر في البكاء..

بعد أسابيع سمعت أنه تزوجها.. وعرفت متأخرا أنه كان صادقا معي وأنني التي دفعته إليها بعنادي وشكوكي، وإنني بغبائي خسرته إلى الأبد.

اخترنا لك