حكايات حقيقية – صديقتي..بقلم آمنة الغنيم

كانت أقرب الناس لي وأعز صديقاتي رغم اختلافنا وتباين أطباعنا إلا أن كانت هناك أشياء كثيرة تربط ما بيننا
منذ كنا طفلتين في المرحلة الابتدائية ونحن نتقاسم كل شيء معا. كنت الطفلة الهادئة المسالمة.. وكانت هي الطفلة الشقية العنيدة. كبرنا معا وانتقلنا إلى المرحلة الثانوية لتغادرنا ملامح الطفولة وبراءتها ولتجرنا المراهقة إلى عالمها الجديد.
بقيت أنا نفسي الطفلة التي كنتها ببراءتها وسذاجتها وتحولت هي إلى فتاة متمردة لا تعترف بأي قوانين أو حدود.
كنت أنا الفتاة الهادئة المسالمة وكانت هي الفتاة التي تصطخب مرحا وحيوية
كنت أستمد قوتي من وجودها قربي؛ فلا أحد في المدرسة يجرؤ على مواجهتها، حتى المدرسات يتجنبن المواجهة معها، فقد عجزت كل الطرق التي اتبعتها في أن تقف بوجه طيشها فلا “فصل” يهمها ولا ولي أمر يرعبها..
توفي أبوها وتزوجت أمها من رجل آخر يصغرها وصار كل همها زوجها وحياتها الجديدة معه.. فجعلت تلك الظروف من صديقتي فتاة متمردة على واقعها وعلى أمها وزوجها وعلى إهمالها لها..
أما أنا فقد كانت حياتي على النقيض من حياتها؛
أبي كان رجلا قاسيا مرعبا، كانت صرخاته في البيت حين يدخل تجمدنا جميعا.. حتى أمي كنت أرى نظرات الرعب تطل من عينيها حين يفجر فينا غضبه..
يفتش بنظراته عنا حين يدخل تطارده شكوكه ووساوسه فيسجننا في سجنه؛ فالخروج ممنوع.. والتحدث في الهاتف جريمة لا تغتفر!!
كنت الوحيدة من بنات مدرستي التي لا تحمل هاتفا نقالا معها..
كنت لا أملك الجرأة لأن أخالف أوامره فأكتفي من الدنيا من بالتفرج عليها.. وكانت هي نافذتي على العالم.. كانت هي تعيش مرحلة المراهقة بكل تمردها؛ تتعرف على شباب وتحادثهن وتتواعد معهن وأنا أشعر بالرعب من مجرد الاستماع إليها..
تذهلني جرأتها فأوبخها على تصرفاتها وأخاصمها أحيانا لتبعد عن الطريق الذي قد يتوهنا في متاهاته، لكنها لا تهتم وتظل غارقة في طيشها.. يهمس بأذني أحيانا بعض البنات ينصحنني بأن أبتعد عنها كي لا تتلوث سمعتي بصداقتي لها، لكنني لا أستطيع أن ابتعد عنها.. أشعر أنني في غيابها أبدو ناقصة وهي التي تكملني..
فهي رغم استهتارها وتمردها إلا أنها تحمل بداخلها قلبا طيبا أحن عليّ من أقرب الناس لي.. فهي التي تفهمني حتى قبل أن انطق بكلمة واحدة، وهي التي أراها إلى جانبي حين تظلم الدنيا بوجهي..
أنهيت مرحلة الثانوية وانتقلت للدراسة في الجامعة.. بينما هي أدخلها مجموعها القليل المعهد التجاري، ومع هذا استمرت صداقتنا..
في سنتي الأولى بالجامعة خطبت لأحد أقربائنا البعيدين..
كدت أطير من الفرحة؛ إذ يكفي أنني سأخرج من سجن أبي وقسوته.. فرحت هي لي ووقفت إلى جانبي تساعدني في التجهيز لفرحي.. كان وجودها دائما يضفي روحا حلوة على كل شيء.. تزوجت لاكتشف أن الرجال ليسوا كلهم أبي بقسوته وبخله، وأن هناك رجالا آخرين يتميزون بالكرم والطيبة والشهامة كزوجي..
كان زوجي رجلا متفتحا ولم يكن صارما كأبي.. اشترى لي سيارة وعلمني القيادة بعد أن كان ذلك مجرد أحلام بعيدة..
أعطاني الحرية والمسؤولية وترك لي مطلق الحرية في اتخاذ قراراتي..
لم يكن لديه تحفظ على أي شيء فوجدت نفسي وكأنني امرأة مسجونة وأطلق سراحها..
حين أخبره بأنني سأخرج مع صديقاتي أو أنني مدعوة على فرح إحداهن لم يكن يمانع.. كان دائما ما يقول إنه لديه ثقة كبيرة بي وبقراراتي..
كنت أمضي أوقاتا أكثر مع صديقتي أستمع إلى مغامراتها وأسألها: إلى متى تعيشين حياتك اللاهية هذه؟!.. لكنها تظن أن بطريقتها هذه ستصطاد لها عريسا، ولكن دائما ما تنتهي مغامراتها بالفشل!!
أثور بها حين نخرج إلى مكان ما وأراها واعدت أحدهم لتضعني في موقف حرج..
أخاصمها أياما وأخبرها بأنني إنسانة متزوجة فلا تزجيني في ألاعيبك هذه.. لكنها تعود لتعتذر وتتأسف فأغفر لها..
حتى طلبت مني مفتاح سيارتي ذات يوم..
قالت إن سيارتها في الكراج وإنها بحاجة إلى سيارة لحضور استقبال إحدى زميلاتها..
في تلك الليلة اتصلت بي وقالت لي إن سيارتي قد تعطلت بها فجأة وقد تركت السيارة في الطريق وعادت مع إحدى زميلاتها..
أخذت منها العنوان واتصلت بزوجي ولم أخبره أنها هي التي كان تقود السيارة حتى لا يوبخني على أنني سلمتها مفاتيح سيارتي.. قلت له إنها تعطلت بي وإنني عدت مع إحدى صديقاتي..
بعد ساعات من الانتظار عاد زوجي والنار تشتعل من عينيه
«اشفيك؟» «عسى ما شر» سألته بلهفة.. لكنه لم يجبني!! كالكابوس رأي أبي يدخل عليّ وراءه أمي بعباءتها.. صفعاته تنهال عليّ بلا رحمة وأنا لا أكاد أفهم شيئا..
جروني إلى البيت ليزجوني في غرفتي وزنزانتي، وأنا أبكي لا أصدق أن الحلم الجميل انتهى وها أنا أعود إلى قسوة أبي وسجنه.. أمي حكت لي كل شيء..
حين ذهب زوجي من أجل سيارتي عثر عليها في مكان مشبوه أمام عماره تثير الريبة.. وحين سأل بواب العمارة أخبره بأن المرأة التي تقود السيارة جاءت مع أحد الرجال إلى العمارة وحين تعطلت السيارة تركتها وركبت معه..
«مو أنا!» صرخت «والله مو أنا!»
ولكن من يصدقني!!
حتى صديقتي ذهبت إلى زوجي وحاولت أن تشرح له كل شيء لتعترف على نفسها لكنه لم يصدق كلامها..
قال لها إذا سلمت جدلا أنك أنت من فعل ذلك وليست هي.. ألست أنت صديقتها وأنت وهي واحد؟! فكيف تريدينني أن أصدق أنها شريفة؟!! ودفعت أنا ثمن صداقتي لها.

 

صفحة جديدة 1

اخترنا لك