حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

حبي القديم دمرني

وقفت أمامه ذاهلة، لم أصدق نفسي حين رأيته يظهر لي فجأة  بعد أن غاب عن حياتي كل تلك السنوات. شعرت بضربات قلبي تتراقص وعشرات الفراشات تتقافز بصدري، كان يقف أمامي بوجهه الذي أعرفه وبصوته الذي يهز كل ما بي.

ابتسامته التي أحببتها معلقة بوجهه وشيء أشبه بالعتب يطل من وجهه:

«اشلونج؟»
هزني صوته، شعرت به يعود بي عشر سنوات إلى الوراء؛ لأعود إلى تلك الفتاة التي ودعتها وتركتها ورائي قبل أن أقرر أن أقطع كل الخيوط التي بيني وبينه وأرحل عنه.

أسترجع الشريط كله في رأسي في ثانية واحدة.. قصة الحب الجميلة التي نسجنا خيوطها معا وكل تفاصيلنا الجميلة.

تجرفني ذكرياتي الهادرة إلى المكان الذي عرفته به.. المؤسسة التي عملنا بها معا وجدرانها التي تخبئ أسرارنا، ضحكاتنا وغضباتنا، والفرح الذي كان يلون كل شيء حولنا.

خمس سنوات كانت فصول قصتنا التي انتهت فجأة، فظهرت النهاية مبتورة ومبهمة بالنسبة لي وله.

خمس سنوات كنت أنوي كل مرة أن أفاتح أهلي برغبته في التقدم لي فأجبن.. لم أكن قادرة على التمسك به فأواجه عالمي به. أعرف بأنني لن أستطيع أن أواجه أبي به. الزواج من رجل لا أصل لعائلته ولا تاريخ يعرفه عائلتي جريمة لا تغتفر

لن أستطيع أن أعلن لهم أني أحبه وأريد الزواج منه، ولا أجرؤ على النطق بها.

شعرت بأنني أعيش في علاقة لا نهاية لها. علاقة أرهقتني وضغط أهلي علي للقبول بأحد المتقدمين أضفى هذا الكثير من التوتر على علاقتنا.

بلحظة واحدة قررت أن أبتر قصة حبي، وأن أفر من كل شيء وأقبل بالزواج من أحد المتقدمين لي. غبت عن المؤسسة يومين اتصلت بعدهما عليه لأخبره بقراري، لم أخبره وجها لوجه، خفت أن أضعف فتتهاوى كل قراراتي، لم أقل له إنني سأتزوج من رجل آخر غيره، لم أقو على النطق بها، قلت له لا نهاية لعلاقتنا ولا أمل من زواجنا فالأفضل لنا أن نفترق. لم يعترض.. لم يذكرني بوعودنا التي نقشناها على سماواتنا.. كانت كرامته تتحكم بكل تصرفاته.

انسحب بهدوء كفارس خسر معركته، فسهل بهذا مهمتي الثقيلة القاسية. كان كل همي بعدها أن أطمس كل أثر له في، وأن أمحو كل ذكرى لي معه. قررت أن ابني لي تاريخا جديدا مع الرجل الذي سأرتبط به، وأن أنسج لي ذكريات جديدة معه.

مزقت صوره وحكاياتنا الجميلة ومضيت نحو حياتي الجديدة، حاولت أن أشغل نفسي بالخطوبة وتجهيزات الفرح، غيبت نفسي في مسؤوليات كثيرة حتى لا أفكر لحظة فيه.

مزقت صوره وألقيت برسائله وفتحت قلبي وروحي لحياتي القادمة.

مضت أيام الخطوبة سريعا، اختيار فستان الفرح وقائمة المدعوين وتفاصيل رائعة أخذتني لها، يأتي خطيبي فأرتدي له أجمل ثيابي، واستمتع برحلة الاكتشاف لإنسان جديد، أحاول أن أفك خيوطه وغموضه.. تزوجته وسافرت معه ليتابع دراسته العليا في بريطانيا لتبدأ حياتي معه.. حياة مملة خاوية مع إنسان انطوائي غارق في صمته، لم يكن له أصدقاء أو هوايات أو اهتمامات، فلا شيء سوى صمته الثقيل الذي أحاول أن أبدده فأعجز.

رغما عني صرت أسترجع الآخر فأقارن بينهما، كانت أحاديثنا معا تمتد بالساعات، بينما أعجز أنا أن أحرض هذا على الخروج دقائق عن صمته، يفاجئني الآخر بهداياه الصغيرة وبوروده، بينما يسخر هو من كل تلك الأشياء ويعتبرها لا معنى لها، حتى عبارات الحب يعتبرها حركات مراهقة.

حياتي بكل مقاييس الآخرين حياة زوجية ناجحة، وبمقياسي أنا هي حياة قاتلة تخلو من أي مشاعر.. أنهى زوجي دراسته في بريطانيا وعدنا إلى الكويت مع ولدي الاثنين اللذين أنجبتهما هناك، كبر ولداي وصار لها عالمهما.. مدرستهما.. وأصدقائهما، وبدأت أفيق للحياة الفارغة التي أعيشها معه حتى ظهر هو فجأة ليفجر براكين مشاعري.

كنت في المستشفى ذاهبة لزيارة عمتي المريضة حين رأيته يخرج من المصعد، لم أصدق نفسي تجمدت في مكاني وشعرت بالزمن يسحبني معه سنوات إلى الوراء، المصعد يفتح ويغلق يلفظ ناسا ويبتلع آخرين ونحن متجمدان في مكاننا.

بكلمات سريعة عرفت أنني مازلت أسكنه مثلما يسكنني، ما كنا قادرين على أن نبقى مدة أطول، أخذت رقم جهازه النقال ومضيت والابتسامة تتراقص على وجهي.. نسيت زوجي وأبنائي ومسؤولياتي ولم أعد أفكر إلا به.. عدت إلى البيت واستجمعت نفسي واتصلت به، حدثني عن كل شيء من اللحظة التي فارقني بها حتى لحظتنا هذه. فرحت حين عرفت أنه لم يتزوج، قال “أن لا امرأة قادرة على أن تملأ الفراغ الذي تركته لي”.

عادت علاقتنا وعادت الفرحة التي فرت مني قررت لحظتها أن أنهي حياتي التعيسة مع زوجي لأتزوجه فأعيش السعادة التي حلمت بها. طلبت الطلاق من زوجي. قلت له إنني أعيش حياة تعيسة معه وأنني أرغب بالطلاق.. فطلقني.

عدت إلى بيت أهلي وحدي.. بعد شهور العدة فاتحت أمي برغبتي بالزواج منه، الكل حاول أن يمنعني من هذا الزواج، ولكن إصراري كان أكبر من أي شيء، وفاة أبي وانشغال أشقائي بحياتهم كلها أمور سهلت مهمتي فتزوجته.. عشت معه أياما رائعة ،مضت أيام العسل لأعود إلى واقعي معه، عدت لأعيش معه في شقة صغيرة بعد الفيلا الكبيرة التي كنت أعيش فيها مع زوجي السابق.

أدركت أنها لم تعد لي رفاهية استعمال كروت زوجي الائتمانية، فراتبه لا يسمح بأن أصرف منه كما كنت أفعل. فكرت أن أبحث لي عن وظيفة بعد سنوات أمضيتها بلا عمل، كنت قد قررت أن أكيف نفسي مع حياتي الجديدة، وأن أعود نفسي على وضعي الجديد. كل شيء كان يمكن احتماله إلا أهله؛ حيث كان يصر على أن يجعلني أختلط بهم. لا أستطيع أن أتحمل أسلوب أمه ولا كلامها ولا تصرفات شقيقاته، أشعر بهن عالما آخر غير العالم الذي عشت فيه.

تسربت المرارة إلى حياتي فلا أنا قادرة على أن أعيش عالمي الذي غادرته، ولا أنا قادرة على أن أعيش حياة زوجي. مضت خمس سنوات تسللتها المشاجرات والمشاحنات بيني وبينه بسبب أهله واتهاماته لي بأنني أتعالى عليه.. طلقني وعدت إلى بيت أهلي لأحمل لقب مطلقة للمرة الثانية.

أكثر ما آلمني في تجربة زواجي وطلاقي هي خسارتي لولدي، فهما أبدا لم يغفرا لي أنني تزوجت من رجل آخر غير أبيهما، واصبح والدهما هو كل شيء بالنسبة لهما، أما أنا فمجرد امرأة  كتبت على شهادة ميلادهم أنني أمهم.

اخترنا لك