حكايات حقيقية – الثمانينات ذلك الزمن الجميل بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

حرملك الثمانينات

حين بدأت في كتابة الحرملك، كانت الثمانينات الجميلة تستعد لتلملم أوراقها.

 كانت الحياة بسيطة وهادئة وكان للأشياء براءتها وألقها.

لم تكن المظاهر الكاذبة تسيطر على أذهان الناس وترسم سلوكياتهم.

ولم يكن للناس ذلك الهوس للشراء، كان من يملك يشتري ما يحب ومن لا يملك المال كان يكتفي بما لديه من أشياء، اليوم صار الكل يريد أن يشتري أغلى الأشياء، ويقود أغلى السيارات ويسافر إلى كل مكان مهما أرهقته الديون.. والبنات صرن يلهثن وراء حقائب الهيرمس والشانيل ويستمتن لشرائها  ولا يهم مستعملة أم مقلدة.. يكفيهن شرف حملها.

كان الشباب يرتدي الدشداشة والغترة والعقال للجامعة ولكل مكان.. وكان البنطلون  فقط للسفر أو الشاليهات، الآن صار الشباب يضيق بالدشداشة والغترة، فلا يلبسهما إلا للأعياد والمناسبات الخاصة، وأصبح الذي يرتدي الدشداشة بلغة الشباب الجديدة يدشدش ويغتر. وأصبح البولو والأبروكومبي هو الزي الرسمي للشباب.

كانت البنات ترتدي للجامعة التاييرات والكعوب العالية وكان من النادر أن تلمح فتاة ترتدي بنطلونا.

فتاة البنطلون كان ينظر الناس إليها وقتها على أنها فتاة متحررة وأهلها “فري”، والآن صار الكل يرتدي البنطلون بعد أن اكتشف الناس فجأة أن البنطلون لا علاقة بينه وبين التحرر وأنه أكثر احتشاما من الفستان والتنورة.

كان كلامنا كله بلهجتنا الكويتية الجميلة، الآن أصبحت الكلمات الإنجليزية تخترق كل جملنا، وكثيرا ما أتفاجأ بأمهات في المولات والجمعيات تصر على التكلم مع طفلتها باللغة الإنجليزية رغم بشاعة لغتها الإنجليزية.

في الثمانينات كانت العلاقات بين الناس أكثر دفئا وحميمية، كانت هناك قيلولة يهجع الناس فيها في بيوتهم، وكانت الشوارع تبدو خالية بعد الثانية والنصف ظهرا، والآن صارت المولات تحتضن الشباب والأسر في كل وقت والشوارع أصبحت مكتظة بالسيارات ليل نهار.

كانت الأسرة تتجمع أمام شاشة التلفزيون كل مساء، والآن صار الأولاد والبنات كل واحد منهم في غرفته يعبث بجهاز هاتفه النقال أو اللاب توب الخاص به، كان الغداء والعشاء خارج البيت مناسبة يستعد لها الناس، وكانت الخيارات محدودة الريكاردو والطربوش والموفنبيك وكانت لها بهجة وفرحة.

والآن أصبحت المطاعم والمقاهي تزدحم بالناس في كل وقت، حتى تكاد تجزم أن الناس ما عادت تطهو في بيوتها.

ولكن الثمانينات مضت بجمالها وسحرها ومضت التسعينات بعدها لتصحبني الحرملك سنوات عمري، ولأن الحرملك تحكي عن واقع ناس يعيشون بيننا، من الطبيعي أن يصبح لها شكل ولون آخر باختلاف الزمان والناس.

كثيرا ما أسترجع حرملك الأمس لأقارنها بحرملك اليوم فأندهش كيف تتغير الأشياء.

في الثمانينات كان رتم الحياة أكثر بطئا وهدوءا، كانت البنات يتشاجرن على هاتف البيت الذي يثور عليهن كل من في البيت لو أطلن المحادثة. كانت الأم أو الشقيق الغيور على شقيقته يرفع سماعة الهاتف ليطمأن بأنها تحادث فتاة وليس شابا، أذكر كانت تكتب لي بعض الفتيات تحكي عن الضرب الذي نالها بعد أن رفعت السماعة وافتضح أمرها.

واليوم أصبح لكل فتاة جهاز نقال تتحدث فيه وقتما تشاء ومتى تشاء، ولا أحد بإمكانه إحكام سيطرته عليها مهما فعل.

إحدى بطلات الحرملك كانت تحكي لي عن شكوكها حول خيانات زوجها لها على تلفون السيارة، تشتكي لي بأنه يغلقه بمجرد أن يركب السيارة ليثير هواجسها وشكوكها..

حتى تشاجرت معه مرة وذهبت إلى بيت أهلها تاركة له أطفالها لينثروا فوضاهم في حياته. ذهب ليراضيها ويرجعها معه إلى بيته، ولكنها رفضت أن ترجع إلا بعد أن يبيع تلفون سيارته معتبرة أن تلفون  السيارة هو العامل الأساسي الذي يساعد في إفساد زوجها.

ولكن زوجها رفض شرطها وظل أمرهما معلقا على هاتف السيارة ليقرر عودتها أو انفصالهما..

كم تمنيت لو التقيت بها بعد كل تلك السنوات وأسألها ماذا ستفعل الآن بعد أن انتشرت الهواتف النقالة والآيفون والبلاك بيري  والواتس أب والبي بي والفيس بوك والتويتر؟!

ذلك الزمن كان هناك تلفون سيارة واحد وكان باهظ الثمن ولا يقتنيه إلا القلة وكثيرا ما تكون استخداماته محددة.

والآن أصبح هناك موبايل لكل مواطن والإنترنت أضحت للناس أشبه بالماء والهواء..

{ واتس أب App Whats

حين غادرت الكويت منذ تسعة عشر عاما، كان للغربة مذاق لاذع.

لم تكن الفضائيات العربية تصل إلى كل عواصم العالم ولم تكن للإنترنت انتشارها وكانت المكالمة الخارجية هي وسيلة الاتصال الوحيدة، والتي تربكنا ويضيع الكلام في لهاثنا مع الزمن، حتى الهواتف النقالة كانت اختراعا جديدا، وقلة الذين يقتنونه..

الآن انتشرت الفضائيات لتأتيك ببرنامج أو مسلسل ما يبعث لك دفء الوطن أو أغنية تعيد لك  ذكرى جميلة، وكان القراء يتواصلون معي برسائلهم وفاكساتهم التي مازالت صناديقي معبأة بها ذكرى لأيام مضت..

حتى دخلت الإنترنت حياتنا وصرنا نتواصل بالإيميلات ثم الفيس بوك وانتشرت الهواتف النقالة بتقنياتها المذهلة وأذابت التكنولوجيا جليد الغربة وأزالت كل الحدود.

ظهر الواتس أب ليعيد للناس تواصلهم ويربط بينهم، وصار للواتس أب سحره ينقل لنا أخبار المقربين وأخبار المجتمع من خطبة وزواج لتغيب المسافات وتذوب مرارة الغربة.

بنات الجامعة

في جروب على الواتس أب التقيت بهن بعد أن غيبتني الغربة عنهن لألتقي بهن من جديد.

أجمل صديقات، صديقات الجامعة صديقات الزمن الجميل،

نفتش في ألبومات الماضي عن صور لنا وأماكن ضمتنا وحكايات تقاسمناها وتاريخ جميل رسمناه ذات يوم معا، شعرت معهن بأن  السنوات تركض بي إلى الوراء لأعود أنا الفتاة التي كنتها، أحمل كتبي وفرحي وأسير نحو مبنى الجامعة والعالم حولي لا يسع لأحلامي.

وبأنني أعود لأتنفس ذلك الماضي الجميل وأعيش كل تفاصيله، تدفعني نحوه ذاكرة مكتظة بالصور والذكريات الجميلة لتلك الأيام..

أيام الثمانينات الجميلة بسحرها وجمالها، فقررت أن أتوقف اليوم لأكتب عن ذلك الزمن الجميل زمن الثمانينات.

همسة:

حين تخنقك الحياة بأذرعة الهموم الخانقة ارحل بعيدا إلى زمن آخر تعشقه.

اخترنا لك