حكايات حقيقية – سذاجة حمقاء بقلم آمنة الغنيم

لا أعرف كيف أحببته ولا لماذا أحببته؟! فكل ما أعرفه أنني أحببته رغم الفروقات والتباين الكبير الذي بيننا، فأنا الصيدلانية ابنة العائلة المعروفة، وهو كاتب بسيط في المستوصف الذي أعمل به.

أسرته لا تشابه أسرتي في شيء، فأبي رجل أعمال كبير وأمي أستاذة جامعية، بينما يعمل أبوه مراسلا وأمه مشرفة تغذية في إحدى المدارس.

أسكن في فيلا كبيرة، ويسكن هو في بيت لا تكاد تدخله الشمس، نبدو كقطبين متنافرين يصعب أن يلتقيا، فلغته لا تشابه لغتي ومع هذا أجد نفسي مشدودة له، مبهورة بعالمه الساحر الذي أجد لذة ومتعة كبيرة في استكشافه، كنت أنا أهيم بحبه، لم يهمني وقتها الفارق الاجتماعي أو المادي أو حتى الثقافي كان هو كل أحلامي،

شعر هو بمشاعر الحب التي أحملها له فصار يتقرب مني. اللحظة التي صارحني بها بحبه كانت رائعة؛ لم أستطع أن أمحوها من تاريخي كله، شعرت بالأشياء كلها تتلون، وكل شيء يغدو جميلا ومبهجا، لم أهتم لحظتها بعشرات الحواجز والسدود التي تفصلني عنه، كل ما همني لحظتها بأنه لي وبأنني له.

لم أفكر بالتفاصيل أو أشغل نفسي بالعراقيل التي ستقف بوجه زواجنا، فكل ما فكرت به هو العالم الذي سيجمعني به، صرت أعشق المستوصف الذي أعمل به؛ لأنه يجمعنا معا، كنت غارقة في عوالم جميلة لا أريد أن يفيقني منها أحد.

لم نحاول أن نعلن علاقتنا أمام الموظفين والموظفات في المستوصف، نبدو كغريبين وحين نعود إلى بيوتنا نحتضن سماعة الهاتف فتبدأ ساعة بوحنا، صار يحدثني عن مشاريع في رأسه، وأفكار ومخططات ليرفع من شأنه حتى يكون جديرا بي، فأفرح حين أراه يحاول جاهدا كي يغير من ظروفه، ومن وضعه لكي يقرب المسافات التي بيننا.

عرفني على شقيقته التي جاءت إلى المستوصف لتراني ففرحت بها، وشعرت أنه جاد معي ما دام حرص على أن يعرفني بشقيقته، صرت أكلمها وتكلمني على الهاتف، أسأل عنها وتسأل عني تحكي لي عن حبه الشديد لي، ورغبته الصادقة بالزواج مني

كنت أفرح بكلامها الذي يزيدني تمسكا به؛ حتى صار يتحدث عن مشروعه الجديد، المحل الذي ينوي افتتاحه ليبدأ حياته فيه، قال إن المشروع مضمون وإنه واثق من أنه سيكبر من خلاله، وسيصبح له اسم في السوق، لكنه لا يملك المال الكافي للبدء بذلك المشروع، بدا مهموما مكتئبا لأيام طويلة، لحظتها عرضت عليه أن أقرضه عشرين ألف دينار، كانت كل النقود التي أملكها في البنك، فماذا يعني نقوده أو نقودي ما دام كل ما يفعله هو من أجلنا.

أبدا رفضه وتمنعه في البداية لكنه أمام إلحاحي وافق على أخذ المال لأجل مشروعه. يتضايق أحيانا من حالة إفلاس طارئة بسبب راتبه الذي ذهب كله على مصاريف المحل فأعطيه شيئا من المال عن طيب خاطر.

كانت شقيقته تتحدث معي كل فترة وأخرى فأفرح بها وباتصالها، حتى صرت أحبها لأنها شقيقته، فاجأتني مرة برغبتها بالاقتراض مني بعض المال، وبلا تفكير قلت طبعا فلا فرق بيننا، وأنها اختي مثلما هي أخته، أعطيتها كرت السحب الآلي الخاص بي لتسحب منه المال الذي تحتاجه، أخذت وهي ترجوني ألا أخبر شقيقها بالأمر لأنه سيغضب لو عرف أنها استدانت مني، فوعدتها ألا أفشي سرها، أخذت الكرت وسحبت من البنك القريب من المستوصف، وجاءتني بالكرت وإشعار السحب مسجلا فيه مبلغ ألف دينار الذي سحبته، قالت لي سأرده في أقرب وقت ولم ترده.

جاءت بعد أسابيع لتطلب الطلب نفسه لتسحب ألفا أخرى، وكلمتها المتكررة لي «سأردها في أقرب وقت»، صرت أعد الأيام والأسابيع حتى يحقق حلمه وينجح مشروعه، ويكبر فيأتي لخطبتي، ولكن المشروع مصاريفه كانت تكبر، فيعطل كل شيء حتى طلب مني أن أخذ قرضا من البنك كي يستطيع أن ينتهي من ديكورات المحل وليشتري البضاعة التي سيملأه بها، لم أرغب وقتها أن أضع ديونا علي فقلت له إنني لا أستطيع فأنا لا أحب القروض، قال لي بهدوء هذا حقك لن أفرض عليك شيئا لا ترغبين به، ولكن مزاجه تغير ولم أعد أرى ضحكته وابتسامته، بدا متجهما ومتضايقا طوال الوقت، حتى قررت أن آخذ القرض وأعطيه له ليسرع في تحقيق حلمنا، أعطيته العشرين ألفا التي اقترضتها فكاد يطير من الفرحة.

ابتسامته كانت دائما ما تشعل الفرح في قلبي، فماذا يعني كل أموال العالم ما دام هو لي وأنا له، حتى قال إنه سيأخذ إجازة يسافر بها ليأتي بالبضاعة من أجل افتتاح المحل، سافر فصرت أحلم بيوم زواجنا حتى مضى الأسبوع والأسبوعين ولم يظهر، أتصل بهاتفه وهاتف شقيقته كلاهما مفصول عن الخدمة، حتى تشجعت وسألت في السكرتارية عن إجازته لأتفاجأ بردها بأنه لم يقدم على إجازة وإنما قدم استقالته!

صدمت! شعرت بالأرض تدور بي لم أفهم شيئا مما يجري حولي أين ذهب وكيف ترك كل شيء دون تفسير واحد، كنت أرغب أن أعرف أي شيء عنه لملمت خجلي واضطرابي وسألت الكاتبين اللذين يعملان معه عنه لأتفاجأ بردودهما الغريبة «لا نعرف ولا نريد أن نعرف» «البعد عنه غنيمة» لم أفهم، لماذا يتحاملان عليه؟ ولماذا ينفر منه كل زملائه؟ ولماذا حين رحل بدأت أسمع آراءهم الغريبة عنه.. «حرامي».. «نصاب» وكلام غريب لا أعرف له سببا.

لم أكن لأصدق أنه نصب علي وفر، فمؤكد هناك تفسير لغيابه، بصعوبة عثرت على عنوانه، ذهبت وضربت الجرس ففتحت لي الخادمة، سألت عن شقيقته فأدخلتني البيت وتركتني في الصالون وذهبت لتناديها، أدرت عيني في أثاث الغرفة المتواضع لتصطدم عيني بصورته هو وعروسه هو ببشته وهي بفستانها الأبيض.

قفزت مذعورة لا أصدق عيني، جاءت شقيقته لتتفاجأ بي سألتها وأنا أنتفض من الغضب عن سبب خداعهما وسرقتهما لي، وصرت أهدد بأنني سأشكوهما وسأفضحهما.. صرخت هي لتوقفني قالت لي: لم يخدعك فأنت التي جريت وراءه ولم نسرقك، وإنما أنت التي قدمت نقودك برضاك، تريدين أن تشتكي هذه المحاكم أمامك، وبدوري سأفضحك أمام الناس وسأقول بنت الحسب والنسب تجري وراء شقيقي ترغب في خراب بيته، لم أستطع أن أرد فسحبت نفسي وخرجت وأنا ألعن غبائي وسذاجتي.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك