حكايات حقيقية – الخاسرة الوحيدة.. أنا الجميل بقلم آمنة الغنيم

لمحت صورته في مجلة يحتضن ابنته في حفل تخرجها.

الابتسامة هي ذاتها تلك الابتسامة المسكونة بالدهشة.

النظرات العميقة الدافئة التي تشعرك بأنها تحضنك.

كانت هناك صورة أخرى له معها، يقفان بفرح أمام ابنتهما التي تحمل عيني أبيها وابتسامته..

تبدو لكل من يطالعها أسرة مثالية سعيدة.

أطل بالصورة  مرة أخرى وإلى زوجته وابتسامتها، بدت لي وكأنها تعلن انتصارها علي، وكأنني مجرد حشرة اعترضت طريقها واستطاعت هي ببراعة شديدة أن تدهسها وأن تزيحها عن طريقها..

تنهمر الذكريات علي كأمطار ليلة شتوية عاصفة، أسترجع قصتي معه.

حين اتجهت إلى تلك الشركة وأنا خريجة جديدة تحمل أحلامها وأوراقها للبحث عن وظيفة، لم أكن أعلم أن لقائي به سيكون النقطة الفاصلة في حياتي كلها..

كنت شابة في الثانية والعشرين من عمري وكان هو في الثلاثين، مدير شؤون الموظفين في الشركة التي رغبت في التوظف فيها.

شعرت باهتمامه من الوهلة الأولى، أخذ أوراقي وطلب مني أن أمر عليه بعد أيام..

أتيت ليعطيني موعدا آخر وآخر..

ثم لم يعد حديثه لي يقتصر على الوظيفة ومتطلباتها، صار يحكي لي عن نفسه وعن اهتماماته..

طلب مني رقم هاتفي ليحادثني متى ما ردوا على طلبي، حتى لا أكلف نفسي مشقة الحضور..

أعطيته له لأتفاجأ به يكلمني في تلك الليلة، تزاحمت الكلمات في فمي وأنا أعلن له عن غضبي واستيائي من اتصاله الغريب.

قال لي إنه اتصل ليعرف مني إذا ما كنت غير مرتبطة لأنه يرغب في التقدم لي..

أربكتني كلماته ولم أعرف بماذا أرد..

كان وسيما ويشع حياة ومرحا، شاب تحلم به أي فتاة.. شعرت بنفسي أحلق في موجات من الفرح، قلت له بأنني غير مرتبطة فأبدى لي فرحته وسعادته.

قال لي إنه يرغب في أن يعرف كل منا الآخر قبل أن يخطو أي خطوة رسمية من خطوبة أو زواج..

صار يكلمني كل يوم..

يحكي لي عن نفسه وأحكي له عن نفسي، تمتد الساعات بيننا دون أن أحس أو أشعر..

كنت أشعر بمتعة في حديثي معه، فتنتابني رغبة في أن يتوقف الزمن بنا، ولكن الساعات تتراكض وتمضي وأظل أنا أسترجع كل كلمة وكل حرف وأغمض عيني على صورته وأحلم باليوم الذي سيكون به لي.

يحدثني عن أرض يملكها ويرغب في أن يبنيها وفق ما أحب وأحلم..

يحكي عن كل شيء وأي شيء..

تكلمنا عن كل شيء حتى عن أطفالنا الذين سننجبهم وأسمائهم.

وحين اسأله متى سيأتي لخطبتي كان يقول لي إن أمه مريضة وقد سافرت للعلاج بالخارج وأنه لا يستطيع أن يتحدث عن أي خطبة حتى تعود..

 قال لي إنه يرغب في تجهيز كل شيء حتى عودتها لأنه لم يعد يقوى على أن يصبر بعيدا عني..

أسكرتني كلماته وحلقت بي لعوالم جميلة مسكونة بالفرح، حتى قال لي إنه عثر على شقة جميلة لتكون سكننا ريثما نبني بيتنا..

وإنه لن يستأجرها حتى أراها فأخبره برأيي فيها..

أعطاني عنوانها وطلب مني أن آتي ذلك المساء لأراها.

رفضت.. قلت له لا أستطيع أن آتي، ماذا سيقول الناس إذا ما رأوني هناك..

قال لي يطمئنني.. إن هناك طبيبا وكوافيرة في العمارة نفسها ولن يشك أحد ما إن لمحوك هناك، قال إنها دقائق أراها وأمضي..

أدى ضيقه من أنه يبذل كل جهده لكي يسرع بزواجنا وأنا أتمنع في مجرد طلب صغير، طلبه من أجلنا ومن أجل حياتنا معا..

وافقته..

ذهبت إلى العنوان الذي أعطاه لي وأنا أتعثر بخوفي وقلقي..

ركنت سيارتي ومضيت إلى الشقة التي في الدور الثالث،

كنت ألمح وجوها تفتح الباب وتطل، وهمسات تدوي بأذني، لا أعرف هل يتهامسون حولي أم أنها الأوهام التي ولدت من رحم خوفي..

ما إن اقتربت من الشقة حتى فتح هو الباب.

احتضنتني عيناه بفرح ذوب كل قلقي.

أبديت دهشتي من الشقة التي بدت مؤثثة بأثاث قديم ومنه هو الذي كان جالسا بشورت قصير وكأنه في بيته، تساءلت أين المسؤول عن العقار؟ وكيف يتركه يتصرف بالشقة وكأنها له؟.

قال بأنهم تركوا مفتاحها معه ليقرر، وأنه لا داعي للاستعجال.. شعرت بإحساس غريب، للمرة الأولى أكون مع رجل في مكان وحدنا، رجل يشعرني بكل الحب الذي بالعالم، تنازعتني رغبتان، رغبة في أن أظل معه، أغرق في عينيه اللتين تحملان لي ولهه وعشقه ورغبة أخرى بالفرار منه ومن ضعفي.

انتفضت واقفة وقلت له يجب أن أعود.. أمي ستقلق علي.

ولكن بعينيه المتوسلتين، قال لي ابقي دقائق، مجرد دقائق لن تنقص منك شيئا، ولكنها تعني العالم لي.

وبقيت دقائق لأتفاجأ بطرقات عنيفة على الباب.. نظرت إليه بهلع فضمتني عيناه، طلب مني أن أدخل إحدى الغرف ريثما يتصرف مع الذي على الباب..

دخلت إحدى الغرف ليقتحم مسامعي صوت امرأة تصرخ وتشتم وتتوعد..

تجمدت في مكاني لأتفاجأ بها أمامي، وعيناها تتطاير شررا.. تنهال من فمها شتائم وسباب، تتهمني بأنني فتاة شوارع ومنحلة وخاطفة رجال، وأنا لا أنطق بشيء، فقد شل الذهول لساني.

كانت تحاول التهجم علي، ولكن كان هناك رجل معها يحاول أن يحول بيني وبينها وكلماته تلسع أذني..

“خليها.. ما تستاهل.. أنا أعرف اشلون أربيها”

ودموعي تنساب بصمت، أرغب في تفسير واحد للذي يجري حولي. عرفت يومها أن الرجل الذي عشت قصة جميلة معه هو زوجها وأبو أولادها وأن كل الأحلام الذي عيشني بها هي مجرد أوهام وأكاذيب لينسج شباكه حولي..

شكوكها التي تنامت تجاه زوجها، دفعتها لأن تدبر كل شيء مع شقيقها الضابط الذي أحكم مراقبته عليه حتى جاءت هي وشقيقها الضابط واثنان من رجال الشرطة ليضبطوني معه، بكيت حين أمر شقيقها رجال الشرطة لأن يجروني إلى المخفر. قلت له إنني لم أكن أعرف أنه متزوج، وأنني جئت بناء على طلب لأرى الشقة التي قال إنه سيستأجرها لنسكن فيها بعد زواجنا، ولكن شقيقها سخر مني ومن كلامي، فلم تكن الشقة هذه سوى شقة مشبوهة يجمع بها بعض العزاب ليمارسوا لهوهم.

أنظر إلى الرجل الذي أحببت فيشيح بنظراته عني، لم ينطق بكلمة واحدة ليدافع بها عني، وتوارى كالفأر خلف خوفه.

رجوتهم أن يتركوني وأنني لن أظهر في حياتهم مرة أخرى ولكنهم لم يكترثوا لكلامي، كانت هي ترغب في أن تحرق كل المراكب لتضمن خروجي من حياة زوجها..

سحبني رجال الشرطة ومضيت معهم، تظللني سحابة داكنة من مشاعر الذل والخيبة وهناك نادوا أبي ليستلمني.

لم يسجلوا لي أي محضر أو قضية، فكل ما همها وقتها أن تذلني وتفضحني أمام أهلي، لتتأكد بأنني سأخرج من حياة زوجها إلى الأبد.

جاء أبي وشقيقي الذي صار يصفعني بلا رحمة وأنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي بعد كل الكلام الذي قاله شقيقها الضابط لهما وتهديده ووعيده لي..

خرجت معهما وأنا أحمل حزني وهمي وخجلي..

وظللت أياما حبيسة غرفتي، الكل يكره أن يطل بوجهي، أمضي أيامي باكية على أحلامي التي تحولت فجأة إلى كوابيس مروعة. وبسرعة تطايرت أخبار فضيحتي، لم تعرف كل تفاصيلها ولكن صار الكل يلوك في سيرتي، ليضيف لها خيوطا من نسج خيالهم. الكل صار يتجنبي حتى صديقاتي ابتعدن عني وانفض الخطاب عني وأصبحت وحدي.

التحقت في إحدى الوزارات وصارت حياتي هي البيت والوظيفة.. أقتل بها و قتي وأيامي التي صارت تمضي بلا لون ولا معنى. مضت خمس عشرة سنة على حزني وجرحي حتى رأيت صورتهم في المجلة، لأعرف أنني الخاسرة الوحيدة، فها هو يعيش حياته مع زوجته كأب وزوج مثالي، أما أنا فقد تحطمت حياتي ودمر فيها كل شيء.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك