حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيم الرُجل.. الحُلم

يشعرني دائماً بأنني لست امرأة أحلامه.. وأن زواجه بي كان أسوأ قراراته.

يسخر من طريقة كلامي ومن لبسي وتسريحة شعري.

أبتلع إهاناته وأصمت.

لا أعرف هل هو ضعفي أم عدم ثقتي بنفسي هي التي تجعلني أغوص في صمتي؟

أحيانا يقفز السؤال إلى شفتي:

“عيل ليش تزوجتني؟”

ينظر إلي ويقول لي بقهر:

“أهلي ضغطوا علي”.

يقولها مبررا إهاناته لي وكأنني مشتركة في الجريمة.. يذكرني دائماً بأنني فرضت عليه وأنه أبدا لن يحبني يوما.

وأنا لم أفقد أملي لحظة بأنه سيحبني يوما.

أحببته أنا وأحببت كل شيء فيه.. أحببت جفافه وصمته حتى قسوته أحببتها.

كان هو الرجل الحلم الذي أنظر إليه كل يوم متسائلة هل حقا تزوجت أنا به؟!

ذلك الشاب الوسيم ذو الشخصية الآسرة متزوجا مني أنا الفتاة المتواضعة الجمال؟!

منذ أن خطبت له وأنا كل ما أفكر به هو أن أسعده.. ألهث أنا وراءه.. أحاول أن أتفنن في إعداد أحلى الأكلات.. أجهز له ثيابه وأبخرها له فيضيق هو بكل محاولاتي هذه.. يتجعد وجهه بتكشيرة ويقول لي:

“لا تضنين إنني ممكن بيوم أحبج.. أنا مستحيل أحب وحده مثلج”!

وأندهش أنا من كلامه لي.

أنظر إليه بعينين جامدتين أتمنى أن يفجر ضحكاته ليقول لي إنها مزحة وسأضحك أنا عليها مهما كانت قسوتها.

سأفرح لأنها مجرد مزحة.. ولكنه لا يمزح.. إنه يعني كل كلمة يقولها.

أمضي نهاري باكية وأتساءل: لماذا يتعامل معي بتلك القسوة؟!

ما ذنبي أنا إن لم أكن اختياره وأن أهله فرضوني عليه؟! لماذا لم يرفض؟ ولماذا تزوجني ما دام لا يرغب بالزواج مني؟ ولماذا يظلمني معه؟!

أحيانا أشعر بأنه يحاول أن ينفرني منه كي أضيق من معاملته فأطالبه بالطلاق فيتخلص مني!

ولكنه لا يدرك أنني أحمل معي إرثا مجتمعيا هائلا يجعلني أفزع من شبح الطلاق في شهوري الأولى معه.. أخاف من تفسيرات الناس وسيناريوهاتهم.

كان الحل الأسلم لي أن أصبر.. هذا ما همست لي أمي من ضمن توصياتها لي قبل ليلة زواجي:

“الرجل يحتاج منا الصبر”.

وأنا أصبر عليه.

سمعته مرة صدفة يحادث امرأة على الهاتف.. سألته عنها فثار بي وكأنني لست زوجته وليس لي أي حقوق عليه.

أحاول أن أبحث عن تبريرات له تبدو كأقراص مسكنة.. مرة أفكر بأنه يحادث شقيقته ومرة أقول إنها زميلة معه في عمله.

لا يمكن أن يتحدث مع امرأه أخرى بحضوري أنا عروسه الجديدة التي أحمل معي آمالا بأنه سيكون لي يوما.

نعيش كالغريبين في البيت ومع هذا لم أفقد الأمل به وبحياتي معه.

حتي نسي هاتفه يوما وصرت أعبث به لأتفاجأ بمسجاته لامرأة أدركت أنها نفسها التي سمعته ذات مرة يتحادث معها على الهاتف!

لا أصدق أنها مسجاته هو نفسه الذي لا أرى منه سوى جفافه وقسوته.

يرسل لها كلمات مفرطة في رومانسيتها.. ترسل له صورا لها بمناسبات عدة.. يحتفظ بها هو في ألبوم صوره على جهاز هاتفه.

لسعتني الغيرة وأنا أتأمل صورتها.. كانت تتمتع بجاذبية ملفتة للنظر.. تحدثه عن أفراحها وأحزانها ويشاركها هو مشاعرها.

ظللت أقرأ كل مسجاتها له أريد أن أفهم تلك المرأة التي أحبها زوجي.

 قرأت مسج تعتذر به له:

“أسفه ما أقدر أكلمك الحين زوجي موجود!”

“أكلمك بعد ما يطلع زوجي!”

عرفت لحظتها أنها متزوجة وأن هذا السبب الذي منعه من الارتباط بها.

وصرت أتساءل كيف عرفها؟! وكيف استطاعت هي أن تتسلل إلى حياته وتمتلك قلبه ومشاعره؟!

هل عرف أهله بعلاقته بها فكانت ردة فعلهم أنهم ضغطوا عليه ليتزوج مني ظناً منهم أن الزواج

سيبعده عنها؟!

ظلت تلك الأسئلة تتراكض برأسي بلا إجابة واحدة.

شعرت بأن المنافسة غير عادلة بيني وبينها.. فهي باهرة الجمال بينما أنا متواضعة الجمال..

هي حبيبته وسيدة قلبه بينما لا أعني له أنا أي شيء مجرد امرأة فرضت عليه.

تبدلت كل حساباتي.. لم يعد الأمر يحتاج إلى وقت كي أكسب مشاعره وحبه، فهو غارق بالحب حتى أذنيه ولن يلتفت لي يوما مهما فعلت.

شعرت بأن علي أن أنسحب من حياته.. وأن أحمل خسائري وأرحل عنه ولكني جبنت.

لم أقوَ على اتخاذ قراري.

أصبحت أعيش كالشبح داخل البيت.. ألبي احتياجاته وأجهز ثيابه وطعامه بصمت وأمضي.

لم يهتم أن يسألني عن الحزن الذي تسلل إلي أو الصمت الذي صار يطويني بعباءته.

وصرت أنا أدمن التفتيش في هاتفه النقال.

أنتظره يدخل صباحا ليستحم وأجري نحو هاتفه لأقرأ رسائلها له ورسائله لها.

لا أعرف لماذا سجلت رقم هاتفها عندي.. كان بداخلي فضول كبير لأعرف كل شيء عنها وعن زوجها هذا الذي تخونه كل يوم مع زوجي لتسحبه بعيدا عني.

حتي كان ذلك اليوم الذي دخل علي زوجي الغرفة ليضبطني متلبسة بالتفتيش في هاتفه..

جن جنونه وانهال علي بشتائمه وصفعاته..

بكيت بحرقة.. كان ذلك أكبر من كل حدود احتمالي.. حملت حقيبتي وما تبقى لي من كرامتي وعدت إلى بيت أهلي بعد ثلاثة شهور من زواجي.

هلعت أمي حين رأتني.

رويت لها كل شيء من لحظة زواجي حتى لحظتي هذه.. قلت لها إن زوجي لم يقربني وإن مشاعره وقلبه تملكهما امرأة أخرى.

أمي لم تكترث لكلامي.. كان كل همها أن أعود إلى بيتي وزوجي حتى لا أثير الأقاويل حولي.

قالت أنت زوجته التي تحمل اسمه.. وليست المرأة الأخرى سوى نزوة في حياته.. وإنني أنا الحقيقة وهي الوهم.

أعادتني إلى بيتي قبل عودة زوجي من عمله وقبل أن يكتشف غيابي.

عاد زوجي ليراني ككل يوم أستقبله بهدوء.. أجهز له طعامه وثيابه وكأن صفعاته لم تنزل علي صباحا، ولا هدير شتائمه دوت في مسامعي.

أمي صار كل همها أن تقرب بيني وبين زوجي.. كانت ترى أن خروج المرأة من حياته سوف يعيده إلي.. أخذت مني رقم المرأة الأخرى وراحت تفتش وراءها.

عرفت كل شيء عنها.. اسمها واسم زوجها الثري.

اتصلت بها لتهددها إن لم تبعد عن زوجي ستفضحها أمام أهلها وزوجها.

جاء زوجي ذلك اليوم مندفعا كالمجنون نحوي لتنهال علي صفعاته وركلاته بلا رحمة.

طردني يومها بعد أن صرخ بي:

“أنت طالق”!

مضت شهور غرقت فيها بألمي وحزني حتى تقدم لي رجل آخراً.. تزوجته لأري فيه شيئا آخر غير زوجي السابق، يحتويني بحنانه وحبه فأتساءل كيف قبلت أن أصبر مع الآخر كل تلك الشهور؟! وكيف سمحت لنفسي أن أتقبل معاملته القاسية معي وأرضى بإهاناته؟!

لم يتزوج طليقي من المرأة الأخرى فلم ترغب هي في أن تغامر بحياتها المرفهة وزوجها الثري من أجله هو الرجل الذي لا يملك سوى راتبه.

وكدت أنساه في غمرة انشغالي حتى ظهر لي فجأة.

  دخلت المقهى أنا وزوجي وأبنائي الثلاثة وجلسنا على إحدى الطاولات لنطلب وجبة خفيفة قبل بدء الفيلم الذي سيبدأ بعد قليل في المول الكبير.. نضحك على ابني الأوسط الذي يحتضن بيديه تذاكر السينما من لهفته على رؤية الفيلم.. أتابع بعيني بفرح زوجي وهو يدلل طفلتنا أميرته الصغيرة التي تجلس في حضنه.

وفجأة رأيته أمامي!

هو نفسه زوجي السابق. بدا غريبا بدشداشته ورأسه الخالي من الغترة.. والكيلوات التي زحفت إلى جسمه.. والخطوط السوداء التي تحت عينيه.. لم يكن هو نفسه ذلك الرجل الوسيم الذي تزوجته ذات يوم، وكأن العشرة أعوام التي مرت كبرته عشرين عاما.. شعرت بعينيه ترتجفان حين تلاقت بعيني.. أشحت أنا بعيني بعيدا عنه وحاولت أن أتشاغل عنه بزوجي وأطفالي.

فجأة قفز طفلي معلنا:

“يلا بدي الفيلم”.

خرجنا من المقهى التفت نحوه.. لا أعرف لماذا شعرت لحظتها بأن خليطا من الأسى والندم كان يلون نظراته.

اخترنا لك