حكايات حقيقية

حكايات حقيقية بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

بقلم آمنة الغنيمأبي وزوجي.. متهمان في قتلي..!

تلك الليلة وتلك اللحظة كانت نقطة التحول في حياتي، لتنهي وهم السعادة التي كنت أعيشها ولتوقظ كل مخاوفي.

كانت صدمة لي ولكنها أبدا لم تكن صدمة لأمي التي بدت وكأنها تنتظر تلك اللحظة منذ زمن طويل، اللحظة التي يقتل بها يقين الحقيقة مخالب الشكوك القاسية.

بدت لنا في البداية ليلة هادئة كغيرها من الليالي. كنا نمضي يومنا في شاليه خالتي في الخيران كان الجو جميلا والقمر مكتملا.

كل شيئا كان رائعا ومبهجا حتى انقلبت السيارة “البقي” الصغيرة بابن خالتي، وأطلت نظرات الهلع على الوجوه وتفجرت الحناجر بصرخات الالتياع.

سحبت الليلة خيوط بهجتها لتترك لنا غمامات حزنها.

اندفعت خالتي وجدتي به إلى المستشفى وقررت أمي أن تأخذنا إلى البيت لتذهب من هناك إلى المستشفى.

بدا لي الطريق موحشا والهواجس والأفكار الموحشة تحوم كالغربان السوداء فوق رؤوسنا.

وصلنا بيتنا في منتصف الليل. كانت هناك سيارة غريبة متوقفة أمام باب البيت.

لا أعرف لماذا شعرت لحظتها بالتوتر يربك حركة أمي.

فتحت الباب ودخلنا وراءها، طلبت منا أن نقف في مكاننا وصعدت هي الدرج متجهة نحو غرفة نومها. لحظات لتندفع أصوات صرخات أمي وأبي وصوت امرأة أخرى رأيناها لتنزل متعثرة بثيابها وخوفها.

كانت سنوات عمري السبعة عشر تجعلني أستوعب حقيقة ما حصل بينما كانت تلك الصورة غامضة لأخوتي الصغار الذين ظلت أسئلتهم الساذجة تتساقط على مسامعي.

“ليش يصرخون؟”

“منو هذي المره؟”

أخرستهم وظللت أنتظر أمي التي صرخت تناديني. طلبت مني أن أجهز حقيبتي أنا وأخوتي لأننا سنغادر بيت أبي.

أيقظت الخادمة التي جاءت هلعة تنفض بقايا نومها. أجهز أنا حقيبتي وأسترق النظر إلى أمي ودموعها المنهمرة.

لم تكن أمي مصدومة بما حدث كانت تشم خيانة أبي منذ شهور طويلة، وترى العلامات التي يتركها وراءه كل يوم. كانت الشكوك تسكنها منذ فترة ليست قصيرة ولكن ما رأته اليوم كان موجعا وصادما.

كانت رصاصة الرحمة التي قتلت شكوكها لتبعث بالحقيقة ببشاعتها.

ذهبنا إلى بيت جدتي لنتكوم كلنا في غرفة واحدة أنا وأمي وشقيقيّ الاثنين.

نسينا حادث ابن خالتي فدائما ما تلتهم الأحزان الكبيرة الأحزان الصغيرة.

عادت جدتي من المستشفى لتطمئننا عن حالة ابن خالتي التي لم يحتاج لأكثر من رباط وجبيرة للكسر الذي أصاب ساقه.

صدمت جدتي بوجودنا وحين سمعت الحكاية من أمي وبختها، قالت لها من الجنون أن تترك بيتها وتخرج. طلبت منها أن تعود لتبقى في بيتها هي وأبنائها حتى لا تترك فرصة لامرأة أخرى لتستولي عليه.

ولكن كرامة أمي وكبريائها المجروح لم يسمحا لها بالعودة إلى البيت الذي تركته وراءها.

ولم يحاول أبي مرة أن يأتي ليعتذر لأمي ويطلب منها أن تعود معه إلى البيت.

لم يهتم حتى أن يسأل عنا. ولم تمضِ شهور حتى تزوج من تلك المرأة وجاءت لتحتل بيتنا لتتحقق بذلك نبوءة جدتي.

أمضيت ليالي حزينة أسمع بكاء أمي كل ليلة يدوي بأذني.

تمضي بي الأيام مثقلة بالحزن والألم.. يضيق البيت بي أنا وأخوتي.. كرهت صراخ خالي كل يوم وشكوى زوجته من شقاوة أشقائي.

حتى حين قررت أمي الخروج بشقة لنا وحدنا احتج كل من في البيت.

“عيب”!

“شيقولون الناس عنا”.

وكان زواج أمي هو الحل لنا جميعا.

رجل أرمل ليس له أولاد وعد أن يرعى أولادها وأن يحنو عليهم.

جن جنون أبي حين عرف بزواج أمي وقرر أن يأخذني لأعيش معه بحجة أنه لا يقبل لابنته أن تعيش مع رجل غريب.

ذهبت لأعيش معه ومع زوجته التي سرقته منا.

لم أستطع أن أحبها. أليست هي السبب في دموع أمي وبخراب بيتنا؟!

أحاول أن أتجنبها وأتحاشى دائماً البقاء معها في مكان واحد.

كانت نوعاً آخر من النساء.. شيء آخر غير أمي وخالاتي وقريباتنا اللاتي أعرفهن.

أسلوبها في الكلام وطريقة ضحكها ولبسها كل ذلك كان يثير استفزازي.

يأتي أهلها كل خميس ليتناولوا العشاء في بيتنا. تحتفي فيهم وتتباهى أمامهن بطباخها الذي علمته أمي كل فنون طبخها وبأطقم الصيني والفضة الفاخرة التي اشترتها أمي حين كانت صاحبة البيت.

كنت أحاول أن أتحجج بأي شيء حتى لا ألتقيهم ولكنهم كانوا يصرون على وجودي بينهم، فأخرج من غرفتي لأجلس بينهم كتمثالٍ شمعي أنتظر لحظة خروجهم.

حتى لفت نظري شقيق زوجة أبي. أحببت مرحه وخفة ظله وصرت أنتظر يوم الخميس بلهفة لأراه.

تغيرت علاقتي بزوجة أبي ولم أعد أتهرب من وجودي معها وصرت أتحين الفرصة للتقرب منها فقط لأنها شقيقته.

لم أعد أضيق بأسلوبها وطريقة كلامها وصرت أراها إنسانة أخرى غير تلك التي كنت أراها.

شعرت هي بمشاعري نحو شقيقها وأبدت لي رغبة شقيقها بالتقدم لي.

فرحت لحظتها وشعرت بأنها أجمل إنسانة على وجه الأرض.

وافق أبي عليه رغم أنه ما زال طالبا في الكلية. بينما ثارت أمي على تلك الخطبة التي وجدتها غير مناسبة بكل المقاييس.

حاولت أمي أن تمنع هذا الزواج قالت إن زوجها سأل عنه ولم يمتدحه أحد.

قالوا عنه شابا فاشلا ومدمنا ولديه مشاكل مع كثير من الناس.

سخرت من كلامها قلت هل يعرف زوج أمي مصلحتي أكثر من أبي.

تزوجته بحفلة صغيرة اقتصرت على أهله ومعارفه. لم تحضر أمي احتجاجا على الزواج الذي تم رغما عن رغبتها.

تزوجته لأدخل في كابوس لا آخر له.

أسكنني في شقة في عمارة موحشة ومنذ يومي الأول وهو يسألني:

“أخذتِ من أبوج فلوس؟”

يلمح اندهاشي فيبادر بنبرة هجومية:

“انتو رضيتو فيني وانتو تدرون أن ما عندي شغل”.

هزيت رأسي بصمت أعرف بأن أبي لن يعترض أليس هو شقيق زوجته.

وبدأت أكتشف عصبيته المخيفة التي تصل إلى حد الشتائم والضرب.

شكوته لأبي ولكن زوجته اندفعت تدافع عنه مرددة بأن الزوجة هي التي تعرف كيف تتعامل مع زوجها، وأن الزوجة العنيدة والمتمردة هي التي تثير عصبية زوجها وغضبه.

وافقها أبي على كلامها. حاولت أن أفهمه أنني لم أعانده أو أتمرد عليه قط ولكنه لم يسمعني.

لم يكن زوجي طالبا بأي كلية. كان شابا فاشلا مفصولا من الدراسة، يعيش على النقود التي آخذها من أبي ليصرفها على سهره وشربه.

حتى صار زوجي يأتي برجال لا أعرفهم ليسهر ويشرب معهم ليخرجوا مع خطوط الصباح الأولى تاركين زوجي جثة هامدة وزجاجات الخمر وبقايا المنكرات التي كانوا يتعاطونها تتناثر حولهم.

كنت أموت رعبا كل ليلة وأنا أسمع ضحكاتهم الهستيرية تتسلل إلى مسامعي.

ولم أكن أعرف ماذا أفعل فأبي لا يسمعني وأمي انتهت علاقتي بها منذ زواجي.

حتى تلك الليلة التي حاول بها أحد أصدقائه التهجم علي. أوصدت باب غرفتي وأمضيت ليلتي باكية.

في الصباح اتجهت إلى أمي ورميت نفسي بأحضانها وأنا أبكي. وقفت هي وزوجها إلى جانبي حتى حصلت على ورقة طلاقي.

لأتطلق بعد شهور من طلاقي وأنا حامل بطفلتي منه.

وحاولت أن أستعيد حياتي بعيدا عنه. عدت إلى متابعة دراستي في الجامعة وإلى صديقاتي.

بعيدا عن بيت أبي وزوجته التي بعد طلاقي من شقيقها لم تعد تطيق رؤيتي. لأمضي حياتي مع أمي وزوجها الذي احتواني انا وطفلتي بحبه وحنانه حتى أضحت طفلتي حفيدته الحمد لله.

أرى نظرات الحب التي يغمرها بها ولهفة أمي عليها فأتناسى كل آلامي.

Leave a Comment