حكايات حقيقية – صديقتي وخطيبي! بقلم آمنة الغنيم

كان أكبر من حدود أمنياتي وأجمل من كل أحلامي، لم أصدق أذني وأنا أسمع أمي تخبرني بخبر تقدمه لي..

«اشرايج؟» تسألني..

«ما أدري» «كيفكم»

دسست خجلي في تلك الكلمات وأدرت وجهي خوفا من أن تفضحني ابتسامتي..

شعرت بكل ما بي يتراقص فرحا وبهجة..

أعرفه وأنا طالبة في الثانوية، أراه كل يوم يأتي لأخذ شقيقته،

كانت البنات يتأوهن ويشهقن حين يرينه، كل واحدة منهن كانت تراه فارس أحلامها بوسامته وشخصيته واسم عائلته وثرائها.

كان وقتها طالبا بالجامعة يأتي في بعض أيام الأسبوع لأخذ شقيقته التي تصغرنا بسنوات.

كثيرات اللاتي صرن يتقربن من شقيقته للوصول إليه، سألتها عنه وعن حياته وعن ما يحب وما يكره ولكنه كان نجما صعبا الوصول إليه..

لم يكن يلتفت لنظرات البنات التي تخترقه في كل مرة ولا لضحكاتهن التي تفجرها بعضهن للفت انتباهه.

أراهن يتمخطرن من أمامه، إحداهن تلوح بشعرها وإحداهن تتمايل أمامه، كل هذا للفت انتباهه وهو يبدو بعيدا عنهن.

كان جار صديقتي المقربة، وكانت تحكي لي دائما عنه وعن علاقته بشقيقته وعن صداقته الحميمة بشقيقها.

أحيانا ألمحه أمام باب بيته حين أذهب لزيارة صديقتي، فينتابني خليط من الفرح والاضطراب، أحسه يقرأ ارتباكي..

حتى أنهيت شهادتي الثانوية والتحقت بالجامعة بكلية التجارة، الكلية التي يدرس هو بها..

كنت بسنتي الأولى وكان هو بسنته الأخيرة..

أتصادف معه أحيانا في مواقف السيارات وأحيانا في أروقة الكلية.

أشعر بالعالم يتلون حولي بألوان الفرح حين أراه، ولكن أبدا لم أجرؤ على أن أحلم بأن يكون لي.

حتى تخرج والتحق للعمل في إحدى الشركات وجاءت أمي لتفاجئي بتقدمه لي.

لم أنم ليتها من فرط سعادتي به، كانت الصور الجميلة تتراكض في مخيلتي فلا أنام..

أتخيل لقائي معه حين يأتي مع أهله وأتخيل ليلة عرسي والحياة الرائعة التي ستجمعني به..

أشرق صباح مجدول بالفرح والأماني الجميلة..

أول شيء خطر لي لحظتها أن اتصل بصديقتي لأخبرها بخبر الخطوبة..

ستفرح لفرحي فهي صديقتي المقربة وهو جارهم وأعز صديق لشقيقها..

اتصلت وفجرت خبري بنبرات تفوح فرحا، ليصدمني صمتها!

لم أفهم برودها المفاجئ ووجومها غير المبرر في البداية حسبتها المفاجأة التي شلت لسانها، ولكنها فاجأتني وهي تنهي المكالمة سريعا مرددة..

«أشعر بالصداع يفتك برأسي»

وتركتني..

أنهيت المكالمة والأسئلة تلاحقني..

مالها تستقبل خبر خطبتي بهذا البرود؟!

ولماذا لم تشاركني فرحتي ولم تبارك حتى لي؟!

حاولت أن أفتش لها عن مبررات، لم أحب لأي شيء أن يسرق فرحتي..

في مساء اليوم نفسه فاجأني وجه أمي الحزين وهي تخبرني باتصال أمه لتنهي الخطبة..

شعرت بطيور الفرح تتحول إلى غربان مخيفة وأحلامي التي تتراقص بداخلي تتحول إلى كوابيس مرعبة.

كانت الدموع تنساب من عيني بصمت، بينما أمي تحكي لي عن اتصال أمه الغريب وكلامها الغامض عن القسمة والنصيب وأن الزواج ليس بالإجبار وأن كل سيأخذ نصيبه..

أنهت كل شيء لتترك بقايا غصة وحزن بصدري، مضت الأيام بطيئة وكئيبة حتى كنت مع أمي في أحد الاستقبالات لأسمع إحدى النساء تفجر الخبر..

خبر خطوبة صديقتي له!

الغريب أن صديقتي لم تتصل لتخبرني بأمر الخطوبة كما فعلت معها، ولم تدعوني إلى حفل عقد القران الذي أقامته أم العريس ودعت له صديقاتنا المقربات، حتى حفل الزفاف وصلني بطاقة من ضمن البطاقات التي وصلتنا، ولم تخصني هي بأي شيء،

كنت ذاهلة من تصرفها الغريب..

كان الكل يعتقد أن هناك خلافا ما قد باعد بيننا، فلا أحد ممكن أن يصدق أن تتغير هي فجأة دون إبداء أسباب أو مبررات..

لم أذهب الفرح وألغيتها من قائمة صديقاتي..

هي التي اختارت أن تخلق تلك المسافات والحواجز بيننا وهي من بدأ كل شيء..

أنهيت دراستي الجامعية وتعينت في إحدى الشركات وأصبح عملي هو كل حياتي، أفجر به كل طاقاتي وأنسى ساعات الانتظار لعريس لا يأتي.

أعمل حتى ساعات متأخرة من اليوم وآتي بعملي معي لأكمله في البيت.

لم أعد مضطرة لأن أصطحب أمي للاستقبالات والأفراح لتقتنص لي عريسا ينقذني بنظرها من شبح العنوسة..

أصبحت أحظى بثقة رؤسائي وأترقى بعملي، مضت سنواتي وأنا حياتي هي عملي الذي أجد نفسي به، حتى تقاعد مديرنا وأقمنا له  حفل تقاعد كرمناه به، ليعلن لنا عن اسم المدير الجديد، فأتفاجأ بأنه هو جاء ليتسلم مهام منصبه الجديد واستدعانا جميعا لنتعرف عليه.

شعرت برجفة بنظراته حين وقعت عيناه علي، بينما بذلت أنا مجهودا كبيرا لأتعامل بحيادية معه..

كان السؤال يسكنني ويكاد يقفز..

لماذا حملتني عاليا بأحلامي ثم غادرتني مثقلة بالخيبة، كان تعاملي مباشرا معه، نعمل بمشاريع مشتركة طوال اليوم نتناقش بشأنها ولا شيء خارج حدود عملنا.

حتى رشحنا معا لحضور مؤتمر في إحدى الدول الأوروبية.. سافرنا معا أنا وهو بعد أن اعتذر زميلنا الآخر في اللحظة الأخيرة..

ركبنا الطائرة معا وسكنا الفندق نفسه الذي يعقد به المؤتمر.. تقاربنا فصرنا نتحادث ببساطة بلا حواجز ولا رسميات، حتى قال لي إنني الفتاة التي حلم بالزواج منها..

فوجدت نفسي ألقي بالسؤال الذي ظل يسكنني، ليفاجئني بالحقيقة التي أذهلتني، قال إن صديقتي هي التي اتصلت بشقيقته وقالت لها بأنني مرتبطة وأن أهلي يضغطون علي لأقبل به، لهذا قرر الانسحاب، نظرت إليه والدموع تنساب مني بصمت، وأنا أهز رأسي وأردد «كاذبة كاذبة»..

الآن فهمت كل شيء..

صديقتي كانت وراء فشل مشروع الخطوبة بالأكاذيب التي نسجتها حولي، والتي جعلتني أخسره وآخرين غيره، يومها استطاع أن يحتوي حزني بحنانه ودفئه، لتبدأ خيوط علاقة جميلة بيننا، انتهت بطلبه للزواج مني، لم أهتم لكونه متزوجا وأبا لصغار، فلست أنا التي خطفته من زوجته وإنما هي التي خطفته مني منذ سنوات..

تزوجته لأتفاجأ بالثورة التي تفجرت في بيت أهله، كلهم وقفوا ضد زواجه واصطفوا إلى جانبها، هي التي هدمت حياتي وقضت على أحلامي..

أحلم بأن يتقبلوا زواجنا يوما وأن آتي بطفل يربطني به إلى الأبد..

اخترنا لك