حكايات حقيقية – زوج أختي الصامت بقلم آمنة الغنيم

أعرفه وجها خجولا يظهر دائما إلى جانب أخي كظل آخر له.

على وجهه دائما ابتسامة أخطأ في تفسيرها؛ فقد كان صديق أخي الذي اعتدت على وجوده معه منذ كنت طفلة..

كنت أراه مرارا على الباب ينتظر شقيقي، أراه معه في الصيف حين نلتقي به في إحدى سفراتنا.. كانت أمي تحبه كابن لها وتصر على دعوته على الغداء في شقتنا أثناء سفرنا.

كثيرا ما أضبطه متلبسا بالنظر لي ويرتبك حين تلتقي عيناي بعينه.. شقيقتي كانت تقول إنه رمز للرجولة والوسامة، وتقول أتمنى أن أتزوج رجلا بوسامته.. وكنت أسخر أنا منها ومن أحلامها..

حتى قريباتي كن يبدين إعجابهن به ويثرن خلفه عاصفة من الأسئلة..

كثيرات اللاتي يدُرن في فلكه.. ولم أكن أنا سوى مراهقة صغيرة بجديلتها وعفويتها وعالمها البريء..

ولا أعرف.. هل أحببته أم أعجبت به كالكثيرات غيري أم أنها أوهام المراهقة وأحلامها؟! فلست سوى شقيقة صديقه الصغرى والتي تصغره بثمانية أعوام..

ليلة زواج أخي فككت جدائلي.. بدوت فتاة أخرى؛ وكأن الطفلة غابت لتترك وراءها صبية غيرها.

رأيته داخلا مع الرجال ليزف أخي إلى عروسه.. بدا وسيما تلك الليلة بغترته ودشداشته البيضاء..

تلاقت عينانا للحظات.. شعرت بنظراته ترتجف وابتسامته تلون الكون كله..

مساء تلك الليلة صرت أسترجع تفاصيل الساعات الأخيرة وأستعيد ابتسامته.. وأتساءل: ترى هل كان يعنيني بابتسامته أم أنها أوهامي التي تصور لي ذلك؟!!

بعد أيام رن هاتف بيتنا..

كانت امرأة تخطبني لابنها!

اندهشت حين جاءت أمي لتخبرني بالخطبة:

«يمه من صجج؟!!» سألتها بذعر..

كنت قد أنهيت لتوي المرحلة الثانوية وأنتظر بلهفة قبولي بالجامعة وأتلهف للحياة الجامعية الجديدة..

لكنها كانت جادة معي، على الرغم من أن شقيقتي التي تكبرني بأربع سنوات لم تتزوج بعد.. ورغم أنني لم أتم سنواتي الثمانية عشر، إلا أن أمي لن تفلت ذلك العريس من يدها.. العريس الحلم بالنسبة لها.. فلن تجعل صغر سني عائقا أمام حلمها.

كان هو ابن العائلة المدلل الذي تخرج من الجامعة وقرر أن يتزوج.. قرر الزواج حتى قبل أن يعثر على وظيفة، ولماذا الوظيفة ووالده يملك كل تلك الشركات والأموال؟!!

حين جاء مع أمه لخطبتي أحببت طيبتها وفرحتها بي وشعرت بأنني سأعيش معه أياما حلوة دخلت الجامعة وأنا مخطوبة له، وعقد قراننا بعد ثلاثة أشهر في إجازة نصف العام في حفل جميل أقامته أمه لنا..

وصرت أخرج معه كل يوم حيث يأخذني لتناول العشاء في أحد المطاعم الجميلة..

في يوم عقد قراني خطبت شقيقتي لصديق أخي.

طارت شقيقتي فرحا، فقد كان صورة لفارس الأحلام بوسامته وشخصيته الجميلة..

فرحت لها وصرنا نتجهز لحفل عقد قرانها الذي قررا أن يكون هو يوم زواجهما، فلم يكن هناك ما ينتظرانه؛ فهي قد تخرجت من الجامعة وهو لديه وظيفة في أحد البنوك، تزوجا وسافرا لتمضية شهر العسل..

تحدد يوم زواجنا بالصيف بعد أن تبدأ إجازتي الصيفية، صرنا نعد ليوم زواجنا.. نخرج معا لنختار قطع الأثاث والأجهزة التي نحتاجها لبيتنا..

بدأت مع الوقت أكتشف اختلافاتنا وطباعه الصعبة.. عصبيته غير المبررة وسيطرته التي يفرضها علي!! ولا أعرف لماذا يصر في كل مرة أن يقلل من شأني.. كل شيء بي كان مثار نقده؛ لبسي وتصرفاتي وطريقة كلامي.. فزادت خلافاتنا حتى قررنا أن ننهي كل شيء.. وأصبحت مطلقة بلا زواج!!

حزنت أمي لقرار انفصالي ولكن خبر حمل شقيقتي يومها قد خفف شيئا من حزنها.

صارت الحياة كلها تدور حول شقيقتي؛ نجهز لحفل استقبال ولادتها ونعد ملابس المولودة.. حتى جاءت طفلتها الجميلة لتغير حياتنا كلنا؛ تعلقت بها كثيرا فصارت أمي تلقي عليّ بمهام كثيرة تتعلق بها..

خلال فترة النفاس كان عليّ أن أذهب بالطفلة مع زوج شقيقتي للطبيب لأن أمي لن تستطيع أن تترك شقيقتي وتخرج.. وحين انتقلت شقيقتي إلى بيت زوجها وفرت خادمتها، فكان عليّ أن أذهب لأساعد شقيقتي في رعاية طفلتها لأن أمي لن تستطيع ترك مشاغلها فتأتي.. كنت أرى زوج شقيقتي رجلا طيبا وحنونا..

بينما تراه شقيقتي رجلا ضعيفا وسلبيا..

كان شهما ورجل المهام الصعبة التي تلجأ إليه أمي في كل شيء.. بينما يتقاعس شقيقي في أبسط الأشياء؛ تتعطل سيارتي فتتصل أمي به ليأتي لأخذي ويصر هو على إصلاحها.. حتى السفر كنا نسافر معا..

أنجبت شقيقي طفلا آخر لتسخرني أمي لخدمتها هي وصغارها..

نسافر فتذهب للتسوق مع أمي بينما يجب عليّ أن أذهب بالصغار مع أبيهم إلى الحديقة أو مركز الألعاب..

كنت أنا أشعر بسعادة لا أستطيع تفسيرها حين أكون معه.

كنت أجد أشياء كثيرة مشتركة بيننا، نتقاسم الاهتمامات نفسها والأفكار ذاتها، لكنه يظل بالنسبة لي زوج شقيقتي وصديق شقيقي الأكبر..

حتى أنجبت شقيقتي طفلها الثالث وجاءت ككل مرة لتمضي فترة النفاس في بيتنا.. كان اجتماع مجلس أولياء الأمور في مدرسة ابنة شقيقتي الكبرى فطلبت مني شقيقتي أن أحضر الاجتماع مع زوجها.. قالت إنها ترغب في وجودي معه لأنه لن يعرف كيف يسأل ويناقش فهو بنظرها رجلا سلبيا وصامتا..

في ذلك اليوم كنت معه في الاجتماع..

كثيرون هم من كانوا يخطئون بنا ويحسبوننا زوجا وزوجة..

كان ذلك يربكني فتعلو حمرة الخجل وجهي.. بينما ترتسم على وجهه تلك الابتسامة التي أخطئ تفسيرها..

حين غادرنا مبنى المدرسة وركبت السيارة معه

ردد بحزن «ليت ما قالوه كان الحقيقة»

نظرت إليه بذهول لا أصدق الكلام الذي قاله!!

فقال إنه كان يحبني منذ سنوات وكان يحلم بالارتباط بي، لكن خطبتي كان لها وقع الصدمة عليه..

حين قرر أن يتزوج شقيقتي كان يبحث فيها عني، لكنه اكتشف أنها إنسانة أخرى لا تشبهني بشيء.. وحين انفصلت عن زوجي كان كل شيء قد انتهى فقد كانت شقيقتي حاملا في شهورها الأولى..

كانت الدموع تنساب من عيني وأنا لا أكاد أصدق الكلام الذي ينهال على مسامعي..

حين اقتربت من البيت لملمت نفسي وقلت له «أرجوك انس كل كلمة قلتها لي وسأحاول أنا محوها من ذاكرتي»

عدت إلى البيت وأنا أسحب معي حيرتي وخوفي ومشاعر كثيرة لم أستطع أن أتبينها..

لم أعرف هل أخبر شقيقتي التي ستثور وتغضب وقد تهدم بيتها أم أخبر أمي لتتهمني بأنني السبب في كل شيء؟!!

ولم يكن لي سوى الصمت.. أحاول الصمود أمام ضغوط أمي وإلحاحها بالذهاب إلى بيت شقيقي لتزيد النار اشتعالا..

لكن ما يؤلمني ويزيد من حزني أنني أيضا أحببته ولا أعرف إلى متى ستستمر مقاومتي..

اخترنا لك