حكايات حقيقية – رائحة امرأة بقلم آمنة الغنيم

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

دخلت الشقة أحمل حقيبتي معي، أحاول أن أتذكر متى آخر مرة دخلتها.. مضت سنوات طويلة منذ كنت فيها، صرت أمسح بعيني الجدران والنافذة الكبيرة التي تطل على الريجنت بارك، وأسترجع ذكرياتي الجميلة التي أمضيتها بها في لندن.

أمضيت فيها شهرا بعد أن عدنا من شهر العسل الذي أمضيناه في أميركا.

كان زوجي يطهو لي أحيانا وكنت أتفنن في بعض الأكلات، كانت أياما جميلة تمنيت لو أنها لا تنتهي لنبقى فيها معا بعيدا عن العالم والناس، ليس هناك سوانا أنا وهو.

ولكن كان هناك أهلي وأهله وعمله وحياتنا التي يجب أن نعود إليها.. ظلت تلك الشقة تعني لنا الكثير، تلك الشقة التي اشتراها له والده حين كان يحضر رسالة الماجستير في لندن.

أحببت الشقة وأحببت ذكرياتنا فيها، فصرنا نفر إليها بين فترة وأخرى لنسترجع أحلى أيامنا فيها.

حتى حملت وثقلت حركتي وصرت أتعذر عن السفر معه، ثم صار لدي صغار أقلق من أن أتركهم وحدهم فأصر على مرافقتهم لي فيضيق هو من ضجيجهم وصراخهم.

حتى صار يسافر وحده إلى الاجتماعات الخاصة بعمله.

في البداية كان يتصل.. ليبث لي أشواقه، يحدثني عن رائحتي التي يشعر بها في كل زاوية من زوايا البيت، ثم لم يعد يتصل ولم يعد يشكو غيابي عنه.

وحين أعرض عليه أن أسافر معه كان يرد باستنكار: “والعيال.. منو يدير باله عليهم؟”

وحين كبروا وصرت أستطيع تركهم مع أمي أو شقيقتي كان يصحبني معه إلى أي مكان إلا لندن!

وأندهش منه ولكنه كان يقول إنه لم تعد لديه أعمال كثيرة هناك.

ثم صار يتهرب من أن يصحبني معه ويقول إنه سيكون طوال الوقت في اجتماعات ولن يكون متفرغا لي، أو أنه سيصحب بعض الموظفين معه.

أعذار تنبت أعذار لتزرع المسافات بيننا.

حتى صار لي عالمي وصار له عالمه، أسافر مع أهلي أو أبنائي ويسافر هو وحده.

وحين أخبره بأننا سنسافر إلى لندن كان يردد محتجا:

«شتسون هناك؟!»
ويقترح علي مدنا وعواصم أخرى يحاول أن يقنعني بها، فأصر على الذهاب إلى هناك، كان يرضخ لطلبي ولكن كانت ملامح وجهه تشي بضيقه الذي لا أكاد أفهمه.

أطلب منه مفتاح الشقة لنقيم فيها ولكنه لا يعطيه لي، يقول إنها فترة قصيرة فلماذا تفتحون الشقة وتمضون وقتا في تنظيفها، لم يكن يهتم بالمبالغ التي تصرف في الفنادق في الوقت الذي فيه شقتنا هناك.. حتى تعب فجأة وبالتحاليل والإشاعات عرفنا أنه مصاب بالورم الخبيث.

كل شيء كان يجري بسرعة، خوفي من أن أخسره، والترتيبات التي يجب أن تعد لسفره وعلاجه. كنت كمن وقع في غيبوبة تجمد فيها عقلي وتفكيري، وقف الكل معنا من أهل وأصدقاء، صاروا يجرون اتصالاتهم بالأطباء والمستشفيات والحجوزات وسافر إلى لندن ليجري العملية التي سيجريها له واحد من أكبر الأطباء هناك.

وصلنا إلى هناك واتجهنا فورا إلى المستشفى، أدخلته غرفته ثم قررت أن أذهب إلى الشقة لكي أغسل عني تعب السفر ولأغير ثيابي فأعود إليه لأبيت إلى جانبه في المستشفى.

لأول مرة يسلمني مفتاح الشقة، فليس من الممكن أن أحجز غرفة في فندق وأنا لا أعرف إلى متى سنبقى؟ وكم شهرا سنمضيه هناك؟

ولا أعرف لماذا شعرت أنها شقة أخرى غير التي أعرفها، لوحات كثيرة تغيرت والألوان لم تعد نفسها، وديكورات جديدة أضيفت لها وكلها تعكس ذوقا رخيصا يخلو من الجمال، أتساءل متى قام زوجي بكل تلك التغيرات؟ ولماذا وهو لا يمضي بها أكثر من أسابيع خاطفة؟

كنت أشعر برائحة غريبة تتسرب لي من المكان، رائحة تشعرني بالغربة داخل شقتي، الشقة التي كانت تربطني بها أحلى الذكريات.

كل شيء بدا غريبا لي حتى الشراشف والفوط بدت لي غريبة.. ألوانها لا تمت لنا بصلة.

أخذت حقيبة صغيرة لي ووضعت بها ثوبا مريحا وفرشاة أسناني واتجهت إلى المستشفى لأمضي ليلتي هناك معه.

في صباح اليوم التالي عدت إلى الشقة لأغسل بعض ثيابي أنا وزوجي، وفي غسالة الملابس وجدت قطعة غريبة، كانت قطعة داخلية نسائية!

صرت أتساءل بحيرة ما الذي أتى بتلك القطعة إلى هنا؟!

فكرت أن يكون زوجي قد سلف الشقة لأحد أصدقائه من مدة قريبة، وأن القطعة تخص زوجة صديقه، وأنها تركتها سهوا في الغسالة.

أنهيت عملي بسرعة وعدت إلى زوجي لأتابع مع الأطباء الخطوات المتبعة قبل العملية.

بعد يومين تفاجأت بشخص يضرب الجرس حاملا طردا خاصا طالبا مني التوقيع على استلامه، اقتربت من الطرد كان هناك اسم لامرأة لا أعرفها، قلت له لا يوجد أحد بهذا الاسم، ولكنه أكد لي أنه العنوان نفسه.

رفضت استلام الطرد وأغلقت الباب وأنا أتساءل ما حكاية الطرد؟ ومن نادية التي اسمها على الطرد؟

حين عدت إلى المستشفى حكيت لزوجي عن الطرد فرد بلا اهتمام:

«أكيد غلطانين بالعنوان».

تناسيت الحادثة وانشغلت بفحوصات زوجي، فحزني وقلقي عليه يلتهم أي شكوك أو أفكار.

بعد يومين جاءت امرأة إنجليزية وبيدها طبق به قطعة من الكيك وتساءلت:

«ألم تعد نادية بعد؟»

نظرت إليها واجمة فتابعت:

«أنا جارتها حسبتها عادت وجئت لها بقطعة من الكيك الذي تحبه.. غادرتني لتبدأ الصور تتجمع أمام عيني.. رفضه الدائم لاصطحابي معه في سفراته إلى لندن، ضيقه حين أخبره برغبتي في السفر إلى هناك، رفضه إعطائي مفتاح الشقة والحجج التي يسوقها لي كي لا أسكن فيها، وكل ما رأيته خلال وجودي بالشقة يصرخ بوجود امرأة في حياة زوجي!

امرأة أخذته مني كل تلك السنوات حتى صار معي مجرد هيكل إنسان، وعقله وروحه ومشاعره كلها معه.

لم يكن ذلك وقت المحاسبة والعتاب ففي صباح الغد عملية زوجي وليس من الممكن أن أواجهه بأي شيء.

كتمت أحزاني كلها وابتلعت غصتي وبقيت إلى جانبه أتابع حالته، بعد العملية جاءت لزيارته امرأة بوجه يخلو من أي جمال، وجهها المصبوغ وثيابها المكشوفة تبدو أقرب إلى بنات الليل، ولكني عرفت أنها هي من اضطراب زوجي حين رآها، ومن نظراتها الجريئة له..

تلعثم زوجي وهو يقول:

«نادية سكرتيرة الشركة اللي نتعامل معها».

هززت رأسي وصمت، كانت بداخلي أسئلة كثيرة وددت أن أسأله كيف استطاعت واحدة مثلها أن تسرقك مني؟!

كيف أصبحت فريسة سهلة لها تمتص مالك وتسحبك من عالمك؟!

كيف استطعت أن تعيشني في خدعة كبيرة كل تلك السنوات؟

ولكن لم يكن هذا وقت اللوم والعتاب، كان وقتها بحاجة لكل تعاطفي واهتمامي.

نجحت العملية وتقرر له جلسات من العلاج الكيماوي كعلاج وقائي بعد العملية، أمضيت معه فترة العلاج وأنا أكتم ألمي،

حتى تشافى تماما فسمحوا بعودتنا.

في المطار كانت أسرته وأسرتي في استقبالنا.. كانت الفرحة تقفز من وجوههم وأنا يختلط فرحي بألمي، بكيت ولم يعرفوا إذا كانت دموع فرح أم ألما!

بدأ الناس بالتوافد على البيت لتهنئتنا على سلامته، أرسم ابتسامتي، أقدم لهم الحلوى والقهوة وأنا أكتم حزني. بعد أن انفض الناس انسحبت في هدوء، لم أثر ضجة حوله، ولم أخرج من البيت ولم أطلب الطلاق، خصصت لي جناحا في الطرف الآخر من البيت وجعلت لي مدخلا خاصا معلنة له انفصالي عنه.

لم يسألني عن تصرفي هذا، بدا وكأنه فهم كل شيء ولم أسأله بدوري ولم أعاتبه أو ألمه، فلماذا ألوم أو أعاتب بعد أن ماتت كل مشاعري تجاهه؟!

اخترنا لك