أزواج تخلوا عن واجباتهم.. وزوجات من الواقع

بقلم آمنة الغنيمأحمل طفلي الذي ينتفض من المرض.. أدخل به قسم الطوارئ في المستشفى الكبير الذي يزدحم بالمرضى رغم الساعة المتأخرة من الليل.

أكاد أبكي وأنا أحمل طفلي بيد ويد أخرى أنبش في حقيبتي عن البطاقة المدنية لأناولها لموظف الاستعلامات.

أحمل طفلي وأجري به إلى الطبيب.. طلبت مني الممرضة الانتظار ريثما ينتهي الطبيب من المريض الذي معه.

حملت طفي وجلست على مقاعد الانتظار.. سحبت هاتفي النقال من حقيبتي وحاولت الاتصال بزوجي للمرة العاشرة ولكن الصوت الكئيب ينخر مسامعي في كل مرة:

“الهاتف مغلق أو خارج منطقة التغطية”.

دائماً يغيب حين نكون في أمس الحاجة له.

يغلق الهاتف حين يكون في إحدى سهراته في إحدى الشاليهات أو الشقق المشبوهة.

أسخر من نفسي وبمحاولاتي للاتصال به.. فماذا لو رد على مكالمتي فهل سيترك عالمه ويأتيني جريا من أجل طفله وليقف معي بتلك اللحظات التي أنا في أمس الحاجة لها؟!

وإن قرر أن يترك سهرته ويأتي فهل سيأتي في حالته الطبيعية؟! أم سيأتي وهو يترنح سكراً ليحرجني أمام الناس فيزيد من ألمي وحزني؟!

أسترجع بذاكرتي المرة الأخيرة التي اتصلت به ليأتي ليفتح باب الشقة بالمفتاح الذي معه بعد أن أسقط طفلي مفتاحي في فتحة المصعد.

انتظرته طويلا أمام باب شقتي حتى جاء يتطوح سكرا يشتم ويسب كل من يراه أمام وجهه.

تمنيت أن أختفي عن عيون الناس كلهم حين رأيت سكان الشقق الأخرى يفتحون أبوابهم ليتطلعوا عليه بذهول واستنكار.

شعرت برغبة في البكاء وأنا أرقب زوجي وهو يستدير نحوهم ويشتمهم.

بصعوبة شديدة استطعت أن أقنعه بأن يدخل معي باب الشقة.. وندمت على اتصالي به.. نومي على عتبة الباب كان أرحم من الفضيحة التي سببها لي ليلتها.

قررت لحظتها ألا ألجأ إليه مهما كان السبب، فزوجي الذي يبدو صامتا وخجولا يتحول إلى أسد حين يشرب، يرى نفسه فوق الناس كلها وعلي أنا أن أتحمل جنونه وهذيانه كل مرة.

في صباح اليوم التالي يصحو وكأنه شخصا آخر متناسيا كل ما بدر منه في الليلة الفائتة، وعلي أنا أن أتحمل وحدي آثارها.

همساتهم حولنا، نظراتهم التي تحمل لي أشياء هي مزيج من الذهول والفضول.

كنا بالنسبة لهم عرضا مسرحيا مكشوفا.

البعض كان يحمل لي شيئا من التعاطف.. كلمات أسمعها بلا مقدمات:

“الله يساعدج”.

“الله يعينج”.

تؤلمني كلماتهم.. تشعرني دائماً أنني غير عن الآخرين لأن لي زوجا مثله.

أحدهم حاول أن يتسلل لي مستغلا ظروفي.. ركب معي صدفة بالمصعد، وصار يحكي لي عن تعاطفه معي وأن إنسانة جميلة مثلي لا تستحق رجلا مثله وأنه مستعد أن يكون بجانبي في أي وقت أحتاجه به.

مد لي برقم هاتفه ولكني تجاهلته ومضيت وأنا أكتم بكائي الذي انفجرت به ما إن أغلقت الباب ورائي.

إلى هذه الدرجة أصبحت صيدا سهلا بنظر الآخرين مستغلين حياتي مع رجل نصف مجنون.

لم أكن أستطيع أن أخبر زوجي.. أعرف بأنه سيصمت ولن يعلق بشيء وسيأتيني ثملا من إحدى سهراته ليهذى بكل شيء ويفضحني أمام سكان العمارة كلها.

لا أستبعد أن يتورط بقتله وهو في إحدى نوبات سكره.

ولكني اليوم تناسيت كل شيء واتصلت به.. مرض طفلي المفاجئ وحالة اليأس التي انتابتني جعلتني أتصل به رغم أنني أعرف بأنه لن يرد علي.

أفقت من أفكاري على صوت الممرضة تنادي باسم طفلي.. أسرعت نحوها أحمل طفلي.. كشف عليه الطبيب وأعطاه حقنة وطلب أن أنتظر بالخارج ليتأكد من انخفاض درجة الحرارة.

خرجت لأجلس على مقاعد الانتظار.. أحضن طفلي بيد وباليد الأخرى أمسك بالكمادات على جبينه.

فجأة أفقت على صوته.. الصوت الذي لا أخطئه.. البحة ذاتها والدفء الذي يسربه.

كان يحمل طفلة جميلة وامرأة قربه تبدي لهفتها عليها.

كان يغمر طفلته بحنانه ويحضن كف زوجته مرددا

“لا تخافي حبيبتي”.

“انشالله ماكو إلا الخير”.

هدأت كلماته من خوفها وقلقها.. بينما فجرت تساؤلاتي

ترى هل هي زوجته؟!

أتكون هذه طفلته؟!

لم يلتفت نحوي بدا لاهيا مع أسرته.

نادت الممرضة اسم الطفلة التي تحمل اسمه وحملها ومضى دون أن ينتبه لوجودي.

تساقطت الصور على مخيلتي.

خمس سنوات مضت منذ ذلك اليوم الذي بدا بعيداً ببعد جرحي.

اليوم الذي رفضه أهلي لأنه لا يناسب اسم العائلة ولا وضعها.

لم تسمع أمي لتوسلاتي يومها حين قلت لها إنه زميلي الذي أحببته وأحببت شخصيته الجميلة وثقافته وكل شيء فيه.

ولكنها لم تسمعني.. كلمتني يومها عن أسرته المغمورة والبيئة التي ينحدر منها والتي لا تتناسب معنا.

ولم تسمح له كرامته وكبرياؤه أن يستمر بعلاقته بي بعد أن رفضوه وقرر أن ينهي العلاقة.

تقدم لي زوجي ابن العائلة الكبيرة العريقة التي فرحت بها أمي.

كانت تتباهى بخطبتي بين الناس.. وانشغلت أنا بالخطوبة والفرح حتى أفقت بعدها على حقيقة ذلك الزواج الذي لم يذيقني سوى المرارة والأسى.

نزلت حرارة طفلي.. حملته ومضيت.. لم أكن ليلتها أرغب في أن أرى وجهه.. اتجهت بسيارتي نحو بيت أهلي.. قلت لأمي – حين تفاجأت بي – إن طفلي مريض وأخاف أن تسوء حالته وأنا بشقتي وحدي.

 حين صرت وحدي مع أمي حكيت لها عما رأيت.. قلت لها استهزأت به وباسم عائلته وبيئته!

ولم تريه اليوم وهو يحتوي طفلته وزوجته بحنانه.. وفرحت بابن العائلة الكبيرة.. وأين هو الآن؟! لاهيا بسكره وسهره.

نظرت إليها بأسى وأنا أتسأل:

ألم أكن اليوم في مكان زوجته أحظى بدفئه وحنانه؟!

اندفعت أمي تردد:

” تعوذي من إبليس”.

“هذا نصيب وهذا اللي الله كاتبه”.

ولكنني كنت ساخطة عليها وعلى اختيارات حياتي التي دفعت بي لهذا المصير.

اليوم التالي وجدت نفسي أدير رقمه الذي مازال مطبوعا في ذاكرتي.

فرحت حين رد وشعرت بخيبة مريرة حين لم يتعرف على صوتي.

قلت له إنني رأيته في المستوصف مع طفلته وأحببت أن أطمئن عليها.

شكرني وأنهى المكالمة سريعا.. قال لي إنه متزوج الآن ولا يرغب أن يجرح زوجته.

أنهيت المكالمة والدموع تملأ عيني وحملت طفلي واتجهت إلى زوجي وإلى همي وجرحي.

اخترنا لك