حكايات من الحياة بقلم داليا محسن

داليا محسن

بحضن الجبل عرفت أنني من الصقور (1-2)

يتيم أنا خرجت للدنيا كابن لأب لم أره يوما، فقد تم قتله لأخذ الثأر من عائلته وأنا لا أزال جنينا بالشهر السادس، لذا عندما بدأت أفقه الدنيا لم أجد بقلبي أي غضاضة على يتمي. ومن ساعدني على المزيد من عدم اللامبالاة بوضعي عمي الأخ غير الشقيق لوالدي، فهو الذي أخذ مكان أبي منذ نعومة أظافري، فكان ينفق علي ويرعى كافة شؤوني مع أمي حتى بلغت العاشرة من عمري. ووقتها جلس معي جلسة رجل لرجل صرح لي فيها بأنه قد حان الوقت لأتحمل مسؤولية نفسي وأمي كرجل البيت. وطبعا فرحت بكلامه فسألته عن المطلوب حتى أقوم به فورا، فأخبرني أن المطلوب أن أحضر نفسي لأنني سأظل عاما كاملا بمعسكر للتدريب سيكون به رجال بنفس عمري سيتدربون مثلي على التحول من أطفال إلى رجال ملء العين. علما أنه طوال ذلك العام لن نخرج من المعسكر ولن نرى أهالينا حتى يأتي وقت التخرج، وبعد ذلك سنبدأ بتنفيذ المهام المطلوبة والتي لم يخبرني بها.

ثم أنهى الحديث بأن بشرني بأنني خلال التدريب سأنال راتبا محترما سيتم تحويل ثلثيه لأمي حتى أثبت لها أنها أنجبت رجلا قادرا على إعالتها، أما ما تبقى من الراتب فسيكون لي حرية التصرف به فور خروجي من المعسكر. وبالطبع وافقت بعدما شعرت بأنني فجأة قد نبت لي شنب وذقن وتحولت من طفل لرجل ومشيت على الأرض وكأن ما عليها مثلي، ثم عدت لأمي لأخبرها بما اتفقت عليه مع عمي فوجدتها على علم، والبشرى تطفح على وجهها ومعها أخريات من نفس القرية وغيرهن من القرى المجاورة وكلهن يتحدثن عن بشرى انضمام أولادهن الذين بلغوا العاشرة من العمر إلى “صقور الجبل”!

وطبعا لم أعرف مَن “صقور الجبل” وما عملهم إلا بعد فترة طويلة، لذا وقتها اكتفيت بالاحتفال مع أكل الحلوى التي وزعتها نساء القرى علينا وعلى بعضهن البعض.

وبعد ثلاثة أيام جاء عمي ومعه بعض رجال القرى المجاورة، وكذلك بعض الغرباء غير المعروفين لأحد، وأخذونا جميعا بعد وداع أهالينا إلى المعسكر الذي اكتشفت بأنه مجرد كهف بجبل يبعد كثيرا عن العمران. ولقد كان الوضع بالبداية يحمل الكثير من الرهبة نظرا لوجود عدد غير قليل من الرجال بملامح خشنة قاسية، يحملون أسلحة من مختلف الأنواع، وهو مشهد لم أره من قبل طوال حياتي القصيرة.

لقد مضت أول ليلة بصعوبة بالغة علينا جميعا، وبفجر اليوم الثاني أتى المدرب ليوقظنا من النوم الذي لم ننل القسط الكافي منه وذلك لنخرج إلى مكان واسع بحضن الجبل. وقفنا لتلقي التعليمات والإرشادات ومنها أن لنا وجبة واحدة بالنهار وأخرى بالليل، وأن التدريب سيستمر يوميا منذ الفجر وحتى وقت العشاء، وبعدها النوم إجباري، وأن الخطأ الأول عقوبته الضرب باليد والثاني عقوبته الجلد، أما الثالث فعقوبته أن نترك لكلاب الصحراء لتنهش بأجسادنا على أن تتم نجدتنا قبل موتنا مباشرة.

 بمعنى لا مجال للخطأ وإلا فالثمن فادح وكان لهذا الكلام أكبر الأثر بوقوع الرعب بقلوبنا، خاصة بعدما تأكدنا بأنه لا مجال لطلب النجدة من الأهل الذين أصبحوا يبعدون عنا مئات الكيلو مترات، ثم انتهت التعليمات والإرشادات بنبأ أن المتفوق فينا سيكون له وضع خاص بكل شيء بدءا من الأجر المرتفع عن باقي الأجور ومرورا بحصوله على مكافأة تفوق، وانتهاء بتقلد منصب القائد على باقي المجموعة، وانتهى ذلك اليوم بحفل بسيط غنى فيه من يستطيع الغناء وضحكنا فيه جميعا لغياب العلم بما يخبئه لنا الغيب، ثم تناولنا وجبة دسمة وبعدها ذهب كل منا إلى مخدعه المكون من مرتبة وغطاء بسيط بغرفة جماعية بكهف صغير في قلب الجبل. فأمضينا أكثر من نصف الوقت بالارتعاد من شدة البرد القارس، وبعدها من التعب نمنا ساعات بسيطة انتهت بوصول المدرب لإيقاظنا حتى نبدأ التدريب،

وبدأنا اليوم الثاني بحمل ما يفوق أثقالنا بمحاولات أجبرنا عليها، فكان لهذا أثر بالغ، منه وجود بعض حالات الكسور ومنه إصابة أحدنا بخلع كتفه، ومنه إصابة بالعمود الفقري لآخرين ومنه بكاء البعض لعجزه عن حمل تلك الأثقال مع استسلامه التام للضرب، وبعدها مطالبته بالعودة لعائلته وانتهى اليوم بعمل التصفيات الأولية، فبقي بالمعسكر سبعة عشرة طفلا من أصل اثنين وثلاثين، أما الباقي فغادروا ليعالج المصاب منهم وليعود الضعيف الجبان إلى عائلته، وبثالث يوم بدأت التدريبات تأخذ شكلا جديدا هادئا مرنا ومن هنا عرفنا أن تجربة اليوم الثاني كان المقصود منها بيان المستحق لإكمال التدريب حتى التخرج من الضعيف الذى لا يستحق جهد تدريبه وثمن تعليمه مهنة ستجعل صاحبها من الأثرياء بقريته، ومن المختارين الذين لا يحصلون على هذه الفرصة إلا كل عشرين عاما،

ولقد بدأ وانتهى تدريب اليوم الثالث على معرفة أنواع السلاح وتأثير كل منها بجسد الضحية ومرت أسابيع حتى انتهى ذلك التدريب، والذي تفوقت به بجدارة مما أهلني لنيل مكافأة مجزية أرسلتها كلها لأمي ثم بدأنا بثاني تدريب والذي حمل مفاجأة قاسية لي.. يتبع إن شاء الله.

ردود خاصة:

د. أسماء صفي الدين – الدوحة

شكرا على متابعتك وتواصلك وبعد، أرى أنك بفضل الله قد أحسنت الاختيار، لذا لا داعي أبدا لكل هذا القلق العائد على ما يبدو لطبيعتك غير المحبة للمجازفة، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فتمتعي باللحظة الراهنة ودعي المستقبل لله بعد الاستخارة للمزيد من الاطمئنان الذي لا يناله القلب إلا بذكر الله، مع تحياتي.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك