حكايات من الحياة بقلم داليا محسن

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

داليا محسن

بموت أمي كسر أخيرا حاجز الصد

(1-2)

لن أبدأ قصتي قائلا إنني ندمان حزين والبكاء يملأ عيني ولا أنام الليل وغير ذلك من الكلام الذي يدل على مدى حزني، لأنني أرى أن كل هذا الكلام لا يساوي شيئا مقابل مشاعري الحقيقية.

فهيا معي لأعود معكم سنوات طويلة للوراء عندما كنت طفلا صغيرا عمري ثلاث سنوات، تحيطني أمي برعايتها وينساني أبي من ذاكرته، فلا يهتم بي ويتعامل معي وكأنني غريب جاءه زائرا غير مرغوب به، وهو ما كنت أشعر به كثيرا حينما أحاول الاقتراب منه كأي طفل، فلا أجد منه إلا البرود الثلجي،

وهذا كل ما أذكره عنه بطفولتي والذي غاب سريعا بعقلي الباطن بعدما وقع الطلاق بينه وبين أمي بناء على طلبها بعدما رفضت الحياة مع إنسان لا يملك دينا أو ضميرا أو أية إحساس بالمسؤولية وهو ما كانت تردده على مسامعي على مدى سنوات طوال كبرت بها  وأنا أتساءل يوميا: لماذا تم الطلاق؟

 لماذا قبلت بلقب مطلقة؟ لماذا لم تتحملي من أجلي؟ لماذا كل الأبناء لديهم والدان مستقران بعائلة وأنا وقلة مثلي أعاني من أنانية أم ظالمة  حرمتني من بيت مستقر؟ وغير ذلك من الاتهامات التي لم أكن أتوانى عن اتهامها بها بسبب وبلا سبب، فقد كانت أمي |إنسانه قوية الشخصية حريصة على تقويمي وتعليمي الأخلاق والتدين والسلوك الحسن ووضع هدف ثابت على ألا أتوانى عنه وهو: التفوق العلمي.

وهذا ما كانت نفسي العاصية ترفضه بإصرار عملا بمبدأ: إن كانت إنسانة ناجحة وقادرة على إنجاح أي أمر برأيها السديد كما تظن، فلماذا فشلت في إنجاح زواجها؟!

وعلى هذا المنوال كانت علاقتي بأمي سنوات طوال حرصت فيها على تعذيبها بنفس الوقت الذي كنت أحاول به مرارا وتكرارا أن أتقرب من والدي وأن أذهب للإقامة معه بالفيلا التي يقيم بها والتي لا تقارن ظاهريا بالشقة الحقيرة التي أقيم بها مع أمي وذلك حتى أتى يوم جاءت به نتيجة امتحانات العام الدراسي بالجامعة، مظهرة رسوبي ووقتها أبلغت أمي ببرود أعصاب بالنتيجة نفسها التي أبلغتها إياها على مدى ثلاث سنوات سابقة مع إضافة خبر طردي من الكلية لأنني تجاوزت سنوات الرسوب بالعام الأول الجامعي، وفجأة لسبب لم أفهمه وقتها وجدت أمي تصرخ بصوت مفزع وتلطم صدغها فتركتها تفعل ما تشاء ودخلت غرفتي أتحسر على غياب والدي عنى وأرفع صوت أغنية من الأغاني التي أحب متابعتها وبعد ساعات استمعت فيها لأغان وتحدثت مع أصدقائي على النت وبعدما نمت قليلا، جاء الوقت الذي شعرت فيه بالجوع فقررت أن أخرج لطلب الطعام منها مع تجهيز نفسي لتحمل كلماتها المملة مرة أخرى على طريقة: “مجبر أخاك لا بطل”

ولكن عند خروجي من غرفتي فوجئت بأمي ملقاة على الأرض فاقدة للوعي فقمت بمحاولات لإفاقتها وعندما لم أستطع فعل شيء ذهبت مسرعا للجيران لطلب المساعدة، وبناء على ذلك جاءت الإسعاف ومنها للمستشفى ليأتي بعد قليل تقرير الطبيب الصادم وهو أنها قد أصيبت بنوبة ضغط عال أدى لجلطة بالمخ أدت إلى إصابتها بشلل كامل نتيجة للتأخر في تدارك الحالة.

وبامتعاض شديد تقبلت ما قاله الطبيب لأن هذا يعني أن علي أن أتحمل مسؤوليتها وربما رعايتها بشتى طرق العناية ومالي أنا وهذه المسؤولية العجيبة، ألا يكفيني هم نفسي؟!

ولهذا وبعد أيام قليلة من إعادتها للمنزل ومع تركي المستمر لها وعدم رعايتي لاحتياجاتها وكذلك لعدم وجود من يرعاها غيري لأنني لم أهتم بإبلاغ عائلتها لأنهم جميعا مثلها مملون لا أحبهم ولم أحب يوما تدخلهم بحياتي عندما ينصحونني بالمذاكرة أو الصلاة أو غير ذلك مما يقوم به مغلقو العقول أمثالهم.

ولهذا كله ماتت أمي أمام عيني عندما دخلت إليها بالمرة الوحيدة التي كنت أجبر نفسي بها على الدخول لغرفتها يوميا وكنت وقتها  أصرخ بها قائلا: أنت لم تسببي لي إلا التعاسة والهم، فقد حرمتني من حب وحنان والدي ومن البيت المستقر

 والآن حرمتني من الراحة والحياة بمنزل نظيف به ملابس نظيفة وطعام معد ومكان منظم نظيف فما فائدتك بحياتي يا جالبة التعاسة والهم؟

ووقتها أذكر بأنها أغلقت عينيها، وهما الشيء الوحيد الذي كانت قادرة على تحريكه، فاقتربت منها مرغما لإسقائها شربة ماء، ولكنني فوجئت بأن الماء يخرج من فمها ولا تستطيع ابتلاعه فحاولت أن افتح عينيها فلم أجد أي استجابة ومن جديد ذهبت للجيران وهنا عرفت منهم بأنها فارقت الحياة.

وبهذا حمدت الله لأنني تخلصت من همها وعبئها وأسأل الله أن يحاسبها على ما فعلته معي وتقصيرها الشديد.

 وكانت هذه الكلمات هي التي دارت بعقلي أثناء ذهابي للمرة المائة لوالدي بعد دفن أمي وأنا أحمل بقلبي أملا بأن موتها سيكون سببا لكسر الحاجز بيني وبينه.

يتبع .

ردود خاصة

جابر عبدالحميد الشوان ـ الإسكندرية

شكرا على المتابعة والتواصل وبعد, أخي الكريم أرجو أن تعيد تقيم الموقف، لأن الخسائر شديدة وسيدفع ثمنها ناس لا ذنب لهم أبدا بسوء تقديرك في البداية، وهو ما قلته أنت بنفسك عن قرارك السابق وأوافقك عليه، كما أرجو أن ترسل لي بعض التفاصيل الإضافية حتى يكون ردي عليك وافيا كما طلبت والله المستعان مع تحياتي.

اخترنا لك