حكايات من الحياة بقلم داليا محسن

داليا محسن

بيدي حفرت قبري وأشعلته نارا

(1-2)

وقفت على القبر أثناء مراسم دفن أمي الحبيبة وأحزان الدنيا تلف رأسي وذكريات مؤلمة تنهش قلبي وعقلي، تذكرني بمدى الألم الذي تحملته أمي على مدى ثلاث سنوات بعد إصابتها بالمرض اللعين ونفس الألم ولكن بدرجة أقل الذي  تحملته وأنا أراها تذبل أمامي كما الزهرة بأواخر عمرها.

وذكرتني دموعي الحارقة المنهمرة قهرا على الفراق بدموعها التي لم تكن تتوقف من شدة الألم ومن الحزن على حالي من بعدها أنا ابنتها الوحيدة، ومرت ساعات قليلة علي وأنا بتلك الحالة حتى أرغمني أبي على تركها بمفردها بذلك المكان الموحش بعدما أظلم، وبعد ذهاب كل واحدا إلى حال سبيله ماعدا خالتي التي أصرت على البقاء بجواري وعدم تركي لأحزاني ومرت بعدها الأيام ثقيلة موحشة كئيبة، كان كل ما فيها يذكرني بأمي، فبغرفة المكتبة كانت تساعدني على استذكار دروسي وكذلك تقرأ لي بعض ما اشتهر ذكره من الأدب العالمي ثم مناقشة ذلك حتى نخرج برؤية غالبا ما كانت تختلف تماما عما قرأناه.

وبغرفة الطعام كانت تطعمني بيدها وأنا صغيرة وتحرص على أن أتناول طعامي قبل الجميع بعدما كبرت، وبغرفة نومي كانت تتلو علي آيات القرآن الكريم قبل النوم، لكي يطمئن قلبي وتهدأ نفسي ولا تصيبني الكوابيس، وبها كانت تساعدني على ارتداء ملابسي حتى بعدما كبرت وأصبحت لا حاجة لي بمساعدتها، وكانت تجلس بجوار فراشي حتى أغلق عيني وبعدها تنسحب بهدوء تاركة عبيرها الفواح خلفها يشعرني بوجودها رغم الغياب.

وبغرفة نومها أذكر إصراري على النوم بجوارها بالكثير من الليالي بأي حجة، ورغم غضب أبي ورفضه المطلق لطلبي إلا أنها بحنانها الجميل كانت تغير رأيه لينتصر بالنهاية حنانها، وبشرفة المنزل أثناء احتساء الشاي أو العصائر أو تناول وجبة خفيفة، كنا نراقب أنا وهي الصبية الصغار يلعبون والباعة الجائلين يمرون وسيارة أبي حين يعود للمنزل ومعه يكتمل الجو الأسري الذي كنت أتمنى أن أدفع ولو نصف عمري حتى يعود من جديد، ولكن قدر الله وما شاء فعل، وهنا فقط كنت أخرج من حقيبة الذكريات لأعود للأمر الواقع مع دموع لا تنقطع، وبمنتصف الأحزان بدأت ألاحظ اهتماما شديدا من خالتي بأمري أنا وأبي للدرجة التي جعلتها تترك منزل العائلة للإقامة معنا، رغم رفض جدي وجدتي لهذا الوضع الشاذ، ولكن مع إصرارها رضخوا بشرط أن تظل معنا لفترة بسيطة يكون عليها فور إنتهائها العودة للإقامة معهم، ولكن ما ظننته مثلهم مؤقتا بدأت أوقن بأنه أمر دائم، فقد رأيتها تحضر شنطة بها كافة احتياجاتها ثم تضعها بترتيب المقيم بغرفتي وكأنها ستشاركني بها للأبد ثم بدأت تغير بنظام المنزل وهو الأمر الذي أثار عصبيتي وجعلني للمرة الأولى أتشاجر معها بل وأتطاول عليها بالكلام الجارح، لأنني شعرت بها وكأنها تريد محو كل ذكرى ولمسة لأمي بمنزلنا وانتهى الأمر بعودة كل شيء إلى حيث وضعته أمي الحبيبة قبل وفاتها، مع تأكيد خالتي علي أنها ما أرادت إلا مساعدتي على الخروج من الجو الحزين، فكان ردي: إن ظننتي يوما بأن تغيير نظام المنزل به سأنسي أمي فأنت تقيمين بوهم عظيم.

ثم بدأت أنتبه إلى أنها تضع نفسها مكان أمي من حيث الرعاية والاهتمام بي، فكما كانت أمي تهتم بطعامي فعلت مثلها وكما كانت تناقشني بكل شيء قلدتها، وكما كنت محور الاهتمام الأساسي بحياتها هكذا أصبحت بالنسبة لخالتي، وإلى هنا كان الوضع شبه مقبول، ولكن بعدما رأيت نفس الاهتمام تصبه خالتي نحو أبي من حيث الاهتمام بطعامه وشرابه وملابسه وتنظيم كل ما يتعلق به بالمنزل، هنا وقفت كما الوحش الجريح الذي يدافع عن بيته بكل ما يملك، وبدأت أتجاوز كل الحدود للدرجة التي جعلتني أتصل بجدي لأطالبه بمنتهى الوضوح بالحضور لاصطحاب ابنته خارج منزلنا، وعندما سألني عن السبب متعجبا من سلوكي لم أقل الحقيقة بالطبع، بل افتريت أكاذيب من عقلي كانت تسيء لسمعة خالتي بشكل جارح ومهين، وعلى الفور جاء جدي وعند مواجهتها بما قلت أنكرت كل شيء وللمرة الأولى أري دموعها تنزل بغزارة وهي تقول: لماذا أنا أحبك وما أردت إلا الخير لك، فأمك أغلى الناس عندي، فهي من ربتني واهتمت بي مع أمي منذ الصغر، لذا معاملتي لك ولوالدك هي جزء من رد الجميل، فلماذا لا تعقلين ذلك؟!

وبمنتهى القسوة والقوة أصررت على كلامي مع مزجه بالدموع والصراخ حتى لا أعطي لجدي إية فرصة لمراجعة كلامي أو تكذيبه، وبالنهاية خرجت خالتي منكسة الرأس وكلام جدي المهين يجلدها على جرائم لم تقم بها، وعندما أغلقت الباب وراءهما أخيرا هدأ قلبي وعدت لذكرياتي مع أمي، وأنا لا أعلم بأنني بيدي حفرت قبري وأشعلته نارا لن تطفأ.

 يتبع إن شاء الله.

ردود خاصة:

السيدة: نهاد صفي الدين – العين

شكرا على المتابعة والتواصل وبعد، يقول المثل: “الصديق وقت الضيق” وهو نفسه برأيي ما ينطبق على الزوج الذي إن ترك زوجته بوقت الضيق والشدة لا يجب أبدا أن نعفو عن هذا التقصير الذي يمكن أن نقبله من الغريب، أما القريب الحبيب “الزوج” فلا، لأنه هكذا بيده يكون قد محي الحب وقتما فضل الهروب والتخاذل بدلا من المشاركة والعون والتضحية بلا حدود وقت الشدائد، والخلاصة أتمنى أن تري الحقائق بين السطور والله المستعان.

صفحة جديدة 1

اخترنا لك