Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

مفتي الديار المصرية السابق د.علي جمعة

 

د. علي جمعة

مواقف لا تنسى في حياتي..!

خالد السيد حاور مفتي الديار المصرية السابق د.علي جمعة، الذي تحدث معه حول أصعب المواقف والذكريات التي مر بها في رمضان..

في إطار هذا الموضوع كان لنا الحوار التالي..

*بما أننا صرنا في نهاية رمضان وعلى أعتاب ختم القرآن فيه حدثنا عنه باعتباره شهر القرآن والعبادة والصدقة؟
** رمضان.. شهر القرآن، وشهر العبادة والذكر والصدقة، شهر الرحمة والمغفرة، وهو سيد الشهور كلها. اختصه الله تعالى بالخير العظيم، فأكثر فيه من الغفران، ومحو السيئات، وإقالة العثرات، ورفع الدرجات ومضاعفة الحسنات، واستجابة الدعوات، ونجي فيه من النار كثيرًا، فعم فيه الخير واليمن والبركات، وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، لذا علينا أن نستغل هذا الشهر الكريم في العبادة والطاعة.

* مع اقتراب استطلاع رؤية هلال شوال.. فما حكم الشرع في الدولة التي لم يظهر بها الرؤية دونا عن غيرها؟
**المنصوص عليه فقها الذي عليه أكثر المشايخ أنه لا عبرة باختلاف المطالع في إثبات رؤية الهلال، وأنه إذا رأى الهلال أهل بلد لم يره أهل بلد آخر يجب على أهل البلد الآخر الذين لم يروا الهلال أن يصوموا إن كان هلال رمضان أو يكون العيد إن كان هلال شوال. قال الكمال بن الهمام الحنفي صاحب فتح القدير رحمه الله: وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب لعموم الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام (صوموا) معلقا بمطلق الرؤية في قوله (لرؤيته) وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية فيثبت ما تعلق به من عموم الحكم فيعم الوجوب.
وماذا أيضا؟!

وقيل يختلف باختلاف المطالع لأن السبب الشهر، وانعقاده في حق قوم للرؤية لا يستلزم انعقاده في حق آخرين مع اختلاف المطالع وممن قال باعتبار اختلاف المطالع الشافعية جاء في المجموع شرح المهذب ما ملخصه: وإن رأوا هلال رمضان في بلد ولم يروه في آخر، فإن تقارب البلدان حكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف، وإن تباعدا فالصحيح أنه لا يجب الصوم علي أهل البلد الآخر، والتباعد يكون باختلاف المطالع، والتقارب ألا تختلف. ونحن وإن كنا نميل إلى ترجيح الرأي القائل إنه لا عبرة باختلاف المطالع لقوة دليله ولأنه يتفق مع ما يقصد إليه الشارع من وحدة المسلمين وجمع كلمتهم. وأنه متى تحققت رؤية الهلال في بلد من البلاد الإسلامية يمكن القول بوجوب الصوم على جميع المسلمين الذين تشترك بلادهم مع بلد الرؤية في جزء من الليل إلا أننا نؤكد أن المسألة من الفروع الخلافية التي يجوز الأخذ بأي من القولين فيها.

إخراج فدية

*ما حكم من أفطر في رمضان لعذر ومات قبل زواله؟
**من أفطر في شهر رمضان لعذر من الأعذار ثم مات قبل زوال هذا العذر سقط عنه القضاءوإن زال العذر قبل موت الشخص بمقدار يسع قضاء ما فاته من الصيام لزمه القضاء، ولا يسقط عنه بالموت. ولا يلزم من أفطر في شهر رمضان لعذر أن يوصي ورثته بإخراج فدية، ولو أوصاهم بإخراج فدية فهو من قبيل التصدق. ورأى الجمهور أنه لا يصام عن الميت مطلقا، ولكن يطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينًا؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا أخرجه الترمذي وابن ماجه.

عملية جراحية

*ما أصعب المواقف التي لا تنساها في شهر رمضان؟

**اضطراري للإفطار في رمضان مرتين بسبب المرض  وشعرت بالحزن الشديد حين أمرني الطبيب بالإفطار وأنا صغير، حيث أصبت بالحمى ورفضت الإفطار في البداية، وكنت أقول للطبيب إن الحرارة والسخونة ستعطيني طاقة إضافية لتحمل الصيام، ولكن أصر الطبيب حتى أتمكن من أخذ جرعات العلاج، واستجبت في النهاية، ولكن كان هذا الأمر مؤلما وشاقا على نفسي، أما المرة الثانية التي اضطررت للإفطار فيها، فكان بسبب إجراء عملية جراحية في شهر رمضان.

معجزات الأنبياء

*كيف أثرت القراءة والاطلاع عن رؤيتك لما يحدث في شهر رمضان؟

**الليل في الإسلام له منزلة كبيرة، فقد أقسم الله به للدلالة على عظم شأنه وتأثيره على الكون، وقد ورد ذكر الليل في القرآن اثنتين وتسعين مرة، وفيه حدثت الكثير من معجزات الأنبياء كنزول القرآن والإسراء والمعراج ومناجاة الله لسيدنا موسى، وكان نبينا الكريم يعرف فضل الليل حتى قبل بعثته، فكان يتعبد في الغار ليلا، وبعد بعثته كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه. وقد نزل القرآن في الليل لذلك فالقرآن يحب الليل، وحبه لليالي رمضان والعشر الأواخر منه أشد، ولذلك يحثنا ربنا على قراءة القرآن والقيام به في الليل، ويعد النفوس التي تتبع ذلك بالثواب العظيم، والنجاح في السعي والإجابة للدعاء، فهل نترك كل هذا الفضل لنضيع أوقاتنا وأعمارنا وليالي رمضان الغالية فيما لا ينفع.

الراحة النفسية
*أشهر العادات الرمضانية لكم؟
**أحاول إحياء ليل رمضان بالقرآن والذكر والدعاء، حيث ينزل الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، أما نهار رمضان ففيه السبح الطويل، حيث نزاول أعمالنا ونحافظ على صلواتنا وندرب أنفسنا على الصمت، فهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، فالصيام فرصة لتدريب النفس على تقليل الكلام والطعام والمنام والأنام وهذه هي الحكمة من الاعتكاف الذي هو فرصة للخلوة مع الله للتدبر والتفكر والراحة النفسية.

*متي بدأت الصيام في صغرك؟

**أتذكر أنني بدأت الصيام وأنا في سن الثامنة أو التاسعة من عمري، وكنت وقتها في الصف الثالث الابتدائي، وأحمل ذكرى عن هذا العام لا تزال محفورة في ذهني، حيث جاءتنا هدية في نهار رمضان عبارة عن خبز وفطائر ساخنة، فنسيت أني صائم، وجلست آكل من هذا الفطير حتى شبعت، وكان أبي يجلس أمامي ويتابعني حتى انتهيت من الأكل دون أن يذكرني أو ينبهني أنني صائم، وبعدها نظر إلي وابتسم قائلا: هاه شبعت؟!، وهنا تذكرت أني صائم وغضبت غضبا شديدا لأن والدي لم يذكرني ويكفّني عن الطعام.

ويتذكر هذا المشهد وابتسامة والده وهو يهدئ من روعه قائلا:

لقد أطعمك الله وسقاك، لقد اعتبرت أن صمت أبي وتركه لي حتى أكمل طعامي أمرا يمس كرامتي، وأن أبي يستصغرني على الصيام، ولا يثق في قدرتي على التحمل، وظللت أؤكد له أنني أستطيع التحمل وأنني كبرت، وكان لابد أن ينبهني لأتوقف عن الأكل، وغضبت من نفسي لأنني نسيت أني صائم، ويومها أخذ أبي يهدئ من روعي ويشرح لي معنى عبارة أن الله أطعمني وسقاني، وأكملت صيامي في هذا اليوم الذي لا أنساه، وقد تكرر هذا النسيان معي في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى للصيام.

مذاق خاص

*ما الذي تحتفظ به طوال مشوارك؟

**مازلت أحتفظ بكتاب تفسير البيضاوي الذي كان أبي يقرأ فيه القرآن في رمضان، وهو عبارة عن آيات القرآن وحولها التفسير، وأنظر إليه وكأنني أرى وجه أبي وهو يقرأ فيه، ولا أنسى أبدا صوت والدتي، وهي تدعو لي بالخير وسعة العلم والقبول، كما لا أنسى مذاق كوب عصير قمر الدين من يديها حيث كانت تصنعه بطريقة مميزة ومذاق خاص لم أشرب مثله أبدا.

وماذا أيضا تتذكر لها؟

وما زلت أتذكر دعوة أمي التي كانت تداعبني  قائلة: اللهم اجعل في وجهه جوهرة وفي فمه سكرة.وكان أبي يحرص علي أن يشتري لنا الفوانيس والياميش قبل رمضان، وكنا نفرح بها فرحا شديدا، كما كان دائما يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صوموا تصحوا”، ليعلمنا الحكمة من الصيام وعدم الإسراف في الطعام والشراب.

صلاة الفجر

*ماذا عن ذكريات الصبا والشباب في رمضان؟

**من الأشياء التي لا أنساها في حياتي أنني في ليلة من ليالي رمضان وكان عمري وقتها 15 عاما سهرت حتى الفجر في مسجد سيدنا الحسين وكان هذا في أواخر الشهر الكريم، حيث كانت الاستعدادت تتم في هذه المنطقة لأن الرئيس جمال عبدالناصر كان عادة يصلي العيد في مسجد الحسين، وكانت هذه الاستعدادات تتطلب إجراءات معينة، وبعد أن أديت صلاة الفجر لم أجد مواصلات كي أعود للبيت في الدقي، فقررت أن أمشي هذه المسافة حتى وصلت إلى كوبري قصر النيل وكانت المرة الأولى والأخيرة التي أرى فيها كوبري قصر النيل مفتوحا حيث كان يفتح للملاحة النهرية وكانت هذه هي السنة الأخيرة، وبعدها تم إغلاق الكوبري ولم يعد يفتح للملاحة، فوقفت أتابع هذا المشهد الذي لم أره في حياتي ومنظر الكوبري وهو مفتوح ثم يتم إغلاقه بالتدريج.

وماذا عن فترة الصبا؟

من أهم الأشياء التي أثرت في بشكل كبير في فترة الصبا خيمة رمضان التي كانت تقام في حضن ساحة الجامع الأزهر والتي انتقلت الآن إلى حديقة الخالدين، وكانت هذه الخيمة تحوي صوانا كبيرا للكتب، وكنت أقضي أغلب وقتي فيها، حيث كانت تضم كل الكتب وبأسعار وخصومات كبيرة وكونت مكتبتي من هذه الخيمة، حيث اشتريت كتبا مهمة وبأسعار لا يمكنتخيلها (لسان العرب) كاملا بأربعة جنيهات ونصف، وتفسير القرطبي بـ 240 قرشا وغيرها، وكانت أجمل ذكرياتي في هذا المكان المشبع بالعلم والايمان، ولا أنسي أنني حين دخلت هذا المكان صباح العاشر من رمضان عام 1973 سمعنا أخبار نصر أكتوبر وعمت الفرحة والدعاء والحمد والتكبير أرجاء هذا المكان الطاهر.

الموعظة الحسنة

*هل يختلف دور عالم الدين في هذه المرحلة التي تمر بها مصر عن المراحل السابقة؟
في هذه المرحلة يجب على العلماء والمفكرين السعي جاهدين لتحقيق وحدة الصف التي تعتبر فرضًا من فروض الدين، وأساسًا من أساساته خاصة في هذه الظروف التي تمر بها الأمة حاليًا؛ حيث يتربص أعداؤها بها ويحاولون فرض روح الشحناء والتفرقة والنعرات الطائفية بين أبناء الدين الواحد، وذلك من خلال الحض علي تعاليم الإسلام السمح واتباع أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله وكيفية العيش مع الآخر وتقبله واحترام عقائده.

*كيف يمكن نشر مبدأ الوسطية في المجتمعات الإسلامية؟
**يحدث ذلك عندما يستمع الجميع إلى المنهج الوسطي والمعتدل الذي يتصف به الإسلام؛ لأن الغلو والتطرف والتشدد ليست من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر، ولا من خواص أمة الإسلام بحال من الأحوال، ومنهج الدعوة إلى الله يقوم على الرفق واللين، ويرفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير والتوازن والاعتدال والتوسط والتيسير، ومن خطورة التطرف والتشدد أنه تسبب في تدمير حضارات كبرى، وهو بكل أشكاله غريب عن الإسلام الذي يقوم على الاعتدال والتسامح، ولا يمكن لإنسان أنار الله قلبه أن يكون مغاليًا متطرفًا ولا متشددًا.

وفق شروط

*هل تري دور المرأة تراجع وهل من الممكن أن تعتلي منصب الإفتاء امرأة؟
**المرأة لم يتراجع دورها على الإطلاق ولم تهمش وهذا كلام مرفوض، فقضيتها ركن مهم في بناء المجتمع والنهضة الحضارية؛ لأن لها النصيب الأكبر في بناء تلك النهضة، والإسلام قضى على كل أشكال التمييز ضدها، ونحن كذلك ضد كل الدعوات التي تريد إقصاءها بأي حال من الأحوال، وتحت أي مسمى من المسميات، وأنا لا أرفض تعيين المرأة أمينة فتوى بدار الإفتاء المصرية، لأنه لا القانون ولا الشرع ولا العرف منع هذا، بالعكس نحن نرحب بها في دار الإفتاء، لكن هذا لا بد أن يكون وفق شروط ومؤهلات تؤهلها لأن تكون أمينة فتوى، هذه الشروط تتمثل في حفظ القرآن والمتون الفقهية واللغوية، وأنا حتي وقتنا هذا لم أقابل امرأة تتفق عليها الشروط اللازمة للتعيين في أمانة الفتوى، ولو وجدت فإنني سوف أعينها كبيرة أمناء الفتوى بالدار، نحن لا نريد مجرد إثبات حالة بتعيين امرأة مثلما حدث في العصور الماضية ما أسهم في انهيار مؤسسات المجتمع، بل نريد أن نضعها في مكانها الصحيح، وفق الإمكانات والخبرات والكفاءات، وهذا سيصب في مصلحة المرأة وقضيتها قبل أن يصب في مصلحة المؤسسة التي ستكون فيها، وبالتالي يجب على المرأة أن تعي جيدًا أن لها دورًا عظيمًا في النهضة الحضارية.

مرة أخرى

*كيف نعيد مصر إلى سابق عهدها؟
**بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، والعلم والتنمية، والقيم الأخلاقية، والسعي من أجل أن نعمر مصر بسواعد أبنائها بعيدًا عن أي شكل من أشكال التدمير، وتوصيل رسالة الأمل الفسيح إلى الناس، حيث إن كثيراً من الناس محبط وقلق وخائف من المستقبل، لكن قضية الأمل هي التي ستجعل الناس تعود مرة أخرى إلى العمل وإلى السعي والاجتهاد.

اخترنا لك