Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

دراسة القانون جعلتها تنفتح على الواقع د. فاطمة الحويل: غياب العدالة أساس مشاكلنا

فاطمة الحويل

أمل نصرالدين بعدسة ميلاد غالي، حاورت د. فاطمة الحويل، أستاذة القانون الدولي الخاص في جامعة الكويت، لتحدثنا عن أهم المشكلات التي تعانيها المرأة الكويتية في حديث مستفيض عن العدالة وأهمية دراسة القانون.

* من هي د. فاطمة الحويل؟

الدكتورة فاطمة الحويل، عضو هيئة التدريس في جامعة الكويت قسم القانون الدولي بكلية الحقوق. مهتمة بالمطالبة بحقوق المرأة الغائبة في كل المجالات. المستشارة القانونية للجنة كويتيات بلا حدود وعضو الجمعية الثقافية النسائية.

* ما قصة تخصصك في القانون الدولي؟

القانون الدولي مادة ندرسها لأول مرة في السنة الرابعة؛ وحقيقة هذه المادة استهوتني بشكل كبير؛ خاصة أنها تتداخل مع جميع فروع القانون الأخرى كالتجاري، والمدني، والجنائي في شق منها (تنازع القوانين)، ومن الأسباب التي جعلتني أحب المادة لا شك دكتور المادة الذي قام بتدريسنا إياها.

* هل أنت أول متخصصة في القانون الدولي الخاص؟

لست أول متخصصة في القانون الدولي الخاص كما أعلن في لقاءاتي السابقة، ولكنني أول مبعوثة من جامعة الكويت لدراسة القانون الدولي الخاص، وأول امرأة كويتية تعمل كعضو في هيئة التدريس في قسم القانون الدولي في تعليم مادة القانون الدولي الخاص.

* بالرغم من تفوقك في الثانوية العامة، لماذا اخترت كلية الحقوق؟

كنت من المتفوقات الأوائل في القسم الأدبي، والحقيقة أنني اخترت دراسة الحقوق بدافع أن كل من حولي كان يؤكد على أن كلية الحقوق أفضل كلية للدراسات الإنسانية للقسم الأدبي. ولصغر سني ومحدودية خبرتي آنذاك انصعت لرأي الأغلبية؛ بالرغم من أن عاطفتي كانت لدراسة العلوم السياسية واللغة الإنجليزية وأدبها.

* وهل ما فعلته كان صحيحًا؟

ابتداء لا، لكنه معي شخصيا أفضى لنعم. لا شك أنه من الخطأ أن نملي نحن الأكبر سنًا والأوسع خبرة على الشباب الصغير بالسن والحاصل على شهادة الثانوية العامة للتو آراءنا وأفكارنا وتوجهاتنا الشخصية على أنها الأجدر بالاتباع. أرى أن نساهم في اطلاعهم على الفرص المتاحة بصورة أشمل من مجرد الحصول على معدل عال يساوي الدخول للكلية التي تتطلب أعلى معدل بما يتواءم مع ميولهم وشغفهم المختلف باختلاف شخصياتهم.

* وما النعم التي حصدتها؟

خبرتي الشخصية أفضت لأمر إيجابي وهو افتتاني بتعلم القانون، وإيقاني بأهميته وحبي له جملة وتفصيلا؛ ولكن هذه النتيجة لا تتأتى لكل من انصاع للتطلعات الاجتماعية للمعدل؛ وتفسيرها لنتائجه فيما يعني التخصص العلمي المختار.

* وكيف تتحقق تلك المساهمة في الاطلاع الواسع على الفرص المتاحة؟

أرى أن تكون عن طريق إدراج الندوات والمحاضرات من ذوي التخصصات والوظائف المختلفة في جداول التعليم والأنشطة المدرسية، بدءًا من المرحلة المتوسطة للطلبة، لكي نجعلهم على علم ومعرفة بالحياة العملية بطريقة أكثر عملية وواقعية. وذلك بالتنسيق مع الجهات الحكومية وغير الحكومية والمتخصصين في جميع المجالات، والكثير منهم لا شك لديهم استعداد كامل للقيام بذلك بشكل تطوعي، بهدف تطوير التعليم والعمل في البلاد. هذا الإدراج سيجعل الطالب أوسع اطلاعا، وأكثر فهما للواقع العملي وحاجاته، وأكثر اشتراكًا في توجيه الشباب للتخصصات التي تحتاجها البلاد بتغير الظروف.

* لماذا لم تدخلي كلية السياسة والاقتصاد؟

كنت حائرة بين ثلاث كليات: السياسة والاقتصاد، والحقوق، وآداب إنجليزي، لكنني فضلت الحقوق في النهاية.

* أليس خريجو كلية السياسة والاقتصاد أكثر طلبًا في سوق العمل؟

قد يكون هذا صحيحا بالنسبة لبعض الدول كجمهورية مصر العربية، فسوق العمل لا يستوعب خريجي كلية الحقوق مثلا، ما قلل من الاهتمام بها اجتماعيًا بالرغم من الاعتبار بأهميتها؛ أما في الكويت وفي السنة التي تخرجت فيها من الثانوية العامة كانت كلية الحقوق من الكليات التي تطلب أعلى النسب للقبول فيها.

* وما دلالة ذلك؟

يشير ذلك إلى أمرين أولهما؛ استمرارية الحاجة لخريجيها باستمرارية إنشاء المشاريع والتوسع فيها وفي الدوائر الحكومية تمشيًا مع حاجة البلاد وخططها، كما يعلم الجميع لا تستغن أي منشأة مهما كانت طبيعة عملها عن القانونيين، وثانيهما؛ الحاجة لتوجه الخريجين لتخصصات أخرى يعاني فيها العنصر الوطني من العاملين ضعف الوجود، والوجود المقصود به الوجود المتخصص الفاعل المنتج والمضيف للناتج القومي العام. وكما يعلم الكل أن من المقومات التي تساعد الدولة في الاستمرار في طموحها للنجاح والتطور والتفوق على نظيراتها هو تحقيقها للاكتفاء الذاتي الذي لا يتحقق إلا بإنتاجية ذات مستو عال وفي جميع المجالات بدءا من أهمها.

* كيف؟

الضعف الإنتاجي للدولة يسهل من سقوطها في أي أزمة، ولا شك يصعب خروجها منها بأقل الخسائر الممكنة. فاعتماد الدولة على مواردها الداخلية لدرجة عالية مهم جدا؛ لتجنب الأزمات وللتعامل معها إن حدثت لا قدر الله. وهذا أمر لا بد لنا أن نتعلمه خاصة بعدما مررنا بتجربة الغزو العراقي الغاشم؛ حيث استيقظنا على كثير من نقاط الخلل والضعف لدينا، وبدلا من أن نستفيد من تفاصيل التجربة بشكل إيجابي، أستغرب محو تفاصيل دراسته من المناهج بدعوى الإسهام في إعادة أمجاد الوحدة العربية ونبذ كل ما يضعفها، وهذا خطأ كبير فالتاريخ يجب أن يحفظ الحقائق بنتائجها بلا تحسين أو تشويه وبمعزل عن المشاعر.

* هل ندمت على اختيارك دراسة الحقوق؟

مطلقا! على العكس من ذلك تماما، فبعد دخولي كلية الحقوق شعرت أنني لم أكن أحيا حياة كاملة قبلها، وأن الحياة الحقيقة انكشفت لي فيها.

* لماذا؟

لأنني بدأت الدخول لعالم الواقع بعناصره المتكاملة التي كان ينقصها علم القانون، والآثار المتبادلة لوجوده وانعدامه في المجتمع وفي الاقتصاد والتربية والعلاقات الاجتماعية، بل والنظرة لأساسيات الأمور بأدق تفاصيلها لما تلعبه من دور مهم في نشوء القانون وتوجهه؛ وصياغته بما يخدم الأهداف المرجوة منه ضمن الأطر الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والدينية التي تخدمها.

* وماذا أيضا؟

وجدت أن دراسة القانون تعتبر عصبا مهما من أعصاب الحياة في كل جوانبها والجامع بينها بالنظام المرجو منه تحقيقه. هذا العصب المهم غاب فيما تعلمناه قبل المرحلة الجامعية واختيار كلية الحقوق بداية للمستقبل العملي.

* هل كانت ميولك أدبية وأنت صغيرة؟

جدا؛ أحببت القراءة وعشقت مادة التاريخ دون زميلاتي، وكنت أقدر اللغات دون أن أعرف وقتها سببا لهذا التقدير، وحين كبرت ونضجت عرفت أن اللغة جزء من تقدير الثقافة وبوابة لها، وجواز السفر للعلوم والبحوث وللتعرف على الثقافات الأخرى.

* ما أهم ما ميز تربيتك؟

أبي رحمه الله وأمي حفظها الله كانا يشجعاننا دائمًا على الانطلاق في كافة المجالات، والتعلم واكتساب الخبرات المتنوعة، وهذا ما خلق منا شخصيات متفتحة ومنفتحة، فكنا نلتحق بالأندية أثناء العطلة الصيفية، وكانت أمي حريصة على تنويع الأنشطة بالنسبة لنا، فكل إجازة صيفية كانت تفتح لنا أفقًا رياضيًا أو تعليميًا نكتسب من خلاله مهارة وخبرة جديدتين.

آليات التطور

* ما الذي يجب أن يفهمه الطالب في كلية الحقوق مع فهم تفاصيل المقررات الدراسية التي يتعلمها في الكلية؟

يجب أن يدخل طالب الحقوق وهو على يقين بأنه يتعلم آلية مهمة من آليات التطور المجتمعي والاقتصادي والتربوي الخ من جوانب الحياة المتطورة بطبيعتها، فالقوانين من صنع من سبقونا في إدارة البلاد، وضعوها لخدمة البلد بمواطنيه والمقيمين فيه، بما يتماشى مع ظروفه وحاجاته وغيرها من المؤثرات بهدف صياغة القانون، وأن هذه القوانين قابلة بل واجبة التغيير والتعديل بما يتلائم مع المتغيرات في الظروف والحاجات عبر الزمن كوسيلة لضمان تطور البلد وراحة مواطنيه والمقيمين على أرضه لخدمته.

* كيف؟

استمرار تطوير وتعديل القوانين يعتبر الضمان الوحيد للعيش الهانئ المنتج بما يواكب متطلبات ومتغيرات كل فترة زمنية واحتياجاتها. وألا يكون همهم الأوحد الحفظ والحصول على درجة مرتفعة بلا روح أو عمق في فهم المعاني المتشعبة لدراسة القانون من بحث عن العدالة والعمل كل من جانبه على مساعدة السلطات على تحقيقها.

* ولكن الكل يسعى للتفوق؟

التفوق الدراسي الرقمي (الدرجات التي يحصل عليها الطالب في آخر كل عام أو عند التخرج) ليس دومًا دليلا على الذكاء والإبداع. فهناك من قد يتخرج بامتياز بلا ملكة قانونية حقيقة ولا عمق في فهم القانون من أصل أهدافه لتفرعات خدمته لهذه الأهداف، وهناك من يحصل على درجات متوسطة أو معقولة إلا أنك تجده يبدع في وظيفته أو مهنته فيصبح مبتكرًا أو مضيفًا. أنصح الطلبة بالاهتمام بالبحث عن الفهم الحقيقي المفضي لعمل حقيقي يخولهم لترك بصمة تجديد أو تطوير في القانون، بما يجلب للبلاد الخير بقدر اهتمامهم بتحصيل درجات عالية وألا تكون الأخيرة هي الأهم على حساب الأولى.

* وكيف يمكن تغيير هذا الأمر؟

الأمر لا يتعلق فقط بالطالب أو المدرس بل يتعلق بنظام التعليم بالكامل، فيجب أن يتغير مفهوم الطالب تجاه الإنجاز برمته. فلا يترجم الإنجاز لمجرد تحصيل الدرجة بأعلى تقدير فقط، بل يفهم أن إنجازه الحقيقي يكون بالتعلم والفهم لمحتوى المادة وتأثير هذا العلم على حياته بالإيجاب وإن انخفض التقدير عما يطمح إليه وعمل من أجله. فحصر مفهوم التفوق في المدارس بتحصيل الدرجات العليا يسبب مشاعر الإحباط للطلبة الذين لم يستطيعوا تحصيل درجات مرتفعة كنظرائهم، فشعورهم بأنهم أقل من غيرهم في حال امتلاكهم لمهارات تفوق غيرهم الذين تفوقوا عليهم في الدرجات.

* ننتقل لنقطة أخرى د.فاطمة لنعرف ما المقصود بالقانون الدولي الخاص؟

بشكل عام القانون الدولي الخاص هو القانون الذي يختص بـ: قانون الجنسية، والقانون الواجب التطبيق على العلاقات ذات العنصر الأجنبي، والاختصاص القضائي للمحاكم الوطنية فيما يتعلق بهذه العلاقات وأخيرا تنفيذ الأحكام والأوامر الأجنبية.

أساسيات التعليم

* هل لمست اختلافا في دراسة القانون في دول أخرى؟

بالطبع؛ نظام التعليم وأساسياته مختلفة باختلاف أساس الكلية؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا دراسة القانون في كلية الحقوق دراسات عليا؛ يجب أن يحصل الطالب على درجة علمية في أي مجال يريد ليستطيع الدخول لاستكمال دراسته فيها. والمثير للاهتمام والطرح التالي: أنني حين ابتعثت لتحضير الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أول محاضرة في كلية الحقوق في الجامعة كان أول درس تلقيناه هو أنهم في هذه الكلية سيعلموننا كيف نخلق قضية من لا شيء، مما شكل لي صدمة أخلاقية حينها إلى أن فهمت أن لا استمرارية لشيء قام على وهم مهما طال به الأمد.

ثقة وقوة

* وما أثر تلك التجربة في نفسك؟

زادتني رغبة في التعلم المتعمق للاختلافات، ولا شك أسهمت في نضجي العلمي والعملي، وأصبحت أكثر ثقة وقوة في التعبير عن رأيي لما أضع له من أساس حقيقي منطقي وعادل كما أسعى أن أكون دائما.

* لماذا لم تتجهي لممارسة مهنة المحاماة؟

سبحان الله من صغري وأنا أجد نفسي معلمة، فقد كنت أساعد زميلاتي في شرح ما تعسر عليهن فهمه، وكن يقلن لي إنني أشرح لهن أفضل من المدرسة أحيانا كثيرة- مع كامل تقديري واحترامي لكل معلمة وضعت لبنة في نجاحي بعد الله تعالى- وأصدقك القول بأنني فكرت في بداية التخرج في امتهان المحاماة.

* وماذا حدث إذن؟

في الوقت ذاته توظفت في دائرة حكومية العمل فيها لم يكن قانونيا بشكل مرض لطموحي؛ وللآن المحسوبية والواسطة لم تتوان عن تعيين بعض ممن لا يستحق في أماكن حيوية ومهمة مقصين أكثر المتفوقين منا. اتجه فكري لاستكمال الدراسات للحصول على الدكتوراه.

* قلت إن الوظيفة التي عينت فيها لم تكن مرضية لطموحك، كيف؟

نعم لم تكن كذلك. كانت المهنة التي عينت فيها إدراية ولا تحتاج لباحث قانوني للقيام بمهامها، ما تسبب في قراري باستكمال دراستي، لأكون في وظيفة منتجة بحق وذات أثر واضح، ومنذ الصغر وأنا أرى المعلم في كل المراحل مؤثرًا إن أخلص ووعى حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه في مهمته التعليمية، والحمد لله ابتعثت لاستكمال دراستي العليا لانطباق الشروط علي.

* من وجهة نظرك ما أبرز المشاكل التي يعانيها المجتمع بشكل عام؟

المشكلة الأساسية التي يعانيها المجتمع وتندرج تحتها كافة المشاكل الأخرى غياب العدالة.

* كيف؟

للأسف الشديد، أغلب قوانينا غير عادلة مع المرأة؛ ولكثرة الخلافات الشخصية بين نواب الأمة وبعض المسؤولين ضاع حق المرأة أكثر بين مسوفٍ ومستغلٍ لمطالبها. ناهيك عن أننا لم نعد نصدق من ينادي بأهمية التعاون معنا في المطالبة بحقوقنا لمعرفتنا المسبقة بطموحه السياسي الذي يستخدم المطالبة بحقوقنا كوسيلة لتحقيقه بمعزل عن السعي الحقيقي لتحقيقه.

* ما الهدف الذي تسعين لتحقيقه؟

أريد أن توضع آلية لتحصيل الأفكار الحقيقية النافعة والخادمة لمصلحة البلد التطويرية في جميع المجالات؛ خاصة القانوني منها لطاولة اتخاذ القرار، وذلك للدراسة والأخذ بالاعتبار والاستفادة من كل ذي قيمة من الإنتاج الفكري للمواطنين لتحسين الأوضاع على جميع الأصعدة وفي كل المجالات.

* وماذا أيضا؟

أسعى خارج المجال التعليمي للمساهمة في تحسين أوضاع البلد القانونية؛ ليكون مكانا أفضل لنا ولمن يعقبنا من المواطنين والمقيمين؛ فالعدل يحقق الطمأنينة ويرفع القدرة على الإنتاج، وغيابه يضعف ويهدر في أحيان كثيرة الطاقات الحقيقية في مناهضة التمييز.

مشاكل المرأة

* وما الدليل على عدم وجود العدالة في القوانين وتطبيقها في المجتمع؟

كافة مشاكل المرأة في نظامنا القانوني سببها عدم العدالة (التمييز)، ولتكن حقوق المرأة السياسية (في الترشيح والانتخاب) مثالنا على ذلك. تلك الحقوق لم تكن غائبة ولا مشوهة في القانون، إنما جاء تفسيره بما يتماشى مع روحه والقصد من سنه؛ فلا سبب يجعل من إقصاء المرأة عن ممارسة هذا الحق وفقا لمواطنتها أمرًا مقبولا بدعوى أن يكون المواطن الرجل فقط هو المخاطب بجملة: “أن يكون مواطنًا كويتيًا”. قيل وقتها إن السبب تغليب العاقل لغويًا وعدم تماشي ترشيح المرأة وانتخابها مع العادات والتقاليد والتخوف من إهمالها لمهام الأمومة والأسرة الخ من التبريرات.

* وما السبب من وجهة نظرك؟

أرى سببين لا ثالث لهما في منع المرأة كل هذه السنين من حقوقها المكفولة لها بالدستور والقانون، هما: التفسير الخاطئ للقانون لضعف كفاءة المفسرين والعنصرية ضد النساء لا لسبب واضح سوى أن القائمين على التفسير اعتادوا غيابها. ويا ليتهم بحثوا في سبب الغياب وآلياته وعدلوا عنها وعدلوها.

* والسبب الثاني؟

لا بد أن أذكر أن أحد أسباب ضعف الكفاءة والقدرة على الفهم الجلي للقوانين وسبل تطبيقها تماشيًا مع أهدافها الواسطة والمحسوبية. يشتكي الكل منهما ومن بشاعة آثارهما، وفي الوقت ذاته يقوم بها أغلب الناس بدعوى ألا سبيل للحقوق أو المزايا وإن لم يستحقها إلا بها، وما أكثر ممن أضر البلد على هذا الأساس وشارك فيما نعانيه الآن على عدة أصعدة ذات أهمية من تهميش ذوي الرؤى والكفاءات على حساب الواسطة والمحسوبية أيَّا كان سببها.

* وما نتائج عدم تحقيق العدالة في المجتمع؟

إصابة أفراد المجتمع بحالة من الإحباط العام في التعلم والتوظيف، والقيام بمهام الوظيفة أو القدرة على القيام بعمل خاص مفيد، وما اكتظاظ الأسواق التجارية بالناس إلا وسيلة من وسائل الهروب من هذا الإحباط كما أراه.

* كيف؟

الشراء دون هدف ولا حاجة أكبر دليل على معاناة الأفراد من الفراغ، وأنه لا يوجد هدف يسعون لتحقيقه، ولا عمل نافع منشغلين به، فنحن لم نخلق لنحيا مثل هذه الحياة الاستهلاكية التي لا يقابلها إنتاج، نحن خلقنا لإعمار الأرض، وهذا الأخير يحتاج التشجيع والرعاية للهمم.

* هل تجدين صدى لدى الشباب من حديثك معهم؟

الشباب الورد الذي خلقه الله في أجمل صورة؛ يحتاج للرعاية والسقي لكي ينمو ويغدو أجمل وأصح، والشباب كالورد تماما كل ما ينقصهم رعاية المسؤولين كل من جانبه؛ لدفعهم للإنتاج والنظر لأنفسهم منذ الدراسة ما بعد الثانوية على أنهم المنتجون في المستقبل القريب وليسوا مجرد طلبة يتعلمون ما لا يستخدمون في تطوير أنفسهم ومجتمعهم.

* وما سبب وجود حالة من السلبية في المجتمع؟

أغلب السلبيات سببها أنماط التربية الخاطئة التي ترسخ مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان”، فأصبحت صبغة التربية لدى العديد من الأسر الأنانية والبحث عن المصلحة الشخصية، وبدأت تتلاشى التربية على الحب والتعاون والمشاركة، فحين يتدخل الطفل لفض خلاف بين زميلين وينتج عن ذلك دخوله في المشكلة، فإن الوالدان ينهرانه ويؤكدان عليه ألا يقوم بذلك ثانية، وأن يهتم هو بشؤونه فقط؛ وهذا أمر مخالف للفطرة الإنسانية، لأن المصلحة الفردية تصب في المصلحة العامة، والأمور العامة تؤثر لا محالة في الأمور الشخصية.

العدالة أشمل

* هل العدالة تعني المساواة بين الرجل والمرأة؟

العدالة كلمة أشمل من المساواة، وأنا شخصيًا أطالب دائما بالعدالة.

* ما أكثر المشاكل التي تواجه المرأة من وجهة نظر متخصصة في مجال القانون الدولي الخاص – في قانون الجنسية مثلا؟

أكثر مشكلة تواجه المرأة الكويتية حين تتزوج من غير كويتي وتبدأ معاناتها في خروجها وأبنائها من دائرة التمتع ببعض من المزايا والخدمات الرئيسية؛ والذي يزيد الأمر سوءا هو أن المواطن الكويتي الذي يتزوج بأجنبية يتمتع وأبناؤه بل وزوجته بكل تلك المزايا لا ينقصها قدر أنملة. أرى في ذلك أن القانون في كثير من مواقعه ابتداء من قانون الجنسية ينظر للمواطنة المرأة بعين المواطن الناقص في مقابل المواطن الرجل ذي المواطنة الكاملة، وعلى تلك المشكلة تندرج قائمة من المشكلات عددها كبير وآثارها كثيرة ومتشعبة.

* ولكن الطبيعي أن يتبع الأبناء جنسية آبائهم؟

من قال ذلك، فلا يوجد أصل لهذا الكلام في الدين أو الشريعة الإسلامية لأن الجنسية نظام قانوني حديث، وقانون الجنسية قانون وضعي تنظيمي لعلاقة الدولة بالمقيمين على إقليمها بتقسيمهم لمواطنين ومقيمين لتنظيم أمورهم القانونية. ولأنه كسائر القوانين، من صنع البشر فهو قابل للتعديل والتغيير بما يتلاءم مع المتغيرات، وهي لا شك كثيرة؛ إضافة إلى أن الدول في تنظيمها للجنسية بحق الدم تختلف منذ القدم على حصول المواليد لأب وأم مواطنين أو أحدهما. واختار المشرع الأب وحيدًا سببًا للحصول على الجنسية الأصلية بحق الدم لسنة 1959 وفقا لآخر تعديلاته السارية.

* وما الحلول لعمل تغيير حقيقي في تلك المفاهيم؟

التبصر والتعمق في فهم القانون وأسباب صياغته على ما هو عليه من قصور وتمييز، والاطلاع على قوانين دول سبقتنا في تعديل أسس الحصول على الجنسية؛ لتشمل حق الدم عن طريق الأم، وبالتالي نحذو حذوهم في التطوير بما يتلاءم ومتغيرات مجتمعنا وتطلعاته المستقبلية.

* وما المرجعية التي يجب أن نبني عليها الخطأ من الصواب؟

العدل ولا شيء سوى العدل.

خطأ تربوي

* ألا ترين أن خروج المرأة للعمل هو السبب الرئيسي في خلل وقصور تربية الأبناء؟

لماذا تحمل المرأة منفردة عبء ومسؤولية التربية؛ مع أن الأسرة تبني على وجود أب وأم مجتمعين، وبالتالي أي خلل يحدث فيها نرجعه لتقصير الاثنين مجتمعين في التخطيط لها واتخاذ أسباب تنفيذها، فللأب دور مهم جدًا في التربية؛ وفي نظري كلاهما مسؤولان عن الخلل في تربية الأبناء؛ من جملة نتائج غياب العدالة أن تحمل المرأة أي خطأ يحدث في تربية الأبناء وكأنها المسؤولة الوحيدة عنهم.

* لماذا ارتفعت نسب الطلاق إذن على الرغم من خروج المرأة للتعلم والعمل؟

بسبب غياب النضج لدى الشباب والشابات على حد سواء في النظر للزواج ومسؤولياته؛ فتعميم مفاهيم خاطئة بين الفتيات مثلا كحصر سحرها في أنوثتها والتركيز فيها يجعل التزين أهم أهدافها لإثارة الإعجاب وكسب الرضا؛ مع أن الأنوثة جزء من المرأة وليست كلها، ألا ترين التحول في النظرة الاجتماعية للملائم وغير الملائم للعادات والتقاليد في تعبير المرأة عن نفسها مثيرا للاهتمام على ما هو عليه مؤخرًا.

* كيف؟

فبعد أن كان المجتمع حريصا جدا على ألا تظهر المرأة إلا في أضيق الحدود إلى حد يمنعها من الاستزادة من التعلم والمشاركة في العمل وصنع القرار في الماضي، إلى أن ينظر الجميع للمرأة على أغلفة المجلات والجرائد والتلفزيون وقنوات التواصل الاجتماعي. هذا التطور ضروري وإيجابي كما أراه حقيقة. إنما السلبي هو أن تستخدم هذا التغير وهذه الحرية التي دفعت الكثيرات ثمنها باهظا من حياتهن وسمعتهن آنذاك في أمور لا تعود على المرأة إلا بالتقليل من شأنها والتمييز ضدها أكثر.

* ما السبيل للتغيير للأفضل؟

الانشغال بالنفس والعمل على تطويرها بأداء الواجبات الأسرية والوظيفية والعملية على أكمل وجه، والقيام بمهامك على المستويات الشخصية والمهنية والعامة بعيدا عن انتقاد الآخرين أو الانشغال بما لم يقم به الآخرون. إذا قمنا بذلك سيتحقق الإصلاح والتغيير للأفضل كنتيجة طبيعية بلا تعب ولا مشاحنات ولا تفضل من أحد في إصلاح أحد أو توجيهه.

الثقة والأريحية

* من خلال تعاملك مع الطلبة من الشباب.. ما الذي يحتاجونه؟

من وجهة نظري كمعلم جامعي، الشباب يريدون من يبحث معهم عن مصلحتهم وبصدق، ويتفهم مشاعرهم تجاه التعلم وتحصيل الدرجات، ويمنحهم الثقة والأريحية في المعاملة. يحبون من يحترمهم ويمنحهم مساحة من الحرية والتعبير عن آرائهم. وإن اختلف معهم. ذلك لا شك يخرج شبابا ناضجًا قادرًا على التعايش مع الاختلافات باستخدامها للصالح العام لا للهدم العام.

قضية تشغلني

* ما الذي يشغل بالك حاليًا؟

الحقيقة أن هناك قضية تشغلني كثيرًا، وأكثر ما يشغلني فيها أنها تعج باللاعدالة بطريقة متشعبة كالسرطان في جميع القوانين الأخرى، وهي “وضع المواطنة وأبنائها في قانون الجنسية الكويتي، وأسس حصولهم على الجنسية الكويتية”. فهذا القانون يعاني معضلة وهي تقسيم إنتاج المواطنين من البداية لإنتاج ذكوري كامل الحقوق، وإنتاج أنوثي ناقص الحقوق. وبالتالي من ولد لأب كويتي يصبح كويتي الجنسية بقوة القانون. أما من يولد لأم كويتية فلا يصبح كويتيا بقوة القانون إلا إذا كان طفلا لم تثبت نسبته لأبيه قانونًا.

* وما النتائج المترتبة على ذلك؟

بهذه الطريقة أصبحت مواطنة الأنثى مواطنة غير كاملة كما سبق وذكرت، لأنها بذلك متضررة في أبنائها من نواح عدة كالإقامة كوافدين بنظام خاص كأبناء لمواطنة، وإمكانية تعرضهم للإبعاد من البلاد. إلا إذا طلقت طلاقا لا رجعة فيه أو توفي عنها زوجها. حينها (وفقا لشروط زمنية تزداد طولا في التعديلات المتتابعة للمادة المعنية في القانون المشار إليه) تنظر السلطة التقديرية مدى استحقاق أولادها للجنسية ومعاملة الكويتيين لحين بلوغهم سن الرشد، وقيام الإدارة بدراسة إمكانية منحهم للجنسية ولها في ذلك السلطة التقديرية.

* وما الحل في ذلك؟

يجب على المشرع أن يبحث جديًا تعديل قانون الجنسية وغيره من القوانين؛ لإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة وفقا لعضوية دولة الكويت في اتفاقية سيداو التي تدعو لذلك والتي تحفظت الكويت على المادة رقم (9) منها التي تدعو الدول بتعديل قوانين الجنسية فيها بما يمنح المرأة حقًا مساويًا للرجل في حصول أبنائهم على الجنسية بحق الدم.

* ولكن لماذا تجدين أن في الأمر معضلة د.فاطمة؟

الأمر أبعد من مجرد حصول أبناء المواطنة على الجنسية الكويتية أسوة بأبناء المواطن الرجل؛ فالمرأة الأجنبية التي تتزوج من كويتي مثلا تحصل على الجنسية الكويتية بسهولة، ويصبح هذا الزواج لها بمثابة جواز مرور يمكنها من حصولها على المواطنة الكاملة، ناهيك عن اطمئنان هذه المرأة على أبنائها وهم يكبرون في كنفها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لأنهم مواطنون؛ هذه الحقوق تنتقص من المرأة الكويتية التي تتزوج بغير مواطن. فتصبح أولا خارج دوائر بعض أنواع الرعاية التي توفرها الدولة للمواطنين، كالرعاية السكنية التي منحها المشرع إياها بمنغصات حقيقية لا تخدم في حل مشكلتها السكنية.

* وماذا أيضا؟

تعيش في قلق دائم على كل تفاصيل الأبناء بما فيها التوظيف والرواتب وعرضتهم لاستغلال تجار الإقامات بعد بلوغهم لسن الرشد. والأهم من ذلك هو إمكانية إبعادهم لتوافر أحد أسباب إبعاد الأجانب فتضار المواطنة في أولادها كما لا يضار نظيرها الرجل وزوجته الأجنبيه بأولادهم. الرائي للأمر يجد أن المرأة أصبحت تابعا بشكل أعرج. فبمجرد زواج الأجنبية من كويتي زادت مكانتها رفعة وحصلت على الجنسية وما يتبعها من مميزات، في حين أن بمجرد زواج المواطنة الكويتية من أجنبي يكشف عن مواطنتها الناقصة أمام القانون.

سعي دائم

* وما الحلول التي ترينها من وجهة نظرك بخصوص قانون الجنسية؟

نحتاج قرارا من صناع القرار، وفي لجنة “كويتيات بلا حدود” نحن في حالة سعي دائم لإيصال صوتنا لسمو الأمير، قائد الإنسانية، لأنه بلا شك لا يرضى أبدا بكل تلك التفاصيل المجحفة البعيدة عن العدالة التي تعانيها المرأة الكويتية في تفاصيل حياتها اليومية بسبب زواجها من شخص أجنبي.

* ما الكلمة التي تودين أن تختمي بها هذا اللقاء؟

لدي أمنية صادقة في أن تتصدر الكويت- كما كانت سابقًا بل وأفضل من السابق- دول المنطقة في جميع المجالات ليس من باب المنافسة أو التفاخر، بل هو إحساس عميق بحب البلد وإيماني باستحقاقه وشعبه لذلك. خاصة أن الكويت تمتلك الطاقات والإمكانات البشرية والمالية التي تؤهلها للوصول لذلك بالفعل، ناهيك عن أن العمل الحقيقي في إدارة البلد وتطوره يعلي من قيمته في نفس المواطن الذي اجتهد وعمل في هذا التطوير، فيترجم الوطنية بشكل فعلي ملموس.

اخترنا لك