هدى الشهاب: تحكي قصصا إنسانية هزمت المرض هكذا تحولت حياة مريض السرطان إلى فن..!

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

سهام صالح وعدسة ميلاد غالي التقيا امرأة “استثنائية” جندت نفسها وتخصصها لتحقيق هدف إنساني نبيل بعد أن لامست آلام المرضى، إنها هدى أحمد الشهاب، فكونوا معنا لتستمتعوا بهذا اللقاء..

* نسمع كثيراً عن مركز الطب التلطيفي فهل يمكن أن تبيني لنا أهداف هذا المركز؟

يهدف مركز الطب التلطيفي إلى تخفيف المعاناة، وتقديم المعونة والدعم للحصول على أقصى درجة ممكنة من الحياة الجيدة والمريحة للمرضى الذين يعانون أمراضا مستعصية، ومهما كانت مرحلة المرض أو تقدمه، فهو يعمل على تحسين نوعية حياة المرضى وأسرهم، الذين أصيبوا بمرض غير قابل للشفاء الكامل، يعمل في هذا المركز فريق كامل من أطباء، وممرضين، وأخصائيين اجتماعيين، ودكتور نفسي، وأخصائية تغذية، وأخصائيي علاج طبيعي؛ جميعهم يعملون يدا واحدة بتواصلهم المباشر مع المريض، وبالتعاون معا من أجل راحة المريض وتخفيف معاناته.

*وماذا عن أهداف الرعاية التلطيفية؟

للرعاية التلطيفية دورها المهم في مساعدة المريض وأسرته، وهي تهتم بمساعدة المريض وأفراد العائلة، ودعمهم ليحسنوا التعامل مع المرض، فهي توفر المعلومات اللازمة للمريض والعائلة عن المرض وعن طرق التعامل معه، بالإضافة إلى الدعم النفسي الاجتماعي، والتحكّم في أعراض المرض وتسهيلها على المريض ومساعدته على تحمّل آلامه، إعادة تأهيله، وتقديم المساندة الروحانية، والتعامل مع المريض بشكل يصبح فيه مدركا لما يحصل معه، أيضا تقديم الدعم والمساعدة اللازمين ليبقى المريض نشيطاً قدر الإمكان خلال فترة مرضه، وأخيرا تأمين علاجات مكمّلة.

*أستاذة هدى لم نتعرف على سيرتك الذاتية ورحلتك في رحاب العمل التربوي الاجتماعي والمهني؟

عملت في وزارة التربية لمدة 20 عاما، في مدارس الكويت وأخيرا قررت تغيير هذا المجال، وكسر الروتين اليومي الذي يتكرر سنويا، مع المعلمات والطالبات والمديرات بالمدرسة؛ لأجد نفسي في مركز الرعاية التلطيفية، هذا المركز، الذي يستقبل حالات المرضى الذين يعانون أمراضا مستعصية كالسرطان، يشع بالعمل الإنساني بتكاتف فريق العمل به حيث يعملون على قدم وساق، كلٌ في مجاله من أجل راحة المرضى والعمل على تكييفهم مع مرضهم، وتغلبهم على الخوف من المستقبل ومساعدتهم على الاستمتاع بكل دقيقة تمر عليهم في هذه المرحلة وفي هذا المكان.

أمراض مزمنة

*تحولت من تربية الأجيال إلى رعاية المرضى؟

وجدت نفسي مع مرضى يعانون من أمراض مزمنة بعد أن أنهوا جميع وسائل العلاج، فكان علي كأخصائية اجتماعية أن أرعى هذا المريض وأخفف عنه معاناته وأقدم له المساعدة والدعم النفسي لكي يحصل على أقصى درجة من الحياة الجيدة المريحة مهما كانت نوعية مرضه أو مرحلته.

*كيف تواصلت مع المرضى وهم في أسوأ حالاتهم النفسية؟

تواصلت مع المرضى بشكل مباشر منذ دخولي عليهم في هذا المركز وتقربت من ذويهم حتى بت فردا من أسرة كل مريض هنا، استطعت بتواصلي اليومي معهم أن أكسب ثقتهم ومحبتهم التي أعتبرها اليوم وساما أفخر به. تعلقت بهم لدرجة كبيرة وهم كذلك لدرجة أنهم يلحون بالسؤال عني إذا تأخرت على زيارتهم، استطعت أن أجعل جميع المرضى بالمركز أسرة واحدة بتجمعهم المستمر رجالا ونساء برفقة ذويهم وأقربائهم وزوارهم، حتى أصبح هذا المركز بمثابة البيت الكبير الذي يجمع العائلة في مكان واحد.

تعاونت في هذا المركز مع الأطباء والممرضين وأخصائي العلاج الطبيعي وأخصائية التغذية والأخصائي النفسي، وعملنا جميعا يدا بيد تحت سماء هذا المركز، لنقدم الدعم المعنوي والنفسي لكل مريض ومشاركته معنا في فهم حالته وتكييفه معها هو وأسرته ومساعدته والأخذ بيده لممارسة حياته بطريقة طبيعية أو أقرب ما تكون للطبيعية.

*كيف كونت علاقاتك الكثيرة مع المرضى؟

إحساسي أن كل مريض أو مريضة في هذا المكان هو فرد من أفراد أسرتي، أهتم به وأسأل عنه وأحاول تخفيف آلامه، ولا يهدأ لي بال ولا يغمض لي جفن حتى أجد له وسيلة أخرجه بها من مشكلته التي تؤرقه ويهدأ باله. وهذا ما حصل معي مع أكثر من حالة، حيث مكنت بعض المرضى من إعادة اكتشاف مواهبهم وقدراتهم باختلاف أنواعها، بعدما استبد بهم اليأس ووصلوا إلى أعلى مراتبه، ولم يجدوا هدفا ما يبعدهم عن آلامهم وينسيهم أوجاعهم.

مهنة إنسانية

*هل لك أن تذكري لنا بعض الحالات الإنسانية هذه؟

أحد المرضى الذين أشعروني بنجاحي في هذا العمل، واحترامي الكبير لعملي وتقديري له بشكل عظيم، كل هذه الأمور أشعرتني بالفعل أن مهنة الخدمة الاجتماعية هي مهنة إنسانية بحتة، من يمتهنها ويزاولها لابد أن يقدرها جيدا ويقدر العمل بها.

 حيث دخلت على هذا المريض فكان في حالة يأس شديدة واكتئاب وعزلة عن العالم الخارجي بالمركز، يقضي يومه متألما لما يعانيه من مرض عضال، فيغلق عليه غرفته هو وزوجته التي ترافقه في المركز، حتى باتت زوجته تنتابها نفس الحالة لما تراه من حالة سيئة يعانيه زوجها، وهي لا حول لها ولا قوة، استطعت بعد عدة زيارات له، أن أكون علاقة مهنية معه ومع زوجته، وأصبح يثق بي ويسأل عني كل يوم هو وزوجته، من تقربي له توصلت إلى موهبة لديه لم يكن يدرك هو نفسه ومن حوله أنه يمتلكها، فكانت له موهبة فنية يتطلع إليها دائما، ولكنه لم يمارسها في حياته قط، ولم يسبق له أن أمسك بكراسة وألوان وحاول ولو رسم زهرة. استطعت أن أساعده على أن ينمي هذه الموهبة، فأحضرت له الكراسات المختلفة والألوان بأشكالها وألوانها واللوحات المختلفة لرسمها، وبالفعل استطاع هذا المريض الاندماج مع هذه الموهبة ونسي مرضه وآلامه ونسي كذلك أنه متواجد في مشفى للمرضى، وشعر أنه في بيته بين أهله وأقربائه.

*وماذا أيضا؟

أصبح شغله الشاغل هو الكم الذي سيقوم برسمه، وتفكيره انحصر في جمع اللوحات التي سيقوم برسمها. وهكذا تحولت حياته المملة البائسة في غرفته بمركز الرعاية التلطيفية  الذي كانت تحيطه جدران تشكو من صمته واكتئابه هو وزوجته، إلى فنان مبدع في رسوماته المختلفة التي أبهرت الأطباء والممرضين بالمركز. وتفاجأت زوجته وأبناؤه بهذه الموهبة العظيمة التي كانت لديه منذ الصغر، رغم زواجه الذي استمر 35 عاما، إلا أن زوجته تذكر أنها لم تره منذ زواجهما قط أمسك بقلم وورقة ورسم شيئا ما، أبهر بفنه أسرته وأسرة المركز وأشعرني بنجاحي تجاهه بعد أن كان يقضي يومه متألما من أوجاعه المختلفة في جميع أنحاء جسده، وكان على وشك إرخاء عضلات يده ورعشتها، حيث لم يكن يقوى على الإمساك بأي شيء إلا بمساعدة زوجته، وبعد تشجيعه المستمر وزرع حب المركز في نفسه وزيارته اليومية وتنمية موهبته الدفينة واصطحابه يوميا للتجمع مع جميع المرضى، والاستمرار في الدعم النفسي والمعنوي له، كان لذلك الأثر الايجابي الكبير على هذا المريض الذي أحمد الله سبحانه على ما قدرني بفعله تجاهه، لإخراجه من حال إلى حال والفضل لله فيما أنجزته، من مساعدة حولت حياته إلى حياة طبيعية يعيشها يوميا بسعادة متفائلا متطلعا للغد. أصبحت نظراته المستقبلية لحياته كلها أمل وإشراق وأصبح لديه أمل كبير بالشفاء، فأصبحت عضلات يده قوية يستطيع الإمساك بالألوان وبتحكم وإتقان، من ممارسته اليومية والمستمرة لموهبة الرسم.

* هذا العمل الإنساني إلى أي مدى تشعرين بالرضا تجاهه؟

أحمد الله سبحانه وتعالى على فضله الذي أنعم علي به لمساعدة هؤلاء المرضى وأرسلني إلى هذا المكان لأكون بينهم ابنة وأختا وأما وصديقة لكل مريض تحت سقف هذا المركز، بت أشعر إنني بين عائلتي التي انتمي إليها بتواصلي وتقربي إليهم. كلما نظرت بعين مريض وهو سعيد وقد تحسنت حالته إلى الأفضل يقول لهم قلبي بصمت شكرا من القلب هذه الكلمة تكون مفعمة بالحب، لأنهم أشعروني بقيمة ما أقوم به من جهود معهم.

اليأس والإحباط

*وهل هناك من قصص أخرى تذكرينها لنا؟

القصة الثانية كانت لمريضة وصلت إلى أعلى درجات اليأس والإحباط، وكانت دخلت مركز الرعاية وهي مفتقدة ثقتها بنفسها، محبطة أصبحت لا تشعر بكيانها وأهميتها التي كانت تحتلها بين أسرتها، حيث كانت هي مدبرة المنزل الخدومة لأسرتها بالكامل، بعد مرضها ومعاناتها مع سرطان المبايض ومنطقة البطن شعرت بأنها لم يعد لها أهمية في الحياة، وعلمت أنا وتوصلت إلى معرفة حبها الشديد للمطبخ والطهي، فأحسستها بأهميتها الشديدة هنا وأننا بحاجة بالفعل لمن يضفي على المرضى الجو العائلي الذي يفتقدونه بالمركز، فاتفقت معها أن نقوم بالدخول إلى مطبخ الجناح واستخدامه للطهي لجميع المرضى، وعلينا أن نختار الطبخة فقط، وبالفعل فرحت كثيرا وشعرت بأهمية دورها في المركز تجاه المرضى والعاملين به.

*وما الشعور الذي انتابها وهي تفعل ذلك؟

شعرت بأن عليها واجب يجب أن تؤديه بعد أن أخبرتها أن المرضى اليوم في انتظار الأكلة التي وعدناهم بها، فأحضرت مستلزمات هذه الأكلة وأعددناها معا وكانت تشعر بسعادة غامرة وهي تقوم بهذا الدور وأنا إلى جانبها. قمنا بتوزيع هذه الأكلة على المرضى جميعا والممرضين والأطباء، وكانت حريصة على معرفة نتيجة ما قامت به تجاه المرضى ورأيهم فيما أعدته لهم، والجميع أثنى على عملها هذا حتى أصبحت تختار هي الأكلات التي سنقوم بعملها للمرضى أسبوعيا، وأقوم بإحضار جميع المستلزمات لها لتقوم بدورها العظيم تجاه المرضى، هنا شعرت بالفعل أنني قمت بانجاز عظيم تجاه هذه السيدة التي عادت إليها ثقتها بنفسها وشعورها بأهمية وجودها حتى في المستشفى بين المرضى. فحبها لتحمل المسؤولية تجاه أفراد، كان عاملا أساسيا في حبها للحياة وعودة الأمل لها من جديد.

جو المرح

*وماذا كنت تفعلين لإضفاء جو المرح على هؤلاء المرضى؟

إحساسي العظيم أن كل فرد من هؤلاء المرضى فرد من أسرتي، جعلني أهتم كثيرا بتجمعهم شبه اليومي ودعوتهم على شاي الضحى والفطور معا، حتى أصبح المرضى جميعا على تواصل مستمر مع بعضهم البعض وأصبحوا يسألون عن بعضهم في حالة عدم تواجد أحدهم، حتى إن أحد المرضى الذين يعانون من سرطان بالمخ، كان بحالة يرثى لها، ولم يكن يتواصل مع أي شخص بالمركز حتى مع زواره من الأهل والأقارب، استطعت ولله الحمد باصطحابه مع المرضى وأن أجعله يتواصل مع الجميع ويتحدث ببعض الكلمات وقد أطلق على مكان تجمعنا في (غرفة رعاية اليوم الواحد بالمركز) بـ(الديوانية)، فهو من أطلق اسم الديوانية على هذه الغرفة وجعل جميع المرضى والعاملين بالمركز يطلقون عليها نفس الاسم. وأصبح مدركا بعض الشيء ويكون سعيدا جدا بتواجده بيننا، ومجرد دخولي عليه غرفته وسماع صوتي للاطمئنان عليه يردد كلمة (ديوانية.. ديوانية) لنصحبه إليها مع المرضى. فتجمعهم هذا كنت اعتبره خطوة ناجحة للتواصل بين المرضى وذويهم ومرافقيهم، وقربي منهم أصبح يتكرر يوميا لما له من أثر إيجابي عظيم على المرضى.

*وهل كان هناك تواصل بينكم في المناسبات؟

لا يفوتني في جميع المناسبات التي تمر علينا أن أشعرهم بدفء الجو العائلي فيما بيننا، فأقوم بعمل احتفال يجمع المرضى وذويهم وأسرة العاملين بالمركز، فقمت بعمل حفل لعيد الأضحى، واليوم الوطني، والسنة الميلادية الجديدة، بالإضافة إلى يوم الأم الذي كان احتفالا عظيما لجميع الأمهات بالمركز، حيث قمت بالاتفاق مع أبنائهم، لإلقاء كلمة لهن، وأمنية، وتقديم هدية لهن ليشعرن بأنهن مازلن في قلوب الأبناء وفي قلوبنا جميعا. بالإضافة للمناسبات الشخصية من أيام ميلاد وغيرها، فنفاجئ المريض أو المريضة باحتفال بسيط بين المرضى.

*كلمة أخيرة نختم بها لقاءنا؟

أدعو الله سبحانه أن يمنحني القدرة على العطاء المستمر لهؤلاء المرضى الذين أصبح كل شخص منهم يحتل مكانة كبيرة وعظيمة في قلبي، وأدعو الله أن يمن عليهم جميعا بالشفاء.

اخترنا لك