يعتبر فقر الدم أو الأنيميا من أكثر المشاكل التغذوية انتشارا في العالم، حيث يوجد أكثر من 2.1مليار شخص يعانون هذه المشكلة، وتصنف منظمة الصحة العالمية فقر الدم أنه انخفاض نسبة الهيموجلوبين أو انخفاض الدم عن معدل معين وذلك حسب العمر والجنس، وينتج هذا الانخفاض بسبب عدم كفاية العناصر التي تدخل في تكوين الهيموجلوبين أو تساعد على تكوينه، وحتى نتعرف على تفاصيل هذا المرض وكيفية العلاج أدعوكم لمواص

 

*لنكمل اليوم ما بدأناه في الحلقة السابقة الخاصة بالأنيميا ولنتعرف ضيفتي على العوامل التغذوية المثبطة لامتصاص الحديد؟

تناول كميات كبيرة من الأغذية المحتوية على العوامل المثبطة لامتصاص الحديد يلعب دورا رئيسيا في انتشار فقر الدم الناتج عن نقص الحديد في الدول النامية، ومن بين هذه العوامل هي حمض الفيتيك.

 

*وأين يوجد هذا الحمض؟

يوجد حمض الفيتيك بصورة طبيعية في قشور حبوب القمح والأرز والذرة وبعض المكسرات والألياف الغذائية، ويثبط حمض الفيتيك امتصاص الحديد في الأمعاء. أيضا تقلل الأغذية العالية في محتواها من الأوكسالات (كالسبانخ والبقدونس والبامية والفول السوداني) من امتصاص الحديد غير الهيمي، وذلك بتقليل المدة التي يلامس فيها الحديد غشاء الأمعاء.

 

*وماذا أيضا من مواد توقف امتصاص الحديد؟

ينصح أخصائيو التغذية بعدم تناول الأغذية الغنية بالكالسيوم، مثل منتجات الألبان أو تناول مكملات الكالسيوم مع الوجبة الرئيسية؛ لأن ذلك يخفف من امتصاص الحديد. البوليفينولات المثبط الرئيسي لامتصاص الحديد غير الهيمي، حيث إنها مركبات نباتية موجودة في الشاي والقهوة وفي بعض الخضراوات والبقوليات.

 

بالفعل سمعت كثيرا عن ضرورة عدم تناول الشاي بعد الوجبة الرئيسية.. فما الأضرار اللاحقة؟

يقلل شرب كل من الشاي والقهوة من امتصاص الحديد بدرجة كبيرة بما يتماشى مع الكمية المتناولة، وقد استخلصت دراسات حديثة أن وجود كميات كافية من العوامل المحفزة لامتصاص الحديد؛ مثل فيتامين C واللحم والسمك والدجاج تقضي على تأثير الشاي المثبط لامتصاص الحديد. أما بالنسبة للأشخاص الذين يتناولون كميات قليلة من اللحوم (الحديد الهيمي) والعوامل المحفزة لامتصاص الحديد، ويتناولون كميات كبيرة من العوامل المثبطة كالشاي؛ فمن الممكن أن يعيق هذا الشيء امتصاص الحديد في الجسم.

 

هل من علاج لذلك؟ أرشدينا؟

على الرغم من أن نقص مخزون الجسم من الحديد يزيد من امتصاص الحديد الموجود في الغذاء، فإن هذا يكون غير كاف لتعويض هذا النقص، لذلك يجب تناول كميات كافية من الأغذية الحيوانية المحتوية على الحديد (اللحم والسمك والدجاج). وكلما أمكن يجب تناول مقدار صغير من اللحوم ضمن الوجبة المحتوية على مصادر نباتية للحديد، فذلك يزيد من معدل امتصاص الحديد من المصادر النباتية، بالإضافة إلى تناول الأطعمة الغنية بفيتامين C أثناء تناول الوجبات. وأيضا اختيار منتجات الحبوب المدعمة بالحديد، علاوة على تجنب تناول الشاي والقهوة قبل أقل من ساعة من تناول الطعام أو بعد تناول الطعام بأقل من ساعة ونصف. فهذه الإرشادات مهمة جدا للأشخاص المعرضين للإصابة بالأنيميا الناتجة عن نقص الحديد.

 

تجنب الإصابة

ماذا عن الأطعمة الغنية بالحديد؟ وما المسموح لنا بتناوله للوقاية من الأنيميا؟

من الممكن تجنب الإصابة بفقر الدم الناتج عن نقص الحديد بتناول الأغذية الغنية بالحديد ضمن نظام غذائي متوازن، فتناول الكثير من الأطعمة المحتوية على الحديد أمر مهم للذين يتطلبون احتياجات عالية من هذا العنصر؛ مثل الأطفال والنساء في سن الإنجاب والحوامل. ومن الممكن أيضا زيادة امتصاص الجسم للحديد بشرب العصائر الحمضية أثناء تناول الأغذية المحتوية على الحديد، ففيتامين C المتواجد في العصائر الحمضية كعصيري البرتقال والليمون يساعد على امتصاص الحديد الموجود في الأغذية النباتية بصورة أفضل.

 

*ذكرت بالسابق تعدد أسباب الإصابة بالأنيميا.. فعرفينا عليها تفصيلا؟

يعد نقص الحديد أكثر الأسباب شيوعا، ولكنه ليس السبب الوحيد للأنيميا، فالنقص في فيتامين B12 أو الفولات قد يسبب هو أيضا الأنيميا نتيجة لسوء التغذية. قد تنشأ الانيميا أيضا نتيجة فقدان كمية كبيرة من الدم، أو نتيجة لعيوب وراثية في خلايا الدم (أنيميا الخلية المنجلية)، وأمراض الكبد التي تصيب العمليات الحيوية التي تستخدم الحديد أو العدوى الميكروبية.

 

*ما الأنيميا المرتبطة بفيتامين B12؟

الأنيميا الناجمة عن نقص فيتامين B12 ليس لها سبب واحد، فهي ليست مجرد سوء تغذية، وبرغم أنها حالة غير شائعة فإن المشكلة قد تكمن في نقص المقدار الكافي الذي نتناوله من فيتامين B12. غير أن الأكثر شيوعا أن تكون أنيميا خبيثة، سببها سوء امتصاص فيتامين B12، ربما نتيجة نقص مادة "العامل الباطني"، أو التهاب المعدة الضموري، أو الاستئصال الجراحي لجزء من المعدة أو الأمعاء الدقيقة.

 

عذرا..... ما العامل الباطني؟

إنها مادة كيميائية يفرزها الجسم يتم إنتاجها داخل المعدة، وتساعد أمعاءك على امتصاص فيتامين B12، فإذا افتقرت عصارتك الهاضمة للعامل الباطني لأسباب وراثية؛ أو إذا تعرضت عملية إفراز عصارات المعدة لخلل ما، فإن فيتامين B12 لا يمتص بطريقة سليمة. ومع التقدم في السن عادة بعد أن يتجاوز المرء الستين عاما؛ قد تؤدي للإصابة بحالة تسمى التهاب المعدة الضموري، وهي حالة تتسبب في نقص المحتوى الحمضي من إفرازات المعدة، على عملية امتصاص فيتامين B12.

 

وماذا أيضا؟

إن الإصابة أو الاستئصال الجراحي لجزء من المعدة يؤثران على العصارات المعدية وعلى امتصاص العناصر الغذائية.

 

النباتيون وفقر الدم

ومن يحدد السبب الرئيسي للأنيميا؟

الطبيب هو الذي سيشخص تلك المشكلات ويقدم للمريض النصائح اللازمة، ولما كان فيتامين B12 لا يمكن الحصول عليه إلا من مصادر حيوانية (كاللحم، أو الأسماك، أو الدواجن، أو البيض، أو الحليب، أو منتجات الألبان)، فإن النباتيين الذين يتبعون نظاما نباتيا صارما في التغذية؛ قد يتعرضون لدرجة أكبر من غيرهم للإصابة بهذا النوع من الأنيميا. لأنهم في حاجة لمصدر يعتمد عليه من فيتامين B12؛ ربما مثلا وجبة إفطار من الحبوب السيريال المدعمة به أو مكمل غذائي يمدهم بهذا الفيتامين، لوقايتهم من الإصابة بالأنيميا.

 

ماذا عن الأنيميا المرتبطة بنقص الفولات؟

تعتبر الفولات مركبات ضرورية لنمو الخلية وتطورها، ودون وجود قدر كاف من الفولات قد تتضخم خلايا الدم الحمراء؛ لكنها لا تتطور بصورة طبيعية، وبالتالي لا تكون قادرة على نقل الأكسجين بكفاءة إلى خلايا الجسم. واليوم نجد معظم منتجات الحبوب مدعمة بحمض الفوليك في البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة، وهكذا يصبح في مقدور معظم الناس تناول ما يكفيهم لتجنب الإصابة بالأنيميا. أيضا تجدين الفولات في الخضراوات الورقية وفي بعض الفاكهة، وفي البقوليات (كالفول)، والكبد.

 

أعتقد أن الفوليك له تأثير أكبر على فئة النساء؟

نعم، هذا صحيح فقد تظهر أعراض نقص الفولات في مرحلة متقدمة من الحمل عندما ترتفع نسبة احتياجهن من الفولات، أما في المراحل الأولى من الحمل فإن نقص الفولات قد يؤدي إلى تشوهات بالحبل الشوكي للجنين. لذا عليك سواء كنت معرضة لخطر أنيميا نقص الفولات أو لا، تناول مقدار كاف منها يوميا، لا سيما إذا كنت تخططين لأن تصبحي أما وتريدين أن تحملي بطفل، أو إذا كنت حاملا بالفعل.

 

هل هناك اختبارات بسيطة يمكن اجراؤها لمعرفة مدى إصابتنا بالأنيميا أم لا؟

نعم.. فقبل أن تقومي بتشخيص حالتك واعتبار حالة الإرهاق التي تشعرين بها حالة أنيميا؛ فتبدأين في ابتلاع أقراص المكملات الغذائية، عليك استشارة طبيبك أولا بشأن أعراضك. ثم اطلبي منه اجراء تحليل دم، وبالتحديد تحليل الهيموجلوبين أو تحليل الهيماتوكريت، وهو تحليل بسيط يجرى على الدم لمعرفة ما إذا كان الشخص مصابا بالأنيميا أم لا، غير أن هناك حالات كثيرة قد تؤثر على نتائجه.

فإذا كانت نتائج التحليل إيجابية، قد يجري طبيبك المزيد من الاختبارات التخصصية.

 

أي الاختبارات؟

على سبيل المثال لأنيميا نقص الحديد تحليل فيريتين البلازما أو إجمالي قدرة الاتحاد بالحديد TIBC، ولأنيميا نقص الفولات  تحليل فولات البلازما،  وفي حالة نقص فيتامين B12، هناك تحليل فيتامينB12 بالبلازما أو ما يسمى باختبار "شيلينج". ويعد التشخيص السليم أمرا ضروريا من أجل العلاج الصحيح لمختلف أنواع الأنيميا.

 

*وختاما بم تنصحيننا.. ضيفتي؟

أقول لكل من يقرأ حوارنا إذا كنت مصابا بالأنيميا؛ فسارع واستشر طبيبك أو أخصائي التغذية المعتمد بشأن العلاج المناسب لنوع الأنيميا الذي تعانيها، ويجب اتباع العلاج الموصوف لك أو نصيحة المتخصص، ولا تتناول مكملات غذائية من تلقاء نفسك. كما يجب أيضا تناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية الثلاثة جميعها وهي الحديد، وفيتامين B12، والفولات، بالإضافة إلى ضرورة متابعة حالتك مع الطبيب وأخصائي التغذية. فربما يطلب منك إجراء تحاليل الدم المناسبة لمراقبة حالتك الصحية بصورة أكثر دقة مع تمنياتي للجميع بالصحة والسلامة إن شاء الله.

المحررة: شكرا لك ضيفتنا المتميزة دوما نورة العصيمي، وأتمنى من قرائي السعي قدر المستطاع للوقاية من فقر الدم، وتناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية اللازمة، انتظروني الزيارة القادمة وحديث لا غنى عنه في التغذية... تقبلوا تحيتي.