من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

مفاجأة لمقدم الشرطة:

في حياة زوجته.. أربعة أزواج آخرين!

* اختارت له أمه قطة عمياء من الريف يربيها على يديه.. فدمرت حياته؟ 

* جريمة في بيت رجاء تكشف سر الأسرار في حياة الزوجة؟

* الزوجة في رسالة من السجن:

أنا ضحية حماتي.. وصديقة عمري الوحيدة!

قالت له أمه وهي تحثه على الزواج: لابد أن تكون عروسك من إحدى عائلاتنا بالريف..!

 لابد أن تكون فتاة خام” تربيها على يديك وتعودها على طبائعك.. وأن تكون أمها معروفة لدينا بطاعتها العمياء لزوجها، لأن البنت نسخة من أمها!!

ابتسم فتحي وسأل أمه:

• لابد أن عينيك على إحدى الفتيات؟!

•• نعم.. بنت لقطة وحاصلة على ليسانس الحقوق ومن أجمل بنات المنصورة!

• خلاص يا أمي.. اللي تشوفيه!

لم يكن فتحي صغيرا، فهو في العام السادس والعشرين من عمره.. ولم يكن تافها فهو ضابط شرطة برتبة نقيب.. لكنه كان بارا بأمه لدرجة جاوزت المعقول والمنطق.. طاعته لها عمياء.. ثقته فيها بلا حدود فهي التي ربته وكانت له أبا وأما منذ رحيل والده وهو طفل صغير.. كانت تختار له أصدقاءه وملابسه ودربته على أن تكون له كاتمة أسراره الوحيدة وألا يثق في مخلوق سواها.. وبعد أن كبر فتحي وتخرج من كلية الشرطة لم يشعر أنه صار خاتما في إصبع أمه تحركه وقتما وحيثما تشاء دون أن يعصي لها أمرا؟.. ورغم نجاحه في عمله لم يفكر في الزواج إلا حينما فاتحته أمه في الأمر ورشحت له سلوى التي انطبقت عليها كل المواصفات التي حددتها الأم، ورأت فيها القطة العمياء التي تتفتح عيناها على يد ابنها الوحيد!.. وبالفعل اصطحبت الأم ابنها نقيب الشرطة إلى مدينة ميت غمر بالمنصورة، حيث زارا أسرة سلوى وطلبا يدها من أسرتها.. واستطاعت الأم بشخصيتها الجبارة احتواء الموقف وتحديد موعد الزفاف وتعهدت بترتيب وتجهيز بيت الزوجية في زمن قياسي..!

 وخلال شهور قليلة كانت سلوى في بيت عريسها بالقاهرة.. البداية كانت مشجعة للعروسين بعد أن شعر كل منهما أن حياته كانت في أمس الحاجة لوجود الآخر فيها، لكن حوارا هادئا كان يدور بينهما كلما اجتمعا.. ربما كانت سلوى تختار هذا التوقيت حتى تضمن نجاح الحوار ويوافق فتحي على أن تنزل للتدريب في أحد مكاتب المحامين الكبار حتى تستفيد من ليسانس الحقوق الذي حصلت عليه بتقدير جيد جدا.. ورغم تردد فتحي في بداية كل حوار إلا أنه كان في النهاية يجبر على الموافقة وإرضاء زوجته مع وعد بأن يختار لها المكتب الذي يطمئن عليها فيه من بين كبار المحامين!..

وبمرور الليالي اكتشفت سلوى أن فتحي سرعان ما ينسى اتفاق الليل مع شمس النهار.. لكنها لم تيأس حتى بعد أن وضعت مولودهما الأول أحمد.. خيرته ذات يوم بين موافقته على أن تعمل محامية أو أن يطلقها ويدعها تعود لبيت أسرتها.. نشب أول خلاف.. وبالطبع وصل الخبر الى حماة سلوى وتكهرب الجو، لكن فتحي توسل إلى أمه ألا تخرب بيته وأن يمنح الفرصة لسلوى للعمل تحت عينيه طالما أن أمها ستتولى رعاية طفله أثناء عمل زوجته.. رضخت أم الزوج وداخلها إحساس بمرارة أول هزيمة لها أمام زوجة ابنها التي رشحتها له!

 

•••

ثلاثة أعوام مرت شربت سلوى خلالها مهنة المحاماة بأسرع مما تخيل الجميع.. لكن غالبا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. مرض والد سلوى وأصرت أمها على السفر لتكون بجوار زوجها المريض.. وتركت حفيدها لابنتها .. واعتذرت أم فتحي عن رعاية حفيدها لكبر سنها.. بل بدأت تستخدم كل أسلحة الحموات لمضايقة سلوى وإجبارها على التفرغ لبيتها وطفلها.. وبدأ فتحي يدفع ثمن الحرب الباردة بين أمه وزوجته.. وتأثر عمله.. وتوترت أعصابه مع كل أزمة جديدة بين سلوى وحماتها.. وبدلا من أن يخرج من عباءة أمه ويبعدها عن حياته الخاصة صب جام غضبه على زوجته وطالبها بأن تكون مثله وتطيع أمه وتعتذر لها.. إلا أن سلوى رفضت.. وأشعلت الحماة بيت ابنها نارا لا تنطفئ حتى استجاب فتحي لأمر أمه وطلق زوجته.. ومنذ هذه اللحظة سقط من عين سلوى وفقد احترامه له؟!

 

•••

.. ولأن فتحي ظل على طاعته العمياء لأمه ترك مطلقته تلجأ للمحاكم لتحصل على نفقة الصغير وشقة الحضانة.. وشعرت سلوى أن ما حكمت به المحكمة من نفقة لا يكفي لسداد فواتير الكهرباء والغاز والمياه وباقي أعباء الحياة.. قررت أن تلحق طفلها بإحدى دور الحضانة وعادت لعملها بالمحاماة.. تغيرت حياتها مائة وثمانين درجة.. كسبت قضايا ومالا وشهرة.. صارت لها صديقة لأول مرة من بين موكليها.. امرأة متحررة.. خبيرة في البورصة.. والرجال أيضا..!.. تفتحت عينا سلوى على الحياة التي لم تكن تعرفها من قبل.. لم تعد القطة العمياء.. استفادت من نصائح صديقتها رجاء وملأتها الأماني والطموحات.. واعتادت السهر في صالون رجاء حيث كان يجتمع عدد من الفنانين والشعراء والصحفيين ورجال الأعمال.. كانوا يسمونه “صالون أدبي”.. لكنه كان مسرحا لاستعراض الذات بين الجميلات والأثرياء.. وكانت سلوى من بين الحسناوات اللاتي تسابق نحوهن المعجبون.. لكنها اختارت أن تلعب بنار تدفئ ولا تحرق.. خططت لاختيار نوع شديد الخصوصية من الرجال، فلم تمنح اهتمامها إلا للرجل الذي تتوافر فيه أربعة شروط.. كبر السن.. والثراء.. وأن يكون متزوجا.. وأن يكون في حالة رعب دائم من زوجته.. وكان شرطها الوحيد أن يكون زواجهما عرفيا وسريا.. ومن ورقة واحدة تحتفظ هي بها!!.. واعتمدت خطتها التي رسمتها لها رجاء على أن تجعل كل زوج تختاره في حالة رعب مستمر من طليقها الذي تدعي كذبا أنه يهددها بقتلها وقتل من يتزوجها.. وفي الوقت المناسب وبعد أن تقطف كل ثمار الزواج تخرج من حياة هذا الزوج حينما تسرب إليه خبرا بأن طليقها يراقبها فيهرب الزوج الجديد وينجو بنفسه!

القطة التي كانت عمياء صارت حادة البصر على يد رجاء التي كانت تحتفظ بأوراق زواج سلوى العرفية في بيتها.. أربعة أزواج في ست سنوات تخلصت منهم سلوى واحدا تلو الآخر بعد أن امتصت دماءهم!!.. حققت أكثر مما كانت تتمنى وتطمح إليه وقررت أن تستريح وتمنح نفسها إجازة مفتوحة من عالم الرجال والزواج.. تفرغت لابنها الذي بدأ يكبر وانتقلت معه إلى شقتها الجديدة في واحدة من أرقى أحياء القاهرة.. ابتعدت قليلا عن صالون رجاء وأعطت وقتا أكبر لمكتب المحاماة والاستشارات القانونية الذي افتتحته بالقرب من عمارتها!.. أخيرا هدأت حياتها وشعرت بالأمان لأول مرة وهي تخطو من نجاح إلى نجاح!

 

•••

فجأة.. ظهر فتحي في حياتها من جديد بعد أن حصل على رتبة المقدم.. اعتذر لها عن أخطاء الماضي.. صارحها بأنه لم يكتشف ضعفه أمام أمه إلا بعد أن ماتت وتركته وحيدا.. توسل إليها أن تمنحه العفو والفرصة لتلتئم الأسرة من جديد ويعيش ابنهما بين أبيه وأمه.. ثم همس لها:

• كنت أتابع أخبارك.. كان احترامي لك يزداد يوما بعد يوم بعد أن عرفت أنك رفضتِ الزواج بعدي.. لهذا لم أتزوج أنا أيضا؟!

تلون وجه سلوى.. لكن القطة التي كانت عمياء تدربت جيدا على مواجهة المواقف الصعبة.. ابتسمت وهمست له هي الأخرى بأنها تقبلت عذره ولا تمانع في العودة إلى عصمته.. وكاد فتحي يطير من الفرحة.. عانقها وهو يبكي.. وعانق طفله وأمطره بالقبلات.. وخلال أيام عادت المياه لمجاريها.. وحسد الناس ضابط الشرطة والمحامية بعد أن دبت السعادة في بيتهما من جديد.. وشعرت سلوى أن الحياة قد غفرت لها وله كل ما سبق وبدأت صفحة جديدة مع نفسها.. لكن من يطمئن للحياة كمن يطمئن للماء في الغربال!!

استيقظت سلوى ذات صباح على خبر في غاية الإزعاج.. المباحث عثرت على جثة رجاء مقتولة داخل شقتها..!.. الحزن الدفين الذي سيطر على سلوى أنساها أن في بيت رجاء أوراق الزواج العرفي الأربع.. وأن المباحث قامت بتحريزها ضمن أحراز القضية المفتوحة.. ربما كانت في عقود هذه الزيجات خيط يقود إلى القاتل!.. وكانت المفاجأة مروعة حينما تم استدعاء سلوى لسؤالها عن علاقتها برجاء.. وجن جنون الزوج وهو يحضر مع زوجته التحقيقات ويرى بعيني رأسه أسماء الرجال الأربعة الذين تزوجتهم سلوى وتواريخ الزيجات وتوقيعات الشهود والزوجة على كل عقد!!

أخلت النيابة سبيل سلوى في نهاية المطاف.. لكن فتحي لم يخل سبيلها.. حصل بطريقته الخاصة على نسخ من هذه العقود بعد أن اكتشف أن سلوى تزوجت رجلين من الأربعة في وقت واحد؟؟.. أقام دعوى قضائية اتهم فيها زوجته بالزنا والجمع بين زوجين.. وحينما جاء إلينا ملف هذه الدعوى قررت التنحي عن نظرها لصلة قرابة بيني وبين الزوج.. لكن فتحي ظل يزورني في بيتي وينقل لي التطورات أولا بأول حتى صدر حكم بحبس المحامية المعروفة ثلاث سنوات مع الشغل.. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم وبعد أن استنفدت سلوى كل طرق الطعن على الحكم تم القبض عليها في المكان الذي اختبأت فيه ونقلتها مباحث تنفيذ الأحكام إلى سجن النساء بالقناطر الخيرية حيث لبست العباءة البيضاء وهي في ذهول!!

 

•••

.. وزارني فتحي بعد أسابيع قليلة من حبس زوجته.. كان حزينا رغم أنه هو الذي حبسها.. شارد النظرات.. سلمني رسالة طلب مني أن أقرأها.. وفوجئت بأن الرسالة موقعة بخط سلوى بعد أن حكت فيها لطليقها بالتفصيلات المملة كيف ظلمتهما أمه ودفعتها دفعا إلى هذا المصير.. وكيف أوقعتها رجاء في شر أعمالها وكيف غدرت بها الحياة في اللحظة التي ظنت فيها أن الدنيا صالحتها، وأن الماضي قد تم دفنه!!.. وكانت آخر كلمات الرسالة والتي مازلت أذكرها حتى الآن تقول فيها سلوى:

(.. وأرجوك يا فتحي تخلي بالك من أحمد.. ابني وابنك.. لم يعد له في الحياة الآن سواك!

 

وسألني فتحي بعد أن طويت الرسالة عمن المخطئ.. أمه التي اختارت له قطة عمياء من الريف؟!.. أم هو الذي لم ينتبه إلى أنه بلا شخصية أمام أمه؟!

وقلت له طالبا منه عدم التعقيب:

• أحيانا تلزمنا الحياة بأن ننظر للأمام وننسى ما فات.. لأننا بالتفكير في الماضي سوف نضيف خطأ جديدا إلى ما سبق من أخطاء!!

 

Leave a Comment