من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

rqdmبنت الريس.. تتزوج ضابطا بالإكراه!

كانت مريم نقطة الضعف الوحيدة في منزل نائب البرلمان المحبوب الشهير..!

 هي أصغر شقيقاتها الثلاث.. وأكثرهن ضجيجا والوحيدة التي اعتادت الرسوب في الدراسة الإعدادية والثانوية…! لكن والدها نائب الدائرة لمدة عشرين عاما متصلة كان يحبها بجنون باعتبارها آخر العنقود.. لا يضيق عليها ولا يؤخر لها طلبا ولا يلومها على ملابسها المتحررة مثلما يفعل مع باقي شقيقاتها.. ولأن الدائرة الانتخابية للنائب الشهير كانت دائرة شعبية فقد اعتادت أن تطلق على نائبها تحت قبة البرلمان لقب “الريس”.. وكم كان يسعد مريم أن يطلق عليها الناس هناك “بنت الريس”.. هكذا اكتملت لها كل المقومات لكي تعيش حياتها كما تريد دون ضابط أو رابط.. لم تهتم بمقاطعة شقيقاتها لها طالما أن علاقتها جيدة بشلة النادي اللاتي يعشن نفس حياتها.. تزويغ من المدرسة.. علاقات عاطفية.. رحلات خاصة.. تدخين السجائر.. وارتياد دور السينما..! وكانت مريم لا تختلف معهن إلا في العلاقات العاطفية التي تتغير وتتبدل طوال سن المراهقة.. كان لها هدف واحد أصرت على تحقيقه وهو الزواج من ضابط شرطة.. وبالتحديد النقيب فتحي الذي كان معينا لحراسة والدها بعد أن كثرت خلافاته وخصوماته السياسية التي حيرت الحكومة والمعارضة معا.. فهو لا يعارض دائما ولا يؤيد على طول الخط.. كلماته في مجلس النواب كانت طلقات رصاص تصيب وتقتل وتخيف كل من يستهدفه هذا النائب المميز بالمستندات والأدلة، وبعد أن تلقى تهديدات بالقتل عينت وزارة الداخلية النقيب فتحي حارسا خاصا له..  ولم يكن النائب ولا الضابط ولا أي شخص آخر يشعر بما يدور في أعماق مريم نحو النقيب فتحي، فهي تحبه بجنون.. وترصد تصرفاته وتجمع عنه المعلومات وتترقب الساعات التي يظهر فيها مع والدها.. ومع الوقت كادت تفقد ثقتها بنفسها من فرط تجاهل الضابط الشاب لها وكأنه محصن ضد النساء والجمال والدلال، فلا ابتسامة ساحرة تلفت انتباهه.. ولا نظرة حانية تؤثر فيه.. ولا حتى تلك الحركات الأنثوية البارعة التي كانت تتفنن فيها مريم تحرك فيه ساكنا؟.. اخترعت الأحاديث معه لعل وعسى يقرأ من عينيها أو نبرات صوتها أنه فارس أحلامها.. لكنه كان يختصر الكلام ويمسك بجهازه اللاسلكي لينصرف عنها إلى مهام عمله!.. طال صبرها والمرأة لا تصبر إلا على رجل تحبه.. ويتجاهلها!

أخيرا.. قررت أن تصارح شلة النادي بالمأزق الذي تعيشه.. وضحكت زعيمة شلة المراهقات من مشكلة مريم التي ترى أنها ليست مشكلة على الإطلاق وأن حلها غاية في السهولة.. وضعت لها الخطة واعتمدتها الشلة وبدأت مريم في تنفيذها!

قبل يوم من الإجازة الأسبوعية  للضابط الشاب تجرأت مريم وهمست للضابط الشاب بأنه مدعو لحفل يوم ميلادها الذي تقيمه صديقاتها في شقة إحداهن بمصر الجديدة.. وسألها الضابط باستغراب:

• ولماذا لا تقيمه أسرتك في منزلك؟!

•• هذه عادة سنوية.. بابا يعلم كل شيء.. واستأذنته في دعوتك ووافق خاصة وغدا يوم راحتك!

تحت إلحاح مريم وافق الضابط.. وربما كانت موافقته هي غلطته الوحيدة؟..

داخل شقة مصر الجديدة وقد تحولت إلى كرنفال رائع سأل الضابط مريم عن والد ووالدة صاحبة الشقة.. وبررت مريم الموقف بأن والد سمر يمتلك شقتين، هذه إحداهما، تقام فيها أيام الميلاد ويستقبلون فيها الضيوف الذين يزورونهم من الصعيد!.. وتاهت نظرات الضابط الشاب بين المراهقات الكاسيات العاريات وهن يجهزن التورتة ويحتفلن بمريم بالرقص والغناء.. أصبحت الشقة خلال وقت قصير وكأنها ملهى ليلي وشعر الضابط الشاب بحرج شديد وسط مجموعة الحسناوات بينما هو شهريار الوحيد؟.. الوقت يمر.. شموع التورتة أطفئت.. وفوجئ الضابط بتسلل الحسناوات واحدة بعد الأخرى.. حاول أن يعتذر وينصرف هو الآخر.. لكن سمر صاحبة الشقة أقسمت له أنهن عائدات بعد ثلاث ساعات ليتركن الفرصة لمريم وله ليحتفلا سويا بهذه المناسبة بشكل خاص؟.. المفاجأة ألجمت فتحي، خاصة وقد التصقت مريم إلى جواره يوشك أن يخدره عطرها النفاذ!

.. وقع المحظور الذي دبرته مريم وشلتها.. وما إن استفاق فتحي حتى راح يعتذر لمريم مؤكدا لها أنها السبب فيما حدث.. لكنها ظلت تبكي وتهدده بالانتحار إذا لم يصحح جريمته.. وعادت صاحبة الشقة وحدها دون باقي الحسناوات لتتظاهر بأنها فوجئت بما حدث.. وتؤكد  أنها ستكون شاهدة على هذا الذئب الذي نهش لحم صديقتها! وغادر الضابط الشاب المكان منكسرا.. اسودت الدنيا في عينيه.. كيف يرد على هذا الاتهام ويواجه النائب الشهير أو حتى يواجه أسرته وزملاءه وهو الضابط المعروف باستقامته وابتعاده عن الشبهات وكل تقديراته منذ تخرجه “ممتاز” عملا وسلوكا؟!.

ساءت حالة فتحي النفسية.. لم يجد حلا لورطته سوى أن يتجاهل مكالمات مريم له ويغلق الخط في وجهها!.. وبعد أيام فوجئ بوالده اللواء السابق يبلغه بأن مريم حضرت لمنزله وحكت له ولأمه ما حدث بطريقتها الخاصة.. وأنها سوف تبلغ النيابة بأن فتحي اغتصبها وستطلب توقيع الكشف الطبي عليها.. ولن تتردد في الاعتراف لوالدها بما حدث!.. ودمعت عينا الضابط الشاب أمام والده للمرة الاولى وهو يسأله عن الحل.. ورد الأب بكل حسم وحزم:

• أنت أخطأت.. المبررات سوف أصدقها أنا وأمك.. لكن تحقيقات النيابة والتفتيش وكلام الناس سيؤثر على مستقبلك.. عندي لك سؤال واحد: هل هذه البنت فعلت ما فعلت لأنها تحبك؟!

•• نعم.. كنت أشعر بهذا الحب قبل هذه الليلة الموعودة.. لكني لم أبادلها هذه العاطفة لحظة واحدة؟

• لكن حدث بينكما ما حدث باعترافك أنت؟!

•• نعم.. كانت لحظة ضعف وليست لحظة حب!

• إذن الحل الوحيد لتجنب كل المخاطر هو أن تتزوجها.. ولو إلى حين!

وافق الضابط الشاب على الحل الذي طرحه أبوه لمجرد إنقاذ نفسه من تلك الورطة.. وأسرع الأب بالاتصال بمريم قبل أن تتهور وتبلغ والدها أو تشكو ابنه.. أبلغها أنهم سيزورونهم مساء الخميس ليطلب فتحي يدها من أسرتها رسميا؟

تم عقد القران ثم الزفاف.. ورغم جفاء الضابط الشاب مع مريم إلا أنه بدأ يخجل من نفسه حينما شعر بأنها تريد لو استطاعت أن تحمله من فوق الأرض وتضعه داخل عينيها.. كلما صدها ازدادت هي قربا منه.. يتجاهلها فتحتويه.. يبتعد عن فراشها فتنام والدموع تنساب من عينيها لتغرق وسادتها !.. كان اهتمام فتحي ينصب على عمله ليل نهار.. يقضي معظم وقته في بيت أسرته.. يعانق والده ويبكي خجلا لأنه كان السبب في أن ينفق والده كل ما يملك ليجهز له شقة الزوجية!.. وكان اللواء السابق يتصرف بحكمة غير مسبوقة وهو يحاول أن يطيب خاطر ابنه ويرقق  قلبه نحو مريم التي أصبحت واقعا جديدا في الأسرة؟

ذات يوم فوجئ فتحي بخبر جديد.. مريم حامل.. اختلطت داخله المشاعر.. هل يفرح أم يزداد ألما.. عاد إلى بيته لتقابله مريم بمفاجأة جديدة.. طلبت الطلاق!!.. اهتز الضابط الشاب للمرة الأولى.. لم يعلق.. نظر إلى بطن زوجته وتخيل مصير الجنين الذي يتحرك وينمو في أحشاء زوجته.. ما ذنبه في كل ما حدث؟!.. اختلى بنفسه لحظات بينما كانت مريم تلح عليه بالطلاق.. صارحته بأنها أخطأت مرتين.. حينما أحبته دون أن يشعر بحبها.. وحينما تزوجته بالإكراه بناء على نصيحة شيطانية من زعيمة شلة النادي.. أقسمت له أنها لم تعد تقبل الحياة مع رجل لا يطيق أن ينظر إليها.. وفاجأها فتحي قائلا:

• المسامح كريم يا مريم.. ربنا بيقبل التوبة؟

•• من قلبك يا فتحي..

• أقسم لك.. من قلبي طبعا.. المهم خلي بالك من نفسك ومن ابنك اللي في بطنك.. أنا حاسس إنه ولد؟

ذات مساء وبينما كان فتحي ينظف مسدسه خرجت طلقة استقرت في صدر زوجته التي كانت تجلس أمامه.. أسرع بها فتحي الى مستشفى الشرطة وهو شبه منهار، خاصة وأن زوجته كانت فى آخر شهرها التاسع.. بذل الأطباء جهدا خارقا  لإخراج الرصاصة من صدر مريم حتى نجحوا فيما يشبه المعجزة.. لكن حالة مريم كانت تسوء يوما بعد يوم، خاصة بعد أن اضطر الأطباء الى توليدها لسوء حالة الجنين هو الآخر بعد الحادث.. وأصرت مريم أن تسميه باسم أبيه.. “فتحي”.. ثم فارقت الحياة؟

كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد.. وبعد أن تم دفن مريم وتلقي العزاء فيها.. لكن صديقة مريم “سمر” صاحبة  شقة مصر الجديدة زارت النائب البرلماني الشهير لتحكي له القصة من البداية.. سألها النائب عما تقصده من هذه الحكاية.. وأجابت في ثقة:

• زوجها.. هو الذي قتلها لشعوره أنها تزوجته بالإكراه!

كانت الدماء تغلي في عروق النائب الشهير وقد صارت مصيبته مصيبتين.. وفاة ابنته.. وقتل زوجها لها لأسباب لم يكن يعلم بتفاصيلها!..

 صباح اليوم التالي قدم الأب بلاغا للنيابة.. وتكهرب الجو.. وشهدت سمر ضد فتحي مؤكدة أن مريم كانت تحدثها هاتفيا وتشكو إليها جفاء زوجها وسوء معاملته لها.. وعدم عفوه عنها وهجره لفراشها حتى أنها فكرت في طلب الطلاق لتنجو من الذل الذي تعيش فيه؟

 

•••

.. ونظرنا القضية التي كان الضابط الشاب متهما فيها بقتل زوجته عمدا مع سبق الإصرار.. وتحايله على القانون بأن الرصاصة خرجت من مسدسه بطريق الخطأ..؟.. لكننا حكمنا ببراءته لعدة أسباب.. أولها محضر استجواب مريم عقب وصولها لقسم الاستقبال بالمستشفى، وإصرارها في كل أقوالها على أن الرصاصة خرجت بالفعل بطريق الخطأ من مسدس زوجها، وأنه لم يتعمد أن تكون هي بالقرب منه وإنما هي التي جاءت وجلست أمامه بكامل إرادتها لتحدثه في أمر ولادتها.. وحينما أعيد عليها السؤال أصرت على تبرئة زوجها بشكل نهائي وحاسم.. وهي شهادة رسمية من المجني عليها نفسها قبل وبعد إجراء الجراحة لها!.. أما شهادة المدعوة سمر فكانت عبارة عن اجتهادات لا ترقى إلى مستوى الدليل أو الشهادة المعتبرة قانونا، خاصة وأن ما حكته نفس الشاهدة لا يدعو للاطمئنان لها لسوء السلوك الواضح في شخصيتها والذي اعترفت به دون قصد لتروي كيف جهزت شقة أسرتها ليدار فيها عمل مناف للآداب العامة؟… كما أن المحكمة اطمأنت تماما لكل ما سمعته من تفاصيل من الزوج المكلوم والذي أكدت دموعه أن الفترة التي أحب فيها زوجته رغم قلتها كانت أجمل وأعظم وأروع أيام حياته على الإطلاق!

انتهت القضية.. وانتهى معها مستقبل النائب البرلماني الشهير وهذا ما جعل هذه الدعوى نصب عيني.. لا تغيب عن ذاكرتي.. فالنائب الشهير الذي فتح ملفا كان قد انتهى قتل به نفسه سياسيا ولم ينجح في كل الانتخابات التي خاضها بعد ذلك.. واختفت صوره من وسائل الإعلام التي كانت لا تخلو من أخباره.. وحواراته.. وصوره!!.. انتهى الرجل على يد ابنته التي دللها ولم يحسن تربيتها حتى صارت حكاية “بنت الريس” على لسان كل أهالي دائرته الانتخابية؟

صفحة جديدة 1

اخترنا لك