من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

الجميلة والنصاب

كان اهتمامه الكبير بها مكشوفا لجميع العاملين بدار المسنين التي يمتلكها ويشرف عليها في إحدى المناطق الراقية بمصر الجديدة !.. حتى هي كانت تقرأ بسهولة ما تبثه إليها نظرات عينيه من رسائل كأنها رسائل أسير الى الجندي الذي أسره؟!

كانت شخصية رجل الأعمال الثري أقوى من أن يتجرأ أحد العاملين بالغمز أو اللمز أو حتى بالهمس.. لكن أشجان كانت تتعمد أن تشجعه على مزيد من الاهتمام بها بقربها منه وابتسامتها الرقيقة التي لم تكن تظهر فوق وجهها إلا إذا كلمها المهندس حاتم صاحب الدار أو بدأت هي معه الحديث.

.. ويبدو أن الدكتورة أشجان التي كانت تشرف على عيادة الدار أرادت أن تحسم موقف صاحب الدار فراحت تخترع حوارات انتقلت فيها من الحديث عن تطوير العيادة إلى حياتها الخاصة ورغبتها في الحصول على إجازة ثلاثة أسابيع تخلو فيها مع نفسها لتتخذ قرارا مهما..!

 أسقط في يد المهندس حاتم فهو لا يطيق بعادها عن الدار يوما واحدا.. ولا يحتمل إلا أن تشبع منها عيناه كل لحظة، ومن ناحية أخرى انشغل بالقرار المهم الذي سوف تتخذه أشجان ودفعها إلى طلب إجازة طويلة؟.. ولأن أشجان كانت تجيد قراءة مالا يبوح به الرجال استطردت تخبره أن عريسا تقدم لها وأنها طلبت منه مهلة للتفكير!!..

اضطرب صلاح وزلزله الخبر الذي لم يتوقعه.. اصفر وجهه وذبلت ملامحه وتلعثم لسانه بينما أضافت أشجان قائلة له وكأنها تريد أن تمنحه بعض الطمأنينة.

•• إلى الآن لا يبدو  أنني سأوافق، ليس لكبر سنه فهذا أمر لا يشغلني كثيرا.. ولكن لأني عاهدت نفسي ألا أتزوج مرة أخرى بعد أن مات زوجي الذي كان يحبني بجنون!

تشجع حاتم.. لم يعد فارق السن الكبير بينه وبين أشجان يشكل العقبة التي كانت تخيفه وتبعده عن مصارحتها بحبه، ها هي تؤكد بعظمة لسانها أن كبر سن الرجل أمر لا يشغلها.. إذن لابد من أن يكون مباشرا معها وأن يتخلص من سياسة اللف والدوران التي حاول بها أن يثبت حبه لها.. قال لها وقد قرر ألا تفلت الفرصة من يديه:

• لا يمكن لامرأة جميلة أن تحبس نفسها في زنزانة الحزن مدى الحياة.. ولا يمكن أن تحرم نفسها وشبابها من متعة الحياة من أجل رجل مات وفارق الحياة وصار من ذكريات الماضي؟

سألته أشجان في دلال:

•• إذن تشجعني على قبول هذا العريس؟!

• لم أقل هذا.. أشجعك فقط على تقدير عواطف من يحبك.. لابد أن هناك شخصا ما يحبك..  وربما لا تشعرين به!!

•• ولماذا لا يجعلني هو أنا أشعر به؟!

• أشجان أنا مثلا.. حاولت كثيرا أن يصلك إعجابي.. وحبي.. وكل ما أحمله لك من مشاعر.. لكن لم يصلني منك رد صريح؟!

•• الآن أصارحك.. كنت خائفة منك.. ألم تتزوج أربع نساء من قبل.. وذهبت كل منهن لحال سبيلها فيما بعد؟!

• وهذا ما يدفعني إلى حق اللجوء العاطفي إليك.. فشلت زيجاتي كلها لأنها لم تكن عن حب.. وهذه المرة وبعد أن تأكدت من حبي لك أطلب حق اللجوء لمن تعوضني عن فشل الماضي؟

ابتسمت أشجان وصمتت برهة ثم همست له:

•• أنا لست دولة ولا سفارة حتى أمنحك  حق اللجوء.. أنا امرأة حينما يختارني رجل لابد أن يحرص أولا على تأمين مستقبلي معه!

فتحت كلمات أشجان شهية حاتم للمزيد من الحديث المباشر ولم ينته حوارهما إلا وكان كل منهما قد اتفق مع الآخر على كافة ترتيبات الزواج.. وكاد حاتم يطير من الفرحة وهو يرى السعادة ترقص فوق وجه أشجان على عكس ما كانت مخاوفه، بل تشجعت هي الأخرى وراحت تصارحه بأنها كانت تتمناه زوجا بينها وبين نفسها.. لكن قانون العلاقات الخاصة يمنع المرأة من أن تبادر بكشف مشاعرها؟

•••

تزوجا.. وبأمر من حاتم تركت أشجان عيادة المسنين وتفرغت لحياتها معه.. اشترى لها سيارة فارهة موديل العام وأودع لها رصيدا بالبنك.. ونقل إليها ملكية الطابق الثالث من فيلته بإحدى المدن الجديدة التي يسكنها الأثرياء!.. ولم ينس حاتم أن يوصيها بشقيقيه حمدي وحازم اللذين يقيمان معه في نفس الفيلا منذ سنوات طويلة كان لهما فيها الأب والأم معا.. بل طلب منها أن تبحث عن عروس تناسب شقيقه الأصغر حازم الطالب ببكالوريوس العلوم.. أما حمدي فلا يريد الارتباط رغم أنه في بداية الأربعينات من عمره.. ربما لأنه يعشق الحرية والسهر ويرفض قيود الزواج!.. ووعدته أشجان أن تكون لهما أختا وأن ترعاهما حتى يصبح لكل منهما أسرة.. وتعهدت بأن ترشح لحمدي عروسا  يسيل لها لعابه!

مضت الحياة بأجمل مما كانت عليه بين الأشقاء الثلاثة.. وضحت لمسات أشجان على كل أرجاء الفيلا والحديقة، بل شعر جيرانها بأن زهور وورود الحديقة تزدهر ويفوح عطرها كلما مرت بين جنباتها هذه الزوجة!.. وكان حاتم يردد دائما بأنه لم يعرف طعم الزواج ولا النساء إلا بعد أن دخلت أشجان حياته وأعادته شابا في الستين من عمره؟

•••

لم تعش السعادة في قلب حاتم أكثر من ثلاث سنوات!

ذات صباح وبعد أن غادر حاتم فيلته متجها إلى عمله في دار المسنين شعر بآلام في معدته مصحوبة ببعض الدوار فلم يستطع البقاء في العمل ونصحه طبيبه بالخلود للراحة، فعاد إلى منزله في الثانية عشرة ظهرا.. إلى هنا وتبدو الوقائع ثابتة لاشك فيها ولا جدال.. لكن ما حدث بعد ذلك أثار حيرة رجال المباحث والنيابة!.. ففي الواحدة ظهرا أبلغ حاتم الشرطة أنه فور عودته فوجئ داخل حجرة نومه برجل غريب يكمل ارتداء ملابسه بينما كانت زوجته بقميص نومها ترقد في فراش الزوجية.. وحينما حاول الإمساك بهذا الشخص الذي لم يره من قبل ولا يعرفه فوجئ به يهرب من النافذة المطلة على الباب الخلفي للفيلا.

وأضاف حاتم قائلا في النيابة:

• لم أتمالك أعصابي فأمسكت بزوجتي وأشبعتها ضربا وركلا ولكما حتى نزفت دماؤها وسقطت فوق الأرض.. ظننت أنها غائبة عن الوعي.. لكني فوجئت بأنها فارقت الحياة.. أسرعت أستغيث بأشقائي حمدي وحازم ثم أبلغت الشرطة بعد أن تأكدت أنا وإخوتي من  أن زوجتي لم تعد على قيد الحياة!

انتهت أقوال حاتم.. لكن ضباط المباحث لم يرتاحوا إليها، خاصة بعد أن شهد خفير الفيلا بأنه كان يجلس على باب الفيلا في مكانه المعتاد وأكد أن لا أحد دخل أو خرج من الفيلا سوى المهندس حاتم الذي خرج مبكرا  وعاد مع أذان الظهر.!.. وكان السؤال المهم للخفير عن الباب الخلفي للفيلا والذي قال حاتم إن الرجل الغريب هرب منه.. وأكد الخفير  أن مفتاح الباب الخلفي معه هو شخصيا ولا توجد نسخة أخرى، لأن استخدام هذا الباب نادر للغاية!!.. لهذا استقر في وجدان المباحث أن الأخ الأكبر ضبط زوجته متلبسة بالخيانة مع أحد شقيقيه وأراد أن يتستر على الجاني لعلاقة الدم.. خاصة وأنه في مقام الأب لكليهما؟

.. وردا على المحقق قال حمدي إنه كان في شقته بالطابق الثاني يشاهد التليفزيون لأن هذا اليوم كان يوم إجازته الأسبوعية والصيدلية التي يمتلكها تكون مغلقة.. وفوجئ بأن أخاه الأكبر يستغيث به وبأخيه حازم بعد أن وقعت الجريمة في الطابق الثالث..!.

وقرر حازم أنه كان نائما لأنه في إجازته الصيفية لا يستيقظ قبل الواحدة ظهرا.. لكن أخاه الأكبر استنجد به وأبلغه أنه ضبط زوجته تخونه مع رجل غريب تمكن من الهروب عبر النافذة فظل يضرب زوجته حتى فارقت الحياة!

ظلت الشبهات تحيط بالشقيقين لتأكد المباحث والنيابة من أن غريبا لم يدخل الفيلا أو يخرج منها سواء من الباب الأمامي أو الخلفي.. لكن إصرار الأخ الأكبر على  أن خيانة زوجته كانت مع رجل غريب لم تشفع له في إظهار براءته أو حتى كونه كان في حالة دفاع عن الشرف، لأن النيابة انتهت إلى أن رجل الأعمال قتل زوجته لسبب ما وربما أراد أن يتهرب من المسؤولية فادعى أنها كانت تخونه، إلا أن رجال البحث الجنائي من خلال معاينة حجرة النوم التي كانت مسرحا للجريمة لم يكتشفوا أثرا يدل على أن رجلا آخر كان في هذا المكان غير الزوج نفسه؟.. وأحيل حاتم إلينا في محكمة الجنايات!

•••

رغم أن حاتم كرر اعترافه أمامنا.. ورغم أننا أخذنا هذا الاعتراف بحذر شديد، إلا أننا في محراب العدالة كان يهمنا إثبات وجود شخص ما كان شريك الزوجة في الخيانة أو عدم وجود هذا الشخص.. لأنه إذا ثبتت خيانة الزوجة مع شخص ما يكون قتل الزوج لزوجته من أسباب الإباحة وهي حالة الدفاع عن الشرف والتي قد تخفف عقوبته وتنزل بها إلى السجن مع إيقاف التنفيذ.. أما إذا لم تثبت خيانة الزوجة وقت وقوع الجريمة وكذب ادعاء الزوج بوجود شريك لها فإن الزوج يكون قد ارتكب جريمة الضرب الذي أفضى إلى موت وهي جناية مغلظة العقوبة.. وهذا ما استقر في وجدان المحكمة بعد أن عجز الزوج عن إثبات جريمة الخيانة!!.. إلا أن مفاجأة من العيار الثقيل أثارها حمدي الشقيق الأوسط للمتهم حينما حضر في الجلسة الأخيرة وقبل النطق  بالحكم.. قال حمدي أمامنا:

“..أعترف أمامكم أنني كنت موجودا في حجرة نوم أخي حينما حضر في غير موعده وضبطنا أنا وزوجته في حالة تلبس.. نعم هربت منه إلى الطابق الثاني حيث شقتي ولم أقفز إلى الباب الخلفي.. الشيطانة أوقعتني في شباكها وأعمتني عن حقوق أخي الذي رباني وأنفق عمره من أجلي أنا وأخي الأصغر حازم.. أعترف أنني خائن للأمانة.. وربما مات ضميري يوم دنست شرف أخي الأكبر، لكن لا يمكن أن أتسبب في حبسه.. أعرف أنه وأخي الأصغر أرادا إنقاذي من الفضيحة.. لكن دموع أخي حازم على وقوف أخيه في القفص ظلت تؤلمني، فقررت أن أضع الحقيقة أمامكم مهما كان جزائي.!

 

•••

أخيرا.. استراحت المحكمة إلى الوقائع.. ورغم محاولة الأب الدفاع عن أخيه الذي خان شرفه إلا أننا لم نلتفت إلى هذا الدفاع وحكمنا بسجن الأخ الأكبر مع إيقاف تنفيذ العقوبة تقديرا لحالة الدفاع عن الشرف.؟.. لكن قد يسأل سائل وكيف تأكدت المحكمة من أن الأخ الأوسط حمدي ارتكب جريمة الخيانة.. ولماذا لا يتصور أحد أنها مجرد حيلة لإنقاذ شقيقه من جريمة القتل؟!.. وهنا نؤكد على أن حمدي قدم أدلة علاقته غير الشرعية بزوجة أخيه وكانت عبارة عن شرائط فيديو سجلها للقاءات بينهما دون أن تشعر الزوجة الخائنة خوفا من أن  تهجره زوجة أخيه يوما فيبتزها بها.

سؤال آخر قد تثيره هذه القضية.. وما هو العقاب الذي يجب أن يناله الأخ بعد أن دنس شرف أخيه؟!.. والحقيقة  أنه لا عقاب طبقا للقانون لأن جريمة الزنا لا يقيمها إلا الزوج وهو ما لم يفعله الأخ الأكبر.. كما أن جريمة الزنا انقضت بموت الزوجة.. وما يستفيد منه أحد الطرفين في جريمة الزنا طبقا للنصوص يستفيد منه شريكه في الجريمة، وبالتالي تكون الجريمة قد انقضت في حق الأخ شريك الزوجة!

أما الزوج فقد عاد حزينا إلى فيلته بعد أن خرج منها أخوه حمدي وانتقل للحياة في مكان آخر.. ونشرت الصحف – أيضا – أن الزوج تراجع عن إغلاق دار المسنين واكتفى بتعيين حازم مشرفا عليها بدلا منه.. ربما لأن في هذه الدار أجمل ذكريات الحب الذي استمر في الفيلا التي عاش فيها مع أشجان حتى رأى بعيني رأسه خيانتها له!!

اخترنا لك