من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

قضية

العدالة قد تغمض عينيها.. أحيانا!

زوجة.. تحت رقابة مشددة!

الثلاثاء.. أول مارس.

الحادثة عشرة والنصف.. صباحا.. ميدان الثورة.

العمارة رقم 59 تتوسط الميدان وتبدو كما لو كانت أم الميدان وأبرز مبانيه على الإطلاق.. الحياة في الميدان تمضي بشكلها الطبيعي والمعتاد حيث تتسابق كل وسائل النقل والمواصلات.. ويتزاحم المارة في الطريق العام أو أمام الفاترينات.. ضجيج المكان يعلو وينخفض بين لحظة وأخرى وجندي المرور لم يعد قادرا على رفع يده لإيقاف زحف المخالفين.. الناس بين سائر بأقصى سرعة ومتخاذل بطئ يتسكع.. هذا شارد.. وذاك في غاية التركيز ولا أحد يدري ما في أعماق من إلى جواره ولا ما تحمله اللحظة القادمة!

أسفل العمارة رقم 59 وقفت السيدة ذات الرداء الأسود تستند بيديها على باب العمارة الحديدي.. البواب يلمح أنها تفقد السيطرة على قدميها رويدا رويدا.. تترنج.. يهب لمساعدتها.. يسألها عما بها.. لكنها لا ترد ثم تسقط فوق الأرض!.. ينتبه بعض المارة.. يهرولون إليها.. إحدى السيدات تصيح في الرجال ليبتعدوا عن ذات الرداء الأسود، بقع من الدماء تتوالى على ساقيها تنذر بنزيف حاد تتعرض له ذات الرداء الأسود.. أحد الموجودين يتصل بالإسعاف من تليفونه المحمول.. الجميع يتساءلون إن كان أحد يعرف هذه السيدة ذابلة الملامح وإن كان جمالها لم يتأثر بعد، فالوجه يضيء كالقمر وفستانها الأنيق تسكن فيه ظلمة الليل.. لكن لا أحد يعرفها! .. بواب العمارة يؤكد أنه شاهدها تصعد العمارة قبل نصف ساعة فقط، وبصحبتها رجل طويل القامة يختفي نصف وجهه خلف نظارة شمسية سوداء رغم أن الجو كان شتويا وغير مشمس!.. وأين هذا الرجل؟!.. يرد البواب أنه لم يشاهده مرة أخرى، وأن السيدة نزلت وحدها!

الإسعاف رفضت نقل السيدة وأكد طبيب الإسعاف أنها فارقت الحياة.. وصلت سيارة الشرطة وبعد لحظات تواجد وكيل أول نيابة الحوادث.. ومرة أخرى وقف البواب يكمل إجاباته على أسئلة رئيس المباحث، مؤكدا أن العمارة بها أكثر من عشرين شقة ولا يعرف أين كانت ذات الرداء الأسود خاصة وأن معظم السكان نفوا معرفتهم بها!.. يأمر وكيل النيابة بتشريح الجثة ويكلف المباحث بسرعة التحريات حول الواقعة بعد أن تم التعرف على شخصية المجني عليها من خلال بطاقتها الشخصية.. اسمها كاميليا.. العمر تسعة وعشرون عاما.. متزوجة.. وتسكن بأحد الشوارع المتفرعة من شارع الفجالة.. وتعمل بإحدى المؤسسات الحكومية!

من هو؟!

 

رئيس المباحث وبمنتهى الذكاء ربط بين نزيف السيدة كاميليا ووجود عيادة لطبيب أمراض النساء بالعمارة.. توجه إليه وسأله عن السيدة كامليا فلم ينكر معرفته بها وجاءت إجاباته واضحة ومحددة:

• اسمى سامي.. استشاري النساء والتوليد.. حضرت هذه السيدة إلى عيادتي وأخبرتني الممرضة أنها في حالة نزيف وترجو سرعة إسعافها دون أن تنتظر دورها في الكشف.. وبالفعل سمحت لها بالدخول وكان معها رجل طويل القامة يغطي وجهه نظارة شمسية قدم لي نفسه على أنه زوج السيدة وطلب إجراء جراحة إجهاض لها لإنقاذ حياتها.. ورغم أني لا أجري مثل هذه العمليات إلا أن السيدة كانت في حالة خطيرة وواجبي كطبيب ألا أتخلى عنها.. وطلبت من زوجها أن يكتب إقرارا بأنه هو الذي طلب إجراء الجراحة على مسؤوليته.. ووافق الرجل وبينما جهزنا لإجراء العملية بالعيادة فوجئت بالممرضة تخبرني أن زوج السيدة اختفى من العيادة.. وكانت مفاجأة أخرى حينما اضطربت السيدة من خبر اختفاء زوجها ورفضت إجراء العملية ثم غادرت العيادة وهي تسرع الخطى ربما للحاق به.. ولم أعرف شيئا عنها بعد ذلك إلا أنها فارقت الحياة أسفل العيادة!

• لا.. لا توجد عند الممرضة سوى بيانات السيدة وكان الحجز باسمها.. ولا بيانات لزوجها!

• تفسيري الوحيد لما جرى أن الرجل المصاحب للسيدة لم يكن زوجها.. وحينما شعر بمسؤوليته عن الإقرار الذي سيكتبه تركها وهرب.. أما هي فكان واضحا أنها شديدة الارتباط به وشعرت بالخوف من إجراء الجراحة دون أن يكون هذا الرجل إلى جوارها!

أشرف من الشرف!!

 

النيابة أفرجت عن الطبيب الكبير بكفالة مالية ومعنى هذا أنها وجهت إليه اتهاما بالتقاعس عن إنقاذ مريضة بين الحياة والموت وكان هو الوحيد الذي يمكنه القيام بهذا العمل في هذا الوقت.. ومعنى الإفراج عنه بكفالة – أيضا – أن الطبيب سوف يقدم للمحاكمة لتقرر المحكمة إدانته أو براءته!

المباحث من ناحية أخرى كانت تجري تحريات مكوكية حول الواقعة التي تحولت إلى لغز بعد أن استمع ضابط المباحث لأقوال أم كاميليا التي قالت فيها:

• ابنتي أشرف من الشرف.. لا تطلقوا حولها الشائعات.. ما الذي يدفعها للذهاب إلى طبيب أمراض النساء إلا للأسباب العادية التي تتردد بسببها النساء على مثل هذه العيادات.. لكن لا تقولوا أن كاميليا كانت حاملا.. ومن أين يأتي الحمل وزوجها غائب عنها منذ سبعة شهور؟!.. ولماذا تجهض نفسها.. ومن هو الرجل الذي كان معها.. ابنتي متزوجة من رجل محترم يقدس الحياة الزوجية ولها منه هذه الطفلة التي لم تكف عن البكاء منذ سمعت بخبر وفاة أمها.. كاميليا تذهب إلى عملها كل صباح وتعود عصرا وتجلس معي ومع ابنتها تذاكر لها دروسها حتى المساء ثم تأوي إلى فراشها.. لا تشوهوا سمعتها.. لقد اتصلت بزوجها وسوف يصل مصر الليلة ليخرس كل الألسنة!

لم تكن أقوال الأم مجرد دفاع عن ابنتها وإنما كانت صدمتها مروعة وثقتها في كاميليا بلا حدود.. وظلت تحتضن حفيدتها بنت السنوات السبع وقد امتزجت  دموعها!.. لكن توالت المفاجآت قبل ساعات من وصول الزوج.. تشريح الجثة أثبت أن كاميليا كانت حاملا في الشهر الرابع.. وأنها حاولت إجهاض نفسها بوسائل بدائية قبل أيام من الحادث فأصيبت بنزيف لم تستطع السيطرة عليه!

داخل مقر العمل وفي الإدارة التي كانت المجني عليها تعمل بها استمعت المباحث للسيدة سوسن زميلة كاميليا وصديقتها فكانت مفاجأة أخرى أزاحت بعض الغموض عن الحادث.. قالت سوسن:

• أنا وكاميليا نعمل في هذا المكتب الخاص بالعلاقات العامة ولا ثالث معنا.. شخصية جميلة وخفيفة الظل وسريعة البديهة، لكنها لا تتحدث عن حياتها الخاصة أبدا.. فاجأتني حينما حصلت على إجازة دون مرتب منذ ثلاثة شهور.. حينما سألتها عن السبب لم تجب بأكثر من أنها ظروف خاصة.. ولم أرها من هذا التاريخ!

•• لكن أمها تؤكد أنها تذهب للعمل كل صباح؟!

• غير صحيح.. ماكينة التوقيع تثبت أنها لم تقطع أجازتها منذ ثلاثة شهور!!

•• هل رأيت شخصا ما يتردد عليها قبل الإجازة أو أحسست بأن لها علاقة ما برجل آخر غير زوجها؟!

• أحيانا كانت تصلها مكالمات تليفونية فتترك مكتبها وتبتعد كيلا أسمع ما تقول.. ولم يكن هذا الأمر يعنيني فلم أهتم به!.. وذات يوم ونحن نغادر العمل وعلى باب المؤسسة الخارجي فوجئت بسيارة حمراء صغيرة كان بداخلها رجل لم أتحقق من ملامحه.. وكان واضحا أن كاميليا لم تكن تعرف بوصوله فارتبكت حينما شاهدته وتلعثمت ثم همست لي بأنه ابن خالتها وقد جاء ليوصلها إلى المنزل.. وبالفعل ركبت كاميليا معه!!

أنا الزوج!

 

وصل الزوج إلى القاهرة وتوجه مباشرة إلى سراي النيابة حيث أطلعه رئيس النيابة على محاضر الشرطة وأقوال الطبيب وممرضته والأم وسوسن وبواب العمارة.. جلس الزوج على أقرب مقعد وطلب كوبا من الماء بعد أن توقف طويلا أمام أقوال سوسن  والرجل صاحب السيارة الحمراء التي قالت عنه إنه كان ينتظر كاميليا أمام باب المؤسسة.. بعدها قال المهندس عز:

• أنا الزوج.. وأريد أن أصل للحقيقة مثلكم تماما.. أعمل بدولة خليجية وأحصل على إجازة شهرا كل عام.. تركت زوجتي منذ سبعة شهور بعد انتهاء إجازة الصيف الماضي فكيف تكون حاملا في الشهر الرابع؟!.. كما أنها تحدثني هاتفيا كل ليلة قبل أن تنام ولم تخبرني أبدا بأنها في إجازة دون مرتب!!.. إنني أتوقف طويلا أمام ابن خالتها فهو بالفعل طويل القامة كما قرر بواب العمارة والممرضة والطبيب.. وكان قد سبقني وخطبها ثم فشلت الخطوبة.. أي أنه كان على علاقة بها قبل زواجها مني.. لكن طوال زواجنا لم أشعر إلا بحب زوجتي لي ولابنتها وبيتها.. خاصة وأن علاقتها بابن خالتها كانت قد انقطعت بشكل جذري.. كان بيني وبين زوجتي تفاهم كبير إلا أنني أتساءل الآن لماذا ذهب ليوصلها إلى منزلها وينتظرها أمام باب المؤسسة.. هل عادت علاقتهما القديمة بعد أن غاب القط فلعب الفأر؟!.. هل هو الخائن الذي حملت منه في غيابي وأرادت أن تتخلص من الفضيحة فتركها وهرب وهي بين الحياة والموت؟!.. أريد أن أعرف مثلكم بالضبط أين الحقيقة!

سأله رئيس النيابة:

• ألم تشعر بالشك يوما في زوجتك؟!

•• إطلاقا.. لكن ذات يوم وصلتني رسالة قصيرة للغاية.. وبتوقيع فاعل خير.. تقول كلماتها القليلة: “.. أمامك اختيار من اثنين.. إما أن تصطحب زوجتك معك أو تعود لتعيش معها لأن زوجتك تحتاج إلى من يحميها ويحرسها من نفسها والنفس أمارة بالسوء!”

• وماذا فعلت بعد هذه الرسالة؟!

•• صارحت أخي بالرسالة وكلفته بمراقبة زوجتي أثناء غيابي.. وبالفعل اتصل بي عدة مرات خلال العام الماضي وأكد لي أنه بعد أن وضع كاميليا تحت رقابة مشددة ثبت له أنها بريئة من كل الاتهامات وحذرني من أن أظلمها وأخرب بيتي بيدي بمؤامرات الحاقدين.. ارتاح قلبي لكلام أخي وعادت ثقتي في زوجتي أقوى مما كانت.. لكن يبدو أن ابن خالتها كان من المهارة بحيث لم يكشفه أخي في مراقبته لكاميليا!

آخر المفاجآت!

 

استدعت المباحث ابن خالة كاميليا فقدم كل الأدلة التي تثبت أنه قطع علاقته بابنة خالته منذ سبع سنوات.. وأن طول قامته لا يمكن أن يكون سببا في الاشتباه به وتشويه سمعته، فكيف يكون في القاهرة يوم الحادث وفي نفس الوقت يكون على حدود مصر حيث يعمل في إحدى شركات البترول وكان في هذا اليوم تحديدا مشرفا على فريق من المهندسين الذين شهدوا معه.

المثير أن بواب العمارة والممرضة والطبيب وسوسن أكدوا جميعا أن الرجل طويل القامة صاحب السيارة الحمراء لم يكن هو ابن خالة كاميليا بعد المواجهة التي أجرتها النيابة بينه وبينهم.. وكان قرار النيابة في النهاية بالإفراج عن ابن الخالة دون ضمان وعدم توجيه أي اتهام له!

وكنت أنا وقت هذا الحادث المحامي العام المشرف على عدة نيابات من بينها النيابة التي تحقق في حادث وفاة كاميليا.. والمفاجأة التي لم أبح بها لأحد كانت ذات صباح بعد إخلاء سبيل ابن خالة كاميليا.. فقد طلبت ممرضة الطبيب مقابلتي لأمر مهم.. وحينما جلست أمامي راحت تهمس لي وكأنها تخشى أن تسمعها الجدران:

• يا أفندم.. ألم تشاهد زوج السيدة كاميليا والذين حضروا معه أثناء التحقيقات؟!

•• ماذا تقصدين؟!

• شخص واحد ممن كانوا معه كان يتعمد ألا يظهر في الصورة أمام الشهود.. وفي كل مرة تقع عيناي عليه أتأكد أنه هو الجاني الذي أتى بالسيدة كاميليا إلى العيادة؟!

•• وما علاقته بالزوج؟!

• أنا سألت من تحت لتحت فعرفت أنه أخوه!!

•• سوف ندون شهادتك في محضر رسمي!

• لا..لاتدخلني في مشكلة لا أعرف نتائجها.. أرجوك.. سحبت أقوالى وأعتذر!

كانت الممرضة خائفة.. ولم أرحب أنا أيضا بتدوين أقوالها حفاظا على البقية الباقية من أعصاب الزوج فقد خسر زوجته بالموت ومن الممكن أن يقتل شقيقه الذي وثق فيه وجعله أمينا ورقيبا على زوجته لمدة عام.. وظن الزوج أن شقيقه بالفعل وضع زوجته تحت رقابة مشددة بينما كان الاثنان تحت أمر إبليس!

قد يسألني سائل: وهل ضميرك ارتاح بهذا التصرف الذي نجا فيه الأخ الخائن من العقاب.. وأقول.. نعم.. لأن نجاة الأخ الخائن من العقاب أهون من أن يقتله الأخ المخدوع.. كما أن القاضى مهما كان مقتنعا باتهام شخص ما لا يمكن أن يحاكمه من تلقاء نفسه ودون بلاغ وتحقيقات ودفاع وباقي شروط المحاكمات فى القانون.. لهذا قد تتغافل العدالة عن الجاني أحيانا!

صفحة جديدة 1

اخترنا لك