من أجندة رئيس المحكمة

من أجندة رئيس المحكمة يكتبها محمد رجب

شاركShare on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Pin on PinterestShare on LinkedInShare on TumblrShare on StumbleUponEmail this to someonePrint this page

قضية

من الحارة إلى القصر.. ثم القبر!

القصة الحقيقية لجميلة الجميلات

أين «كاتيا»؟!

سؤال يتردد فوق شفاه الكبار والصغار في حي الدرب الأحمر حيث يعيش المئات من سكانه كأسرة واحدة شأن كل الأحياء التي تقع داخل أو بالقرب من المناطق الأثرية في مصر القديمة.. الآباء والأجداد وكافة تفاصيل العائلات كتاب مفتوح لكل صاحب منزل أو شقة أو حانوت أو مقهى.. وكان طبيعيا أن كل من يقابل أم «كاتيا» يسألها عنها.. وكانت الأم بعد أن تخونها دموعها لا ترد إلا بجملة واحدة تلقي فيها باللوم على قسم الشرطة الذي لم يهتم بالمحضر الذي حررته بغياب ابنتها وأكدت فيه أن لديها شكوكا قوية في أن «كاتيا» مخطوفة!

لكن من أين جاءت الأم بهذا الإحساس؟! يبدو أنها بعد أن خرجت ابنتها في الصباح ولم تعد مع غروب الشمس كما اعتادت هرعت الأم تبحث عنها في كل الأماكن التي يمكن أن تعثر على «كاتيا» فيها.. إلا أن جهودها باءت بالفشل أسبوعا كاملا.. حتى المستشفيات والمشارح والبحث في حوادث السيارات والقطارات لم يكن للابنة أثر فيها.. ربما لهذا راحت الأم تؤكد أن ابنتها مخطوفة!

ولم يكن غريبا أن تظل «كاتيا» حديث الساعة بين أبناء الحي وبطلة لحكايات بعضها من نسج الخيال وبعضها الآخر مجهول المصدر.. لكنهم أجمعوا على أن كاتيا تركت فراغا تعجز أي أنثى أخرى على أن تملأه.. فهي جميلة الجميلات بلا منازع.. في الصباح حينما تهل عليهم بطلعتها المبكرة يبدو وجهها كالقمر ليلة تمامه.. وفي المساء حينما تخترق الشوارع والحواري وصولا إلى منزلها الآيل للسقوط تبدو كصاروخ مثير للفتنة يصيب العيون بالراحة.. في عينيها زرقة البحر وصفاء السماء.. وشعرها الحريري الطويل خيوط من ذهب خلف بركان من الأنوثة.. وقوامها يفوق الوصف.. ونبرات صوتها نغمات موسيقية عذبة.. وسبحان من صور..! هذا ما وصفه بها طالب كلية الطب في إحدى رسائله إليها وكانت «كاتيا» تحتفظ بها داخل حقيبة صغيرة فوق دولاب غرفة النوم.

عماد طالب كلية الطب جمع كل ما ادخره من مصروفه وذهب إلى إحدى الصحف ونشر إعلانا في باب «ابحث مع الشرطة» مصحوبا بصورة لكاتيا كان مكتوبا خلفها بخط يدها: «قد ما عمري يطول يا حبيبي.. قد ما عمري يطول.. هستناك على طول يا حبيبي.. هستناك على طول».. لكن أم كاتيا قررت أخيرا أن تخرج عن صمتها وتنفجر في وجه الجميع.. ذهبت إلى المباحث مرة أخرى واتهمت رسميا اثنين من أبناء الحي أكدت أن أحدهما هو الذي خطف ابنتها.. وشتان الفارق بين الاثنين.. الأول اسمه ناجي وشهرته «شمشون».. والثاني عماد طالب بكالوريوس الطب الذي اكتشفت الأم غرام ابنتها به وهي تفتش في متعلقاتها بعد اختفائها المفاجئ والمريب!

مفاجأة كاتيا!

 بدأت التحريات المكثفة تجريها المباحث حول كل الأطراف بعد أن أمرت النيابة بسرعة الكشف عن غموض حادث الاختفاء.. وتوالت المعلومات التي لم تخل من الإثارة:

• أسرة كاتيا تنتمي إلى طائفة الأرمن التي كانت تستوطن مصر.. ورفضت بعض عائلاتها مغادرة مصر وما زالت تعيش فوق أرضها.. الأب اختفى قبل سنوات عقب إنجابه ابنته الصغرى «فيروز» وطال غيابه.. عرف الناس وقتها أنه أشهر إسلامه لينفصل عن زوجته.. وتردد أنه تزوج من سيدة عربية ثرية وهاجر معها إلى وطنها.. والأم رغم أنها تجاوزت عامها الخمسين بسنوات أقسم الجمال بأغلظ الأيمان ألا يرحل عنها لتظل عنوانا من عناوين الحسناوات الأرمن.. لكنها وهبت نفسها لتربي كاتيا وأختها الصغيرة من أرباحها الضئيلة التي تتكسبها من صناعة التريكو.. لكنها بعد أن انقرضت هذه الموضة وعزف الناس عنها عانت فقرا شديدا وظلت تعيش على إعانات بعض العائلات الأرمينية.. إلا أن هذه الإعانات توقفت هي الأخرى بعد هجرة هذه العائلات.. كانت الأم في أشد الحاجة لكل جنيه لعلاج فيروز التي أكدت كل التقارير الطبية ضرورة سفرها لإجراء جراحة بالخارج.. اضطرت كاتيا ألا تكمل تعليمها بعد حصولها على الثانوية العامة لتلتحق بعمل تنفق منه على الأسرة.. لكن في كل وظيفة كان يظهر لها عفريت يساومها.. ورغم صغر سنها وقلة خبرتها كانت تدرك ألا شيء أغلى من الشرف.. وطارت الوظائف تباعا وساءت أحوال الأسرة وتدهورت حالة فيروز وصار الموت أقرب إليها من أي وقت مضى.. وظلت كاتيا حريصة هي وأمها على ألا يعرف أحد ما يعانونه من شظف العيش.. كان عماد الوحيد الذي تبوح له كاتيا ببعض أسرارها فكان حريصا على أن يخترع المناسبات ليهدي إلى حبيبة عمره فستانا أو حذاء أو زجاجة عطر.. إلا أن كاتيا اختفت قبل أن يكمل امتحانات العام الأخير في كلية الطب.

وقالت التحريات أن ناجي الشهير بشمشون من أخطر المشبوهين بالحي.. يتاجر في الأقراص المخدرة.. يفرض إتاوات على الفقراء من أصحاب المحال والباعة الجائلين.. حتى الأقوياء كانوا يخشونه.. والنساء منهن من سيطر عليها خوفا منه أو قهرا أو تحت تهديد السلاح.. ومنهن من ابتعدت عن الشر وتركت الحي لتنجو من سطوة شمشون.. ومع ذلك لم يقدم أحد بلاغا واحدا ضده من الرجال أو النساء تحسبا من ردود أفعاله، فالرجل له فرقة من الرجال تنفذ له كل أغراضه دون أن يظهر في الصورة.. وجند فرقة أخرى من النساء مكشوفات الوجه للأعمال الخاصة جدا.. لكن ما علاقته بكاتيا؟!

تجرأ عماد وحكى لرئيس المباحث عن تحرش شمشون ببنت الحتة الجميلة بعد أن قابلت غزله لها بالصد والتجاهل.. والسخرية منه على رؤوس الأشهاد فأطلق عليها نساءه الرداحات فأشبعوها سبا وقذفا ووعيدا ولم تأخذ الشهامة واحدا من أهل الحي ليدافع عنها خوفا من بطش شمشون رغم تهديده لها أمامهم جميعا بأن يجعل حياتها سوادا.. وأكد عماد أن كاتيا منذ هذه الواقعة تتجنب المرور في أي مكان يتواجد فيه هذا البلطجي أو بعض رجاله أو نساؤه.. وكانت تخبره دائما بأنها تشعر بأن نهايتها ستكون على يد شمشون بعدما سخرت منه علنا!

تشجع كثيرون بعض القبض على شمشون لأول مرة وشهدوا بما قاله عماد.. لكن المباحث واجهت عماد – أيضا – باتهام أم «كاتيا» له بأنه هو الذي خطفها.. ورد عماد بنفي التهمة جملة وتفصيلا وبرر اتهام الأم له بأنها كانت تحذر ابنتها منه لأنه مسلم واختلاف الديانة لن يكلل حبهما بالزواج.. ولهذا حرصت كاتيا على إخفاء علاقتها به لتتجنب غضب أمها من ناحية وتبتعد عن الشبهات من ناحية أخرى.. ورغم ما قدمه عماد وشمشون من أدلة تثبت براءتهما وعدم تورطهما في خطف كاتيا إلا أن النيابة أمرت باحتجازهما على ذمة التحقيق.. ويبدو أن الخبر طار إلى كاتيا فقررت إنقاذ عماد.. كانت مفاجأة من العيار الثقيل حينما تلقت الأم مكالمة من ابنتها بعد منتصف الليل.. طلبت كاتيا من والدتها أن تنفذ ما تقوله لها حرفيا وأن تذهب إلى النيابة وتتنازل عن بلاغها ضد عماد وشمشون لأن كلاهما مظلوم.. ووعدتها لو ظلت هذه المكالمة سرا أن تقابلها في أقرب فرصة.. لم تتردد الأم وتنازلت عن البلاغ وكتبت إقرارا رسميا بأن ابنتها لم تتعرض لأي جريمة من أي نوع.. وأفرجت النيابة عن البلطجي وطالب الطب.. لكن بقيت الأم حائرة لا تؤنسها غير الدموع على ابنتها المريضة والأخرى التي لا تعرف لها مكانا.. ومرت أيام ثم أسابيع حتى تلقت الأم المكالمة الثانية.. موعد جديد.. هرعت الأم في لهفة لرؤية ابنتها.. أبلغتها كاتيا أنها تجهز لسفر أختها للعلاج بالخارج.. وأنها عثرت على الحل السحري لكل مشاكل الأسرة.. توسلت إليها الأم أن تصارحها بما تخفيه عنها وتنقذها من جحيم القلق الذي تعيش فيه.. لكن كاتيا أنهت اللقاء بابتسامة عابرة وتركت أمها تتخبط في حيرتها.. مرت أسابيع وشهور.. الأم اختفت هي الأخرى.. لم يعرف أحد مكان شقتها الجديدة.. لم يعرف أحد أن الأم سافرت مع فيروز إلى باريس وعادت لتجد مرتبا كبيرا يصل إليها أول كل شهر في شقتها الجديدة.. ومع الوقت نسى أهل الحي «كاتيا» وحكاياتها.. لكن بعد خمس سنوات ظهرت كاتيا من جديد فوق أوراق التحقيقات.. تلقى مأمور قسم الخليفة بلاغا من طبيب كبير بأنه قتل زوجته ويجلس إلى جوار جثتها في 118 حي الأنوار بالمقطم.. لحظات وكانت الشرطة داخل فيلا الدكتور شاكر واحد من أكبر الجراحين أصحاب الأسماء اللامعة حتى وقت قصير.. لا أحد يصدق أن الطبيب الكبير هو الذي ارتكب الجريمة الشنعاء.. جثة كاتيا غارقة في الدماء فوق سريرها.. والطبيب يقدم للمباحث السكين الذي ارتكب به الحادث ولا ينطق بكلمة واحدة سوى أنه الجاني!

أصل الحكاية

النيابة أحالت إلينا في الجنايات الطبيب الكبير محبوسا.. وفي قاعة المحكمة جلست أم كاتيا منهارة بعد أن حكت للمحكمة جانبا كبيرا من تفاصيل حياة ابنتها قبل أن ترتبط بالدكتور شاكر.. أما الجاني فقد تكلم عن جريمته أمامنا لأول مرة.. قال:

كانت زوجتي الأولى نور عيني.. تزوجتها وأنا طبيب صغير.. ساندتني سنوات طويلة حتى ذاعت شهرتي وتضاعفت ثروتي مرات ومرات.. لم يكن أحدنا يطيق البعاد عن الآخر.. لا تتركني إلا حينما أدخل غرفة العمليات.. في المساء تدير عيادتي.. وتربط بيننا المكالمات التليفونية طوال النهار.. تركت بصماتها في كل أرجاء الفيلا والعيادة حتى خطفها الموت مني.. كانت الصدمة أكبر مني.. لم تعوضني عنها ثروتي الطائلة ولا شهرتي المدوية ولا علاقاتي الواسعة.. أصابني اكتئاب حاد.. أنا الذي عالجت مئات المرضى لم أجد لنفسي دواء ينسيني الراحلة ليلى.. ومع الوقت أغلقت عيادتي وسلمت إدارة المستشفى الخاص الذي أمتلكه لأحد زملائي.. كل شيء كان يذكرني بالراحلة ليلى ابتعدت عنه أو أبعدته عني.. حتى الفيلا سلمت كل العاملين فيها مكافأة كبيرة وأنهيت خدمتهم.. وعشت وحيدا على الذكريات التي عششت في جوانب الفيلا أسمع فيها وأرى ليلى.. وذات يوم زارني أخي المحامي الكبير واقترح أن تدير الفيلا وجه جديد لا يذكرني بالراحلة حتى لا تبلغ بي المشقة ما بلغت.. ورشح فتاة جميلة لهذه المهمة كان قد اختارها سكرتيرة لمكتبه.. وما أن رأيتها في أول مقابلة بعد إلحاح وإصرار من أخي حتى تدفقت الدماء في عروقي ولم أجد مبررا واحدا لرفضها.. وخلال أيام قليلة أحدثت هذه الحسناء زلزالا لم تنته توابعه في حياتي.. أحسست أن ليلى أصيبت بصدمة في قبرها وبدأت تنسحب رويدا رويدا قبل أن تهزمها كاتيا بالضربة القاضية.. كانت كاتيا هي الجراحة الناجحة التي أخرجتني من العزلة الرهيبة.. ودفنت الماضي وطردت الذكريات من حياتي.. ارتبطت بها ارتباط الطفل بأمه.. نسيت معها أنني أجتاز العام الواحد والسبعين من عمري.. عرضت عليها الزواج على أن يكون مهرها نصف ثروتي.. الفيلا والمستشفى الخاص.. شرحت لي ظروفها فأهديت أمها شقة جديدة ونفقات علاج ابنتها الصغرى وراتبا شهريا كبيرا.. ولم أصدق نفسي حينما امتلكت هذا الكنز الساحر وحدي.. لم تكن كاتيا تعيش معي وإنما تعيش في داخلي.. ومعها الدنيا صارت غير الدنيا.. أدركت للمرة الأولى أنه لا خلود لامرأة وأن الرجل مهما أحب فلن تنسيه حبيبته غير امرأة أخرى.. كان بإمكاني أن أعود لعملي وعيادتي وشهرتي، لكني لم أستطع فراق كاتيا لا نهارا ولا ليلا.. لم أستطع أن أؤخر لها طلبا حتى هذا الطبيب الشاب الذي قدمته لي على أنه قريب لها من بعيد ولا يكفيه دخله من المستشفى الحكومي لم أتردد في الموافقة على اقتراحها بأن أؤجر له عيادتي.. منحتها الموافقة في نفس اللحظة.. ومنحتني هي ليلة من أروع ليالي العمر.. ومع الوقت حررت لها توكيلا بإدارة أعمالي وممتلكاتي بعد أن تفرغ كلانا للآخر، هي تعطيني المتعة وأنا أمنحها المال.. وفي النهاية أفقت على الحقيقة المرة.. اكتشفت بالصدفة أن الطبيب الشاب هو حبيبها القديم عماد.. وأنها لم تؤجر له العيادة ولكن باعتها له بالتوكيل الذي حررته لها.. وحينما بحثت أكثر كانت المفاجأة الثانية باعت له المستشفى الخاص.. الملايين التي جمعتها في سنوات عمري صارت تحت يد شاب أخفت هي عني أنه حبيبها الأول.. لا أعرف ماذا كانت تمنحه أيضا من خلف ظهري.. لقد منحتها معظم ثروتي ظنا مني أنها صارت لعبتي المفضلة ولم أشك لحظة في أنها هي نفسها اللعبة المفضلة لشخص آخر.. أو ربما كان هو لعبتها المفضلة.. ربما اكتفت بأن تمنحني المتعة في الحلال وتمنحه هو قلبها.. وربما جمعت بيننا في وقت واحد.. لا أعلم.. استدعيت أمها وصارحتها بخطايا ابنتها فإذا بالأم تطلب مني أن أطلق ابنتها وأتجنب الفضائح.. واجهت كاتيا بالكارثة التي ارتكبتها فأقسمت بأنها لم تخني ولكنها ردت الجميل لجارها القديم.. أدركت أنني وسط عصابة.. وأنني رغم خبرتي الطويلة وقعت في خطأ عمري فأدخلت امرأة لا أعرف لها أصلا ولا فصلا في حياتي.. ولأنها كانت تعرف نقطة ضعفي هيأت نفسها لليلة من لياليها التي كانت تنسيني بها أي أزمة طارئة على حياتي معها.. وهيأت أنا نفسي للانتقام.. وبعد أن صارت بين ذراعي مددت يدي إلى السكين الذي جهزته أسفل سريري.. مددت يدي والتقطته ثم قتلتها به.. أعرف أنني لم أكن في هذه اللحظة الطبيب المحترم.. وأنني أصبحت جانيا.. غير نادم على جريمتي!

ولفت انتباه المحكمة شاب أنيق كان يجلس بالقاعة هب واقفا يدافع عن علاقته بكاتيا.. إنه الدكتور عماد.. لكن المحكمة لم تلتفت إليه لأنه بلا صفة في القضية.. وعاد الشاب إلى مقعده وإلى جواره فتاة رائعة الجمال.. ربما كانت حبيبته الجديدة.. أما الدكتور شاكر فقد حكمنا عليه بالسجن المؤبد.. وبقي عالقا في ذهني من هذه القضية سؤال حائر حتى الآن.. لو كان أي إنسان في مكان الطبيب الكبير.. واكتشف ما اكتشفه الطبيب من زوجته.. هل كان يطلقها أم يقتلها؟! وهل كان يختار أن يقتلها في آخر لحظة حب تمنحها له؟

Leave a Comment